كتاب جديد “يسوع في واقعنا رجالاً ونساءً” للأب نادر ميشيل اليسوعي

“الكلمة صار بشرًا فسكن بيننا” (يو1: 14)،

هذا هو إيماننا ومصدر فرحنا. إنّ يسوع يعرف جبلتنا، بل سكن فيها وصار إنسانًا، له قلب مثل قلبنا وجسد مثل جسدنا، فهم مشاعرنا وأحاسيسنا، وقدّر مشاعرنا وأحلامنا، ووصل حبّه لنا إلى أنّه “اُمتحن في كلّ شيء مثلنا ما عدا الخطيئة” (عب 4: 15). وما من أمر في حياتنا غريبٌ عنه أو مجهولٌ له، وكلّ صفحة من الإنجيل تعلن لنا عن قربه منه وتضامنه معنا. ولكنّ إنسانيّتنا هي في الوقت نفسه رجل وامرأة، وما نعيشه ونقوله ونشعر به، يتميّز أمّا بالرجولة أو الأنوثة، فكيف يلتقينا يسوع في واقعنا الجسديّ المجنّس رجال ونساء؟ ولنا أن نتصوّر كم هو رائع أن نعي سكنى يسوع في كياننا الرجوليّ والأنثويّ، وحضوره بل وظهوره في علاقاتنا بعضنا ببعض. فمعًا رجال ونساء في صميم واقعنا الجسديّ نشعر بالانجذاب بعضنا إلى بعض، ونعكس صورة الله الذي خلقنا ويوحّدنا كلّ يوم. من قلب الله نستمد وجودنا ونحقّق إنسانيّتنا بصفتنا رجال ونساء. ومتى أدركنا حضور يسوع في صميم واقعنا، ينجلي أمام عيوننا بفرح كبير سرّ الجنس في حياتنا، ويضيء أمامنا في نور جميل معنى الزواج والبتوليّة. ويقينًا يرتد هذا كلّه إيجابيًّا على حياتنا الشخصيّة والعائليّة، ويجدّد حيويّة جماعاتنا الرهبانيّة والكنسيّة. لا نتكلّم بما فيه الكفاية على واقعنا المجنّس، ولا نسمع خطابات تنير القلب والفكر عن البعدين الرجوليّ والأنثويّ في حياتنا الإنسانيّة. فالبعد الجنسيّ والعاطفيّ يلمس صميم كيانّنا وأساس هويّتنا، وهو أروع ما فينا لأنّه مرتبط بالحبّ وهبة الحياة، وللسبب نفسه فهو أرقّ ما فينا وأشدّه حساسيّة. ونحن نتساءل كرجال ونساء عن معنى الحياة، الحبّ، الخصوبة، الأبوّة والأمومة. ولكن من غرابة حياتنا الإنسانيّة أنّه ليس من السهل فهم ما هو أساسيّ في وجودنا والتعبير عنه، لأنّه سرّ عميق لا يمكن أن نحيط به تمامًا، وفيه تتشابك أبعاده المختلفة من بيولوجيّة ونفسيّة وفلسفيّة وروحيّة-لاهوتيّة. ولا ننسى أيضًا أنّ الجنس هو أيضًا موضع جروحات عميقة ترتبط بالشعور بالألم، ويحيط به فكرة الخطيئة ومن ثمَّ تأنيب الذات وعتاب الآخرين. ويؤدي بنا هذا كلّه إلى الشعور بالحرج في الحديث عن واقعنا الجنسيّ والعاطفيّ، وبالتأكيد تنقص الأُطر المناسبة لنتكلّم عن أنفسنا ببساطة وسلام وأن نجد الأذن التي تقدّر وتحترم ما نعلن عنه. تقودنا في طرح هذا الموضوع قراءات فلسفيّة ونفسيّة وأنثروبولوجيّة تساعدنا أن نعي واقعنا الإنسانيّ في وجهيّه الرجوليّ والأنثويّ، وتلهمنا دراسات كتابيّة تنير حضور يسوع في حياتنا. وهكذا عبر صفحات الكتاب، واحدة تلو الأخرى، نأتي بالفكرة بجانب الأخرى، فتسندها وتزيدها وضوحًا، حتى يكتمل البناء شيئًا فشيئًا ويظهر بوضوح ترابط المعاني وتناغمها، فيستضيء الذهن ويفرح القلب ويسكن الجسد في هدوء وسلام. ونبغي من خلال العرض أن نفتح المساحة واسعةً أمام القارئ ليتفاعل مع الأفكار بحرّيّة، ويطرح الأسئلة المفيدة على نفسه، ويجد الكلمات المناسبة التي تعطيه معنىً ونورًا في حياته. وبالطبع فالموضوع الذي نعرضه أروع وأعمق من أن ندركه بكلمات محدودة، غير أنّنا أردنا أن نسعى بجديّة وتواضع في سبر سرّ حضور يسوع في واقعنا، كي نفرح معه ونشكره على عظيم أعماله فينا ومن أجلنا. لذا يمتزج في كتابنا العرض الفكريّ والدعوة إلى التفكير والصلاة، الاستنارة الذهنيّة والتأمّل في نصوص الكتاب المقدّس، وقت المراجعة الشخصيّة والمشاركة الجماعيّة. فالصلاة والتفكير والمشاركة يساعدون على التعمّق في سرّ حياتنا والنهل منه بفرح وشكر للربّ الذي منحنا بعضنا لبعض، رجالاً ونساءً. وقد لمسنا الفائدة التي تُجنى من تلك الوسائل خلال الندوة التي عرضنا فيها هذا الموضوع، وقد كان للّقاء والحوار بين العلمانيّين والرهبان والراهبات الحاضرين عظيم الأثر في فهم دعوة الآخر وغناها والتعمّق في نهج الحياة الذي أختاره كلٌ منهم. فمعًا متزوجون ومتبتلون يعلنون عن الله وعن وجهين مختلفين وأساسيّن لعيش واقعنا الجنسيّ المشترك. يبدأ الكتاب في الفصل الأوّل بعرض واقعنا الإنسانيّ من منظور فلسفيّ وأنثروبولوجيّ ويقدم الإشكاليّات المختلفة في فهم حياتنا البشريّة. وفي الفصل الثاني نتوقف أمام النصوص الرئيسة في الكتاب المقدّس من عهدٍ قديم وجديد التي تنير كياننا الإنسانيّ بصفتنا رجال ونساء، علاقتنا بالله وببعضنا البعض. وفي الفصل الثالث نتبع يسوع في لقاءاته المحرّرة مع الرجال والنساء ومرافقته لهم على طريق تحقيق ذاتهم بصدق. وننهي بنافذة تأخذنا إلى أفق الإنسانيّة الجديدة مع يسوع ومريم، آدم وحواء الجديدين.

(Visited 17 time, 1 visit today)