روحية ورعويةموضوعات

ايوب 4 “‏ رسالة البار “

39views

للأب هاني باخوم

ايوب تلاقى مع الله. عرف من هو بالفعل، وهذا قد كفاه. شاهد الله، الانتصار على الموت، و علم ان شوكة ‏الموت قد تلاشت، هذا ما رآه عندما راى الله. تستمر الامه، تتراكم اوجاعه، لكنه لا يتذمر مجدداً على ‏الرب. مازال الموت يقترب اكثر فأكثر. لكن ايوب لا يلعن يوم ولادته من جديد. لا يبرر نفسه. لا يحاكم ‏الله. كيف يحاكمه وقد رآه؟ كيف يحاكمه وقد راى خلاصه؟ كيف يحاكمه وقد نال عربون الحياة؟
وهنا كان من الممكن ان ينتهي الكتاب. ايوب راى الرب راى الخلاص ، فانتهى نزاعه. دخل في السلام. ‏لكن الله لا يكتفي بهذا، ليس من اجل هذا فقط خاطر منذ البداية، واسلمه ليجرب من ابليس. ليس فقط ‏ليريه نفسه ويعود لسلامه. ماذا هناك اكثر اذاً؟
يرجع الرب للحديث وهذه المرة مع اصدقاء ايوب. نعم اصدقاء ايوب الثلاثة الذين دافعوا عن الله حتى ‏النهاية، الذين ارادوا ان يحموه من اتهامات ايوب الباطلة. يقول لهم: غضبي قد اضطرم عليكم لانكم لم ‏تتكلموا بالحق كعبدي ايوب. غريب هو الرب!!!!! يغضب ممن يدافع عنه، ممن يحميه ويقول عمن ‏يتهمه ويهاجمه انه تكلم بالحق! ‏
لا الرب ليس غريباً. اصدقاء ايوب لم يعرفوا من هو الرب في الحقيقة. كانوا يعرفون الهاً عادلاً حسب ‏البشر: من اخطأ يجب ان يعاقب. من اذنب يجب ان ينال الجزاء. لم يعرفوا الاله الحقيقي، الاله الرحيم ‏والخالق، الذي لا ينتظر شيئاً من الانسان حتى يعطيه كل شيء. لم يعرفوا هذا الاله الذي احب الانسان ‏مجاناً وخلقه من فيض حبه وجعل كل شيء في خدمته. لم يعرفوا هذا الاله الذي وعد بمخلص من نسل ‏المراة لكي ينتزع الانسان من عمق الموت. لم يعرفوا ان الله يشرق شمسه على الاشرار والابرار سوياً ‏وينتظر عودة الخاطئ لكي يحيا الى الابد. عرفوا فقط الهاً عادلاً، معاقباً للبشر، مترصداً لهم، لا يهمل في ‏حقه. حدّوا الله وجعلوا منه وثناً بحسب افكارهم. انهم يعبدون الهاً، ليس باله ايوب. لذا تكلموا بالسوء عنه ‏لانهم ابداً لم يعرفوه.‏
ايوب تكلم بالحق كما يقول الرب. ايوب على عكس اصدقائه، لا يؤمن بهذا الاله، اله اصدقائه. ويرفض ان ‏يؤمن به وان كان هو الاله الحقيقي، يفضل ان يهاجمه و ألاّ يؤمن به. ايوب يهاجم الله ليجبره ان يخرج ‏عن صمته، ويجعله يرجع لحالته الاولى، او على الاقل، يفسر له كل ما يحدث. وبالفعل تكلم الرب ورد ‏على ايوب. اي ان ايوب قد انتصر في معركته. لكن الرب لم يجب ايوب بل اغرقه بالاسئلة، وايوب ‏تراجع عن موقفه وهجومه واعترف بخطئه. اي ان الرب قد انتصر على ايوب. لكن ايوب الان في حالة ‏سلام وراحة. اي انه انتصر.‏‎ ‎هل انتصر ايوب ام انهزم؟
الله يستمر في حديثه مع اصدقاء ايوب قائلاً: ارجعوا الان الى عبدي ايوب وقدموا ذبائح امامه واطلبوا منه ‏ان يصلي لي من اجلكم، فارفع عنكم غضبي. ايوب يتلقى رسالة جديدة. ايوب بعد رؤية الله يتسلم منه ‏رسالة. يصبح شفيعاً لمن غضب الرب عليهم. شفيعاً للخطأة. اي شخصاً مقرباً من الله، فيطلب منه ان ‏يرحم كل من الخاطئين فيستجيب له الرب. ولا ينظر لحماقة خطيئة الخاطىء بل، لتضرع ايوب مستجيباً ‏له.‏
ايوب يرتفع من حالته كانسان عادي ،عليه ان يبرر نفسه، الى انسان له كلمة مسموعة عند الله لتبرير ‏الخاطيئن. ايوب يصبح صورة لدم المسيح، مراق على الصليب، شفيع ابدي لمن هو في عمق الخطيئة او ‏في احضان الجحيم.‏
ايوب يصبح معاون الله في عمله: اي في رحمة الانسان وخلقه من جديد بالتوبة. ايوب اصبح شفيعاً. فما ‏اعظم كرامة ايوب؟
ويصلي ايوب بالفعل لاصدقائه، ويرحمهم الله. ولكن شيئاً غريبا” يحدث! يقول الكتاب: اعاد الرب لايوب ‏مكانته الاولى لانه صلى من اجل اصدقائه. ايوب الان والان فقط استرجع كل شىء: الاولاد ،الممتلكات، ‏الخيرات و الاقارب، لانه استرجع نفسه ورسالته ومكانته الاصلية. ايوب لم يكن مدعوا كما كان في بداية ‏الكتاب ان يحيا حياة خير ورفاهية فيها يعبد الله ولا يخطىء، هذا حسن ولكن قليل جداً. ايوب لم يكن ‏مدعواً ان يربي فقط اولاده ويجعلهم يعبدون الرب فحسب. هذا حسن ولكنه قليل جداً. ايوب الان بعد ان ‏راى الله يرى رسالته الحقيقة: ان يكون وسيطاً بين الخاطىء والرب ، شفيعاً لمن غضب عليه الرب. لم ‏يكن على دراية بدعوته ورسالته لكنه الان فهم لما خلق. خلق لكي يشارك الله في عمله، في استمرارية ‏خلقه للانسان وانقاذه من الموت الابدي. ‏
والان فقط يشفى ايوب من مرضه وتعود اليه كل خيراته بل واكثر. لان ايوب استرجع ما هو اهم من كل ‏هذا استرجع سبب وجوده اي دعوته ورسالته. الآن لا يحيا فقط لكي يحافظ عليهم او لكي يبرر نفسه امام ‏الله. بل يحيا من اجل الذي خلصه ومن اجل خلاص الاخرين. ‏
كل شىء يعود بوفرة : الاموال، الممتلكات، الاولاد، والوعي لرسالته وهويته الحقيقية. لكن يبقى في العقل ‏سؤال: الم يكن يوجد طريق اخر كي يحصد ايوب ما حصد بدون آلام واوجاع، بدون موت وخراب؟ اكان ‏يجب ان يتألم ايوب؟ كتاب ايوب ينتهي لكن الكتاب المقدس لا ينتهي. لذا سنحاول ان نستعرض ذلك من ‏خلال شخصية كتابية اخرى…ايليا النبي …..للمرة القادمة.‏

للأب هاني باخوم، نائب مدير اكليريكة ام الفادي بلبنان