روحية ورعويةموضوعات

أيليا النبى . 5

33views

ايليا النبي‎ ‎‏ 5‏
ابنة صيدون‎

للأب هاني باخوم

ليت الأحداث تستمر كما كانت عليه: لا يزداد الزيت والدقيق ولا ينقصان ابداً. كافيان دائماً لحياة الأرملة ‏وابنها. ولكن في لحظة، لم يعد مهما لا الزيت ولا الدقيق، فقد مات من كان وجودهما مهماً بالنسبة اليه. مات ‏الابن (1مل 7: 17). نعم مات ابن الأرملة. مات الذي كان لأجله كل شيء. مات من لأجله خاطرت مع اله ‏اسرائيل ونبيه. مات الذي كان يحثها على ان تحافظ على الحياة وتصارع من اجلها. مات الابن الذي هو ‏ضمان استمراريتها بعد موتها. مات المستقبل ولم يعد للحاضر ضرورة او معنى. فبم يفيد الزيت او الدقيق ‏بعد ذلك؟ ماذا يفيد استمرارها في الحياة؟ لتبكي ابنها؟ الم يكن من الأفضل لها ان تموت معه قبل معرفتها بإله ‏اسرائيل، إذ كان لديها ما يكفيها لوجبة واحدة ويموتان معاً. ولكن الآن هي على قيد الحياة مع الزيت والدقيق ‏وجثة ابنها بين يديها.‏
فتصرخ الأرملة في وجه النبي وتقول: “ما لي ولك يا رَجل الله؟ أَتيتَ اليّ لِتُذَكِّرَ بذنبي وتُميت ابني” (ا مل ‏‏17: 18). تصرخ وتعلن للنبي حقيقته. فما فعله حتى الآن هو هذا: ذكّر الشعب بخطيئته، وجلب الجفاف الذي ‏تسبب بموت الكثيرين في اسرائيل. هكذا تقول: لماذا اتيت اليّ اذاً؟ لماذا لم تتركني لاموت من الجفاف مع ‏ابني كالباقين؟ لماذا اوهمتني الحياة ووعدتني بالأمان؟ لماذا وعدتني بحياة مختلفة، انا لم اكن انتظر شيئاً، ‏وكنت راضية بموتي مع ابني. اتيت وخدعتني. فما لي ولك يا رَجُلَ الله؟
وامام هذا ماذا يستطيع ايليا ان يفعل ؟ بماذا سيرد وكيف سيشفي حصرة تلك الأم على وحيدها؟ ‏
‏ يقول ايليا للأرملة: “اعطني ابنك”. وأخذه من حضنها واصعده الى العلية التي هو نازل بها واضجعه على ‏سريره. وصرخ الى الرب وقال: “أيها الرب الهي، أالى الأرملة التي انا نازل بها تسيء ايضاً وتميت ابنها؟” ‏‏(1مل17: 19-20). هذا ما فعله امام موت الصبي. فهو يشعر ان الأرملة على حق. فرسالته حتى الآن كانت ‏ان يذكر اسرائيل بخطيئته، جالباً الموت امامه لكي يجعله يستفيق من عبوديته للآلهة المزيفة. كل هذا وافق ‏عليه ايليا وقبله. لكن الآن، ما ذنب هذه الأرملة، هي ليست بيهودية حتى، وبالرغم من ذلك آمنت ووثقت بإله ‏اسرائيل، اهكذا يكون جزاؤها؟ اتتساوى مع من عرف الرب وانكره؟ وان كان كذلك فما ذنب ابنها، الصبي ‏البريء؟ لماذا يدفع هو ثمن خطيئة شعب ليس بشعبه؟ ايليا يقول للرب: اتُسيء ايضاً الى الارملة وتميت ‏ابنها؟ وكأنه يقول: ألم يكفِك ما فعلت باسرائيل؟ الا يكفي موت الخاطىء؟ ايجب ان يموت البار ايضاً؟ موت ‏الصبي يجعل ايليا يعبر عما بداخله، عما يفكر فيه تجاه الرب، فيصرخ ويقول: لم اعد افهمك، لم تفعل هذا؟
‏ لكن في الوقت عينه ايليا يتوجه بهذا الكلام الى الرب، لا يحجب ثقته عنه بل بالعكس، يشكو ما فعله الرب ‏الى الرب نفسه. اي في العمق يستمر ايليا في وضع ثقته بالرب وان لم يكن على اتفاق معه ولا يفهمه. بل ‏بالأحرى يضع الصبي على السرير ويصرخ من جديد الى الرب ويقول ثلاث مرات: “ايها الرب الهي، لِتُعِد ‏روح الولد الى جوفه”. كم هي عظيمة ثقتك بالرب يا ايليا؟ تثق انك اذا صرخت الى الرب كي يقيم الولد ‏فسيفعل. وكم هوغريب ايمانك! من ناحية تقول له: انك اسأت لبني اسرائيل وقتلتهم وقتلت حتى الصبي البار. ‏وفي نفس الوقت تصرخ واثقا انه سيرحم ويقيم الصبي!‏
‏ ايليا يصارع مع الرب. ايليا آمن ان الله هو اله الحياة. لكن احداث الحياة تقنعنا بعكس ذلك؛ تُظهر ان الله يريد ‏الموت ليس فقط للخطأة بل للأبرار ايضاً. وهنا يبدأ صراع ايليا الحقيقي. يطلب من الرب ان يُظهر نفسه اي ‏مجده، ان يُظهر انه اله الحياة لا الموت. وكأن الله ينتظر ايليا حتى يصرخ له كي يُظهر نفسه ويقيم الصبي! ‏وبالفعل الله يستجيب ويقيم الصبي. فيأخذه ايليا الى الأرملة. فتقول: “الآن علمت انك رَجُل الله وأن كلام الله في ‏فمك حق” (1مل 17: 24). ‏
تلك الارملة قد فهمت الأحداث بالفعل. قيامة ابنها من الموت جعلتها تعترف بان ايليا هو رجل الله. لم تسمعه ‏عندما صرخ الى الرب ولا تعلم ماذا حدث فوق في العلية. لقد اعطته ابنها جثة واستلمته حيأَ. ما الذي حدث ‏او كيف؟ هي لا تعرف. لكنها تعرف شيئاً واحدا ان ايليا هو رَجُل الله وكلامه في فمه. ‏
يسمع ايليا شهادة الأرملة بأنه رَجُل الله. فقد وعده الرب بأرملة تُطعمه. ولكنها لا تطعمه جسدياً فقط بل وتشهد ‏له بأنه رَجُل الله وان الله معه. كم هي غالية هذه الشهادة لإيليا وخاصة الآن بعد ان بدأ يرى الموت من كل ‏ناحية بسبب ما تكلم به. ولكن الأرملة تبشر ايليا: ما هو على فمك هو من الله وليس منك، فلا تخف. الرب ‏قدير، لا فقط على حفظ الحياة (عن طريق الزيت والدقيق)، لكنه قادر ايضاً ان يقيم الموتى. انظر ابني قد مات ‏لكن الرب الهك اقامه. وهذا الإله الذي له القدرة على الموت وضع كلامه في فمك. هكذا تقول الأرملة :”الآن ‏علمت انك رَجُل الله وأن كلام الله في فمك حق”. فكم هو عظيم تمييزك يا ارملة صيدون!!‏
نعم ارملة صيدون. وصيدون ملكها هو بعل وابنته ايزابيل التي تزوج منها آحاب ملك اسرائيل وبسببها عبد ‏الشعب بعل وترك الرب. اي ان من صيدون دخل الشر والجفاف والموت الى اسرائيل، عن طريق زواج ‏آحاب من ايزابيل ابنة الملك. من اجلها بنى معابد لبعل وادخل عبادته الى ارض اسرائيل. والآن ارملة من ‏صيدون تطعم ايليا وتسنده ليستمر في رسالته ويحارب ذلك الشر. ‏
ايليا يسمع من ابنة صيدون انه رجل الله، يسمع من تلك الأرملة التي نمت وترعرت على عبادة بعل، ان الله ‏هو الرب وانه يتكلم بكلامه. كم هي غالية تلك الشهادة. وبالأخص الآن، لان ايليا سيبدأ صراعه الحقيقي. نعم ‏الصراع الحقيقي. فكل ما حدث حتى الآن كان لتحضيره لما هو آتٍ. فما هو؟
الى المرة القادمة…..‏

ايام مباركة.‏