عظات الأيام الطقسية

Made By Trinity تأمل الأحد -الأب داني قريو السالسي

66views

immaculata

Made By Trinity

الأب داني قريو السالسي

تقدم لنا الكنيسة في هذا الأحد، الأول بعد الميلاد، مدخل إنجيل يوحنا. يوحنا البشير عندما دوّن إنجيله، كانت الاناجيل الازائية معروفة عند سائر المسيحيين. فأراد أن يكتب إنجيلاً نابعاً من خبرته ومن تأمله في لاهوت الابن المتجسد، كلمة الله الازلي الذي “صار بشراً وسكن بيننا”. وكما نعلم أنَّ الانجيل بحسب متى وبحسب لوقا، يروي حدث ولادة يسوع المسيح. أما الانجيل بحسب يوحنا، يظهر الولادة لكن بمفهوم أخر. يبرز ألوهية “الكلمة” المتجسد، مبيناً أنّ يسوع هو إله حق وإنسان حق. ويدخلنا في عمق سر الثالوث الأقدس، سر المحبة. لقد كتب إنجيله ليعلن على الملأ أنّ الله صار إنساناً ليخلص العالم. وحينما كتب مدخل إنجيله، كتبه بعد أن أنهى كتابة كامل الانجيل. فهو ملخص عن كل ما سيرد في بشارته. وفي هذا المدخل لا نجد حدث الولادة كما عرضه متى ولوقا، إنما يقدمه بأسلوب في غاية الروعة، فهو يحلق ويرفعنا للغوص في كنه اللاهوت، فيصف ما لايوصف، فيستعمل الاستعارة ويستبدل الكلمات بالصور، معبراً عما تعجز الكلمات عنه. ففيه نجد علاقتنا مع الله، او بالأحرى علاقة الله معنا. لأن الذين يقبلون الكلمة يعطيهم الله  “سلطاناً أن يصيروا أبناء الله”.

“أبناء الله” كلمة تتردد كثيراً في الانجيل، ونسمعها مراراً في الكنائس، وفي لقاءاتنا الانجيلية. ياترى مامعنى أن نصير أبناء الله؟ نقولها ونسمعها مراراً وتكراراً لكن نادراً ما نتوقف عندها. صحيح أننا بحاجة إلى الأبدية لنفهم عمق معناها، لكن ليس من المستحيل أن نفهمها.

إن مدخل الانجيل يظهر لنا الطريق، يرشدنا كيف نكون أبناء الله. إنّ يوحنا الانجيلي، الملقب بالحبيب، الذي مال على يسوع، والذي عاش بالقرب منه، شاركه ألمه في نزاعه، وسرَّ عندما رآه حياً قائماً من بين الأموات. فَهِمَ تماماً ماذا يعني أن نكون “أبناء الله”. ويقولها في رسالته الأولى: “الذي كان من البدء، الذي سمعناه، ورأيناه بعيوننا، الذي تأملناه ولمسته أيدينا، من كلمة الحياة… نبشركم به”. يوحنا كان شاباً في مقتبل العمر، لكن خبرة المسيح كانت قد غمرته، كانت حاسمة في حياته. لهذا فهم الله وفهم الانسان.

يفتتح يوحنا بشارته قائلاً: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله” الكلمة اللوغس باليونانية. لها معنى أوسع بكثير مما تحمله هذه الكلمة من معنى. الكلمة “اللوغس”: ليست ككلماتنا التي نسمعها ونقولها آلاف المرات في اليوم. نحن تعودنا أن نسمع الكثير، وأن نقول أكثر. لقد أصبحنا مدمني كلمات. حتى الراديو، التلفزيون، الأغاني… كلها كلمات في كلمات. لكن هل هي كالكلمة؟! اليوم نسمع الكثير من الأغاني التي تقال بشكلٍ سريع جداً حيث لا نستطيع أن نفهمها أو بألحرى لا نقدر على سماعها. الشباب يتكلمون بسرعة ليقولوا أكبر كم من الكلمات. والنساء إن فتحن أفواههن لا يغلقنها. فالعالم يقصفنا بكلمات وكلمات… ولكن؟! هل فيها من كلمة؟ كم من الكلمات تلقيناها او تكبدناها، أحدثت شروخاً في صدورنا، أحدثت جروحاً وأخاديد في حياتنا، وحتى بعد مرور الزمن لانزال نتألم من صداها.

يوحنا لا يقول في البدء كانت الكلمات. إنما “في البدء كان الكلمة” إن الكلم هي عبارة عن هواء، عن زفرة، عن نفخة من الصوت، صوتٌ لاشيء بداخله. كم من الكلمات تخرج من أفواهنا كل يوم. أما الله عندما تكلم قال “كلمة”. قال كلمة واحدة، أبدية، لا متناهية. قال كلمة واحدة لكنه في تلك الكلمة وضع كل ذاته، وضع كل حكمته وضع لا محدوديته فيها. لأن رغبته كانت أن ينقل ويبث كل الروعة والجمال الذي هو فيه. “في البدء كان الكلمة” و”في البدء خلق الله السماوات والأرض” هذه الكلمة الخلاقة، المبدعة التي تحوي كل طاقة الله. “والكلمة كان عند الله”.  لو أردنا أن نكون دقيقين حسب الأصل اليوناني فمن الأفضل أن تترجم عوضاً عن “عند، أو بالقرب”، علينا أن نقول متوجهاً. كان الكلمة متوجها لله. إنَّ المحاضر عندما يلقي خطابه يتوجه للناس، يتكلم معهم ناظراً في عيونهم.

فلنتخيل معاً ماحدث في البدء. كيف كان هذا التبادل العجيب من النظرات بين الآب الأزلي والأبن السرمدي. هذه النظرات العميقة، المشبعة بالحنان والمحبة. نظرات الحب الفياضة التي تننبع من الآب لتغمر الأبن. وتدفق المحبة  هذا من الآب إلى الأبن ومن الأبن إلى الأب هو الروح القدس. هذا التنفس بين الأقنومين هو الروح القدس.

عندما يولد طفل لعائلة ما، تغمر الفرحة البيت، وتشع روحٌ جديدة منه. لأن أي ولادة هي حدث غير طبيعي. وكأن العالم كلّه هو هناك. والأمر الذي يذهلني هو عملية الرضاعة. عندما يرضع الطفل. هي لحظات النعيم للأم ولابنها. الطفل حينما يرضع ينظرالى أمه، يحدق في عيونها، لا يرشقها بنظرة خاطفة، او لمحة عابرة، إنما يركز النظر إليها، وكذلك الأم ترى في عيون طفلها العالم بأسره. روعة في النظرات، حوار صامت لكن في قمة الجمال والبهاء. لحظة الرضاعة الأم لا تعطي فقط الغذاء، إنما تعطي من ذاتها لوليدها. وكذلك هو الأمر بالنسبة للطفل، سعادة لا توصف، الأم هي نبع الحنان، نبع الحياة، من دون هذا النبع ستذبل الحياة وتنتهي. الطفل يقدم عرفان الجميل لأمه من خلال نظرته اليها. والأم تعبر عن فرحها بعطائها المجاني له. سعادتها من إعتراف ابنها بأمومتها له، وعرفان الجميل من قبل الطفل. هذا التبادل العجيب بالنظرات هو نسخة بشرية عما حدث في البدء بين الآب والأبن.

نحن البشر لقد خلقنا من أجل هذه العلاقة، علاقة المحبة وعرفان الجميل. القديس يوحنا بعد أن يقول كان الكلمة متوجها ناظراً الى الأب، يكمل ويقول “به كان كل شيء ، وبغيره شيٌ ما كان” عندما نقرأ في سفر التكوين “فقال الله: ليكن نور، فكان نور” هذا النور خلق بفضل الأبن، خلق عن طريق الابن. الله قال فكان. فالكلمة أول ما تنطق تنج. ويؤكد يوحنا قائلاً ليس فقط النور والظلام والسماء والأرض… إنما “كل شيء” وكأنه يقول made in Trinity. كل شيء هو من صنع الثالوث. كل شيء مفلتر بالكلمة. الآب يخلق ويداه هما الروح القدس وفي نظره الأبن. أي نحن خلقنا حسب موديل الأبن. ليس نحن فقط فكل شيء خلق حسب شكل الأبن، الأبن هو النسخة الأصلية ونحن خلقنا على مثاله. كل الخليقة هي على شكله لكن لا تنفذ الابن، كل شيء في الخليقة يعبر عن جزء، يخبر عن بصيص نور من الأبن. إن المتصوفين والنساك فهموا هذا وتمتعوا برونق عمل الله، بجمال حضور الله في الخليقة، يكفي أن نتذكر نشيد الخلائق لمار فرنسيس. لم يكن مهووساً بالطبيعة بقدر ماكان متأملاً بعمل الله في الطبيعة. كل شيء يرمز الى جزء من الثالوث. الماء يعطي الحياة. النار تعطي الدفء. السماء تعطي السلام… كل الخليقة صنعت بفضله وتتكلم عنه. إنَّ الله ليس مجرد مهندس إنَّما هو فنانٌ مبدع، إلهٌ يحب أن يرسم، أن ينحت، أن يشكل وأن يبدع. هو فنان يضع ذاته من خلال اعماله. عندما خلق النور، يخبرنا سفر التكوين “ورأى الله أنّ النور حسن” وكذلك مع بقية الخلائق رأى نفس الشيء “رأى أن ذلك حسن” حتى إنه كان يرتاح بعد خلق أي عمل وكأنه ينام ويجهز نفسه ليصنع تحفته في اليوم الثاني. إلى أن حان الأوان ليخلق الانسان.  “فرأى أنه حسنٌ جداً” وكأنّه يقول: واو كم هو رائع، إنني فنان قدير.

لأن الفنان يضع من ذاته في عمله، صنعه يتكلم عنه. لهذا عندما صنع الانسان بهر من هذا العمل الخلاب، فبعده أخترع السبت، أخترع يوم الراحة. وكأنَّه يقول لقد صنعت أجمل عمل فني. كفى سأتذوق ما صنعت. عملية الخلق كانت مشهداً مذهلاً. فكل الأجواق السماوية ، الملائكة الساروفين والكاروبين كانوا يتمتعون بهذا المنظر، لأن كل شيء “به كان كل شيء ، وبغيره شيٌ ما كان”. كذلك المزمور: “السموات تحدث بمجد الله وتخبر بما صنعت يداه”.

كل الخليقة تتكلم عن الله، والانسان يدرك، الانسان الوحيد الذي يفهم ويستوعب هذا. نحن نقول تغني الطيور. من قال أنها تغني؟ هل تغني؟ هي تزقزق، تصفر. وتصفيرها نوعاً ما مقبول. لكن الانسان هو الوحيد الذي قال أنها تغني، هو الوحيد الذي أدرك هذا. الانسان مثل الله يفهم لغة الخليقة ويتذوقها. ليس فقط يفهم، إنما  تصبح لغته. لهذا اخترع الفن. إن الفن ليس سوى تقليد لعمل الله. صنع خليقة جديدة، يخلق من جديد، يبتكر، يبدع. اليوم نرى الجمال يحوطنا، واجهات المحلات، ديكورات البيوت، الأثاث، الثياب، السيارات… كلها تملك نفحة من الفن. كذلك الطباعة، الخياطة النجارة، حتى القيادة فن وذوق. المشاهد التلفزيزنية، المسلسلات، كليبات الأغاني…

إنَّ الانسان يمكن أن يعيش دون أشياء كثيرة لكن لا يستطيع العيش دون فن. الشخص الأمي، أو الذي لا بفهم الفيزياء والكيمياء والفلك والحساب يمكن أن يتابع عيشه بشكل طبيعي، لكن من لا يتذوق الفن والجمال. يكون إنسانا بائساً حزيناً، جثة متحركة.

لأن الانسان مصنوع ليس فقط من قبل الله، إنما فيه من روح الله. لهذا يعيش في الفن. يتذوق الطبيعة، يتذوق نعمة الله التي يرسلها اليه كل لحظة. لأن “به كان كل شيء ، وبغيره شيٌ ما كان”.

إن الكلمة الالهية هو لغتنا، هو الوساطة التي نتكلم بها مع الله. هو الكتاب المشترك بيني وبين الله، هو طقسي وحياتي. آه لو ندرك ما معنى هذا. أن الانسان هو وسط الثالوث. الانسان مفعم بنظرات المحبة بين الآب والابن. عندما الانسان لا يتوجه بنظرته الله يعيش حزيناً، عندما لا يتذوق صنع يد الله تساوره الشكوك، عندما لا ينظر بعطف الى أبناء الله، يبدأ بتدمير ذاته. وعندما ينظر الى الله، او الى ابناء الله تجد السعادة طرقها له. وروح الله تدب فيه من جديد. فيصبح فعلاً ابناً لله. لأنه بدأ يتجاوب ودعوته الالهية.

 في كل مرة أحب فيها أعبر عن بنوتي لله، في كل مرة أتفنن فيها أعبر عن بنوتي لله، في كل مرة أتذوق اللحظة الحاضرة أعبر عن بنوتي لله، في كل مرة أقول الكلمة لا الكلمات، أؤكد للخلق أجمع أنّي ابن الله وأني من صنع الثالوث.