الأنبا أنطونيوس عزيز يكتب: المساواة بين الجميع.. لماذا يخشى المجتمع من «الزواج المدنى»؟

نقلا عن جريدة الدستور
الثلاثاء 19/مايو/2026 – 11:25 م
يثير الحديث عن الزواج المدنى قدرًا كبيرًا من الحساسية والجدل فى مجتمعاتنا العربية، إلى درجة أن مجرد طرحه للنقاش يُقابل أحيانًا بالرفض المسبق أو بالتخوف من أن يكون دعوة إلى إلغاء الدين أو تقويض مؤسسة الأسرة. ويستغرب البعض حديثى بإيجابية عن الزواج المدنى، وربما يرجع ذلك إلى أن صورة الزواج المدنى فى أذهان كثيرين ارتبطت بالصدام مع الإيمان أو الشريعة أو باعتباره بديلًا للزواج الدينى، بينما الحقيقة أن الزواج المدنى- فى التصور الذى أدافع عنه- ليس إلغاءً للزواج الدينى ولا حربًا عليه، بل هو إطار قانونى موازٍ له، ينظم العلاقة الزوجية من الناحية المدنية داخل الدولة الحديثة، مع بقاء الزواج الدينى قائمًا بوصفه ممارسة عقائدية وروحية تحترمها الدولة وتحمى حرية ممارستها.
وهنا يلزم توضيح مهم لتفادى سوء الفهم: عندما أستخدم مصطلح «الزواج المدنى»، فإن المقصود ليس إلغاء الزواج الدينى أو استبداله، بل وجود عقدين متوازيين ومنفصلين فى الوظيفة: عقد دينى يتم وفق العقيدة والطقوس الدينية، وعقد مدنى تُرتب الدولة عليه وحده الآثار القانونية. ومن المنظور الذى أتبناه، فإن اجتماع هذين العقدين فى العلاقة الزوجية الواحدة ليس مجرد احتمال تنظيمى، بل هو الخيار الأجدر بالاستحسان، لما يحققه من انسجام بين البعد الروحى للزواج فى ضمير المؤمن، وبين البعد القانونى الذى يصون الحقوق، وينظم الالتزامات أمام الدولة والقضاء. فالدينى يظل معبرًا عن المعنى الإيمانى والروحى، والمدنى يتكفل بتنظيم الحقوق والواجبات فى الإطار القانونى، بما يضمن وضوح العلاقة واستقرارها دون إقصاء لأى من البعدين أو تعارض بينهما.
إن المشكلة الحقيقية التى تواجه مجتمعاتنا ليست فى وجود الدين، بل فى كيفية إدارة التعدد الدينى والطائفى داخل الدولة الواحدة. فعندما تكون قوانين الأحوال الشخصية مرتبطة بالكامل بالمرجعيات الدينية المتعددة، يصبح المواطنون خاضعين لأنظمة قانونية مختلفة حسب انتمائهم الدينى أو الطائفى، وهو ما يؤدى أحيانًا إلى تفاوت فى الحقوق والواجبات، ويخلق شعورًا بغياب المساواة القانونية بين أبناء الوطن الواحد.
من هنا تظهر أهمية الزواج المدنى باعتباره محاولة لإيجاد إطار قانونى مشترك ينظم الحقوق المدنية لجميع المواطنين، دون أن يمنع أى طائفة أو جماعة دينية من الاحتفاظ بمعتقداتها وشعائرها الخاصة المتعلقة بالزواج والأسرة.
وبهذا المعنى، لا يأتى الزواج المدنى فى مواجهة الزواج الدينى، بل يوازيه ضمن مسارين متكاملين: مسار دينى تعبدى يعبر عن الإيمان والانتماء الروحى، ومسار مدنى قانونى تتولى الدولة من خلاله ضبط الحقوق والآثار القانونية للعلاقة الزوجية.
وهذا التمييز ليس تفصيلًا نظريًا، بل هو جزء من فهم طبيعة الدولة الحديثة، التى لا تقوم بوصفها مؤسسة دينية، وإنما بوصفها إطارًا جامعًا لمواطنين مختلفين فى العقائد والانتماءات. وتتمثل وظيفتها الأساسية فى تنظيم العلاقات المدنية بما يحقق العدالة والاستقرار ويحفظ الحقوق.
وإذا كانت الدولة تنظم بعقود مدنية موحدة علاقات البيع والشراء والعمل والإيجار والتجارة، فلا غرابة أن تنظم أيضًا عقد الزواج بوصفه من أخطر العقود الاجتماعية وأكثرها تأثيرًا فى حياة الأفراد والمجتمع.
– البعض يرفض حتى طرحه للنقاش ويعتبره «دعوة لإلغاء الدين»
– صورته لدى كثيرين أنه «ضد الشريعة» و«بديل للزواج الدينى»
– رؤيتى تقوم على وجود عقدين متوازيين ومنفصلين: «دينى» و«مدنى»
– لا يهدد الأسرة ويُمكِّن الدولة من حماية الطرف الأضعف فى الزواج
– يعزز فكرة المواطنة.. ولا يلغى الخصوصيات الدينية أو العقائدية
– يجعل الحقوق المدنية الأساسية لا تختلف باختلاف الانتماء الدينى
– يقلل من اللجوء للسفر للخارج أو التحايل القانونى لإتمام الزواج
يثير الحديث عن الزواج المدنى قدرًا كبيرًا من الحساسية والجدل فى مجتمعاتنا العربية، إلى درجة أن مجرد طرحه للنقاش يُقابل أحيانًا بالرفض المسبق أو بالتخوف من أن يكون دعوة إلى إلغاء الدين أو تقويض مؤسسة الأسرة. ويستغرب البعض حديثى بإيجابية عن الزواج المدنى، وربما يرجع ذلك إلى أن صورة الزواج المدنى فى أذهان كثيرين ارتبطت بالصدام مع الإيمان أو الشريعة أو باعتباره بديلًا للزواج الدينى، بينما الحقيقة أن الزواج المدنى- فى التصور الذى أدافع عنه- ليس إلغاءً للزواج الدينى ولا حربًا عليه، بل هو إطار قانونى موازٍ له، ينظم العلاقة الزوجية من الناحية المدنية داخل الدولة الحديثة، مع بقاء الزواج الدينى قائمًا بوصفه ممارسة عقائدية وروحية تحترمها الدولة وتحمى حرية ممارستها.
وهنا يلزم توضيح مهم لتفادى سوء الفهم: عندما أستخدم مصطلح «الزواج المدنى»، فإن المقصود ليس إلغاء الزواج الدينى أو استبداله، بل وجود عقدين متوازيين ومنفصلين فى الوظيفة: عقد دينى يتم وفق العقيدة والطقوس الدينية، وعقد مدنى تُرتب الدولة عليه وحده الآثار القانونية. ومن المنظور الذى أتبناه، فإن اجتماع هذين العقدين فى العلاقة الزوجية الواحدة ليس مجرد احتمال تنظيمى، بل هو الخيار الأجدر بالاستحسان، لما يحققه من انسجام بين البعد الروحى للزواج فى ضمير المؤمن، وبين البعد القانونى الذى يصون الحقوق، وينظم الالتزامات أمام الدولة والقضاء. فالدينى يظل معبرًا عن المعنى الإيمانى والروحى، والمدنى يتكفل بتنظيم الحقوق والواجبات فى الإطار القانونى، بما يضمن وضوح العلاقة واستقرارها دون إقصاء لأى من البعدين أو تعارض بينهما.
إن المشكلة الحقيقية التى تواجه مجتمعاتنا ليست فى وجود الدين، بل فى كيفية إدارة التعدد الدينى والطائفى داخل الدولة الواحدة. فعندما تكون قوانين الأحوال الشخصية مرتبطة بالكامل بالمرجعيات الدينية المتعددة، يصبح المواطنون خاضعين لأنظمة قانونية مختلفة حسب انتمائهم الدينى أو الطائفى، وهو ما يؤدى أحيانًا إلى تفاوت فى الحقوق والواجبات، ويخلق شعورًا بغياب المساواة القانونية بين أبناء الوطن الواحد.
من هنا تظهر أهمية الزواج المدنى باعتباره محاولة لإيجاد إطار قانونى مشترك ينظم الحقوق المدنية لجميع المواطنين، دون أن يمنع أى طائفة أو جماعة دينية من الاحتفاظ بمعتقداتها وشعائرها الخاصة المتعلقة بالزواج والأسرة.
وبهذا المعنى، لا يأتى الزواج المدنى فى مواجهة الزواج الدينى، بل يوازيه ضمن مسارين متكاملين: مسار دينى تعبدى يعبر عن الإيمان والانتماء الروحى، ومسار مدنى قانونى تتولى الدولة من خلاله ضبط الحقوق والآثار القانونية للعلاقة الزوجية.
وهذا التمييز ليس تفصيلًا نظريًا، بل هو جزء من فهم طبيعة الدولة الحديثة، التى لا تقوم بوصفها مؤسسة دينية، وإنما بوصفها إطارًا جامعًا لمواطنين مختلفين فى العقائد والانتماءات. وتتمثل وظيفتها الأساسية فى تنظيم العلاقات المدنية بما يحقق العدالة والاستقرار ويحفظ الحقوق.
وإذا كانت الدولة تنظم بعقود مدنية موحدة علاقات البيع والشراء والعمل والإيجار والتجارة، فلا غرابة أن تنظم أيضًا عقد الزواج بوصفه من أخطر العقود الاجتماعية وأكثرها تأثيرًا فى حياة الأفراد والمجتمع.
حماية الأسرة لا هدمها
من أكثر الاتهامات شيوعًا ضد الزواج المدنى أنه يهدد الأسرة أو يُضعف مكانة الزواج، بينما الواقع قد يكون عكس ذلك تمامًا. فالزواج المدنى، إذا صيغ بصورة متوازنة وعادلة، يمكن أن يكون وسيلة لحماية الأسرة والحد من كثير من المشكلات الاجتماعية والقانونية التى نعانى منها اليوم.
فكم من امرأة ضاعت حقوقها بسبب زواج غير موثق؟ وكم من طفل عانى من صعوبات إثبات النسب أو النفقة أو الميراث؟ وكم من نزاعات طويلة نشأت بسبب غياب وثيقة قانونية واضحة تنظم العلاقة بين الزوجين؟
لقد كشفت ظاهرة الزواج العرفى أو غير الموثق- لدى بعض المسلمين والمسيحيين على السواء- عن حجم الفوضى التى قد تنتج عندما تُترك العلاقات الأسرية دون إطار قانونى واضح. فكثير من الناس يلجأون إلى حلول ملتوية هربًا من تعقيدات دينية أو قانونية أو اجتماعية، ثم تكون النتيجة فى النهاية ضياع الحقوق وتفكك الأسر.
أما الزواج المدنى، فيقوم على التوثيق الإلزامى الواضح، وهو ما يحفظ الحقوق ويمنع التلاعب، ويجعل الدولة قادرة على حماية الطرف الأضعف فى العلاقة الزوجية، سواء كان المرأة أو الأطفال.
المواطنة و المساواة أمام القانون
ومن أهم مزايا الزواج المدنى أنه يعزز فكرة المواطنة. فوجود تشريع مدنى موحد للأحوال الشخصية يجعل المواطنين متساوين أمام القانون بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو الخلفية الاجتماعية.
وهذا لا يعنى إلغاء الخصوصيات الدينية أو العقائدية، بل يعنى أن الحقوق المدنية الأساسية لا ينبغى أن تختلف باختلاف الانتماء الدينى. فالدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن دينه عندما تمنحه حق التعليم أو العلاج أو العمل، فلماذا تصبح الأحوال الشخصية وحدها مجالًا للتفاوت القانونى؟
إن وجود قانون مدنى موحد يساعد أيضًا على تقليل النزاعات الطائفية، ويحد من تضارب الأحكام القضائية الناتج عن تعدد المرجعيات.
كما أنه يضع الضوابط للزواج بين أصحاب الديانات والطوائف المختلفة ضمن إطار قانونى واضح ومعترف به، ويقلل من لجوء بعض الناس إلى السفر للخارج أو التحايل القانونى لإتمام زواجهم.
التشريع و تطور المجنمع
السلطة التشريعية فى أى دولة حديثة تنطلق من الشعب عبر ممثليه المنتخبين. لذلك فإن تطوير قوانين الأسرة لا ينبغى أن يكون قرارًا فوقيًا معزولًا عن المجتمع، بل نتيجة حوار مجتمعى واسع يقوم على الوعى والمعرفة.
فالتشريع السليم يمر بمراحل واضحة: التثقيف، ثم النقاش، ثم طرح الاقتراحات، ثم التصويت الديمقراطى. ولا يمكن للناس أن يختاروا القانون الذى يريدون أن يحكمهم ما لم تتوافر لهم معرفة حقيقية بآثاره ونتائجه.
من هنا فإن من واجب النخب الفكرية والدينية والقانونية أن تقدم نقاشًا هادئًا وعقلانيًا حول الزواج المدنى، بعيدًا عن التخويف أو التخوين أو اختزال القضية فى صراع بين الدين والحداثة.
الشريعة و الأجتهاد و المصلحة
انطلاقًا من موقعى كمسيحى يعيش داخل هذا السياق القانونى والاجتماعى المشترك، فإن مشاركتى فى هذا النقاش لا تقوم على التدخل فى المسائل العقدية الإسلامية، بل على الاهتمام المشترك بالقضايا المدنية التى تمس جميع المواطنين دون استثناء. ولعل البعض يتساءل: لماذا يتحدث مسيحى أصلًا فى مسائل تتعلق بالشريعة الإسلامية وتطبيقاتها؟ والإجابة أن الأمر لم يعد شأنًا دينيًا يخص المسلمين وحدهم منذ أن نص الدستور المصرى، بعد تعديله عامى ١٩٧١ و١٩٨٠، على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. فمنذ تلك اللحظة أصبحت طريقة فهم هذه المبادئ وتطبيقها شأنًا عامًا يمس البناء القانونى الذى يخضع له جميع المصريين، مسلمين ومسيحيين على السواء.
ونص الدستور هنا ليس موجَّهًا إلى القاضى فى تطبيق النصوص القائمة، بل إلى المشرّع وهو يضع القوانين المنظمة لقضايا شديدة الحساسية، وفى مقدمتها الأحوال الشخصية والأسرة. ولذلك يصبح من الطبيعى أن يُطرح السؤال: إذا كان التراث الفقهى الإسلامى نفسه يتضمن قواعد واسعة تسمح بالتنظيم والاجتهاد ورفع الضرر وتحقيق العدالة، فلماذا نتردد فى الاستفادة منها عند مواجهة أزمات اجتماعية وقانونية واضحة؟
من واقع احترامى العميق للبيئة القانونية والدستورية التى يعيش فيها جميع المصريين، والتى تُعد فيها مبادئ الشريعة الإسلامية، كما ذكرت، المصدر الرئيسى للتشريع، أرى أنه من الطبيعى أن يصبح النقاش حول كيفية فهم هذه المبادئ وتطبيقها جزءًا من النقاش العام، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا تمس الأسرة والنظام الاجتماعى، ومن الخطأ تصوير الشريعة الإسلامية وكأنها منظومة جامدة مغلقة لا تقبل الاجتهاد أو التطور، لأن التراث الفقهى الإسلامى نفسه قد عرف عبر تاريخه تنوعًا واسعًا فى الآراء والمذاهب والاجتهادات، بما يعكس حيوية داخلية وقدرة مستمرة على التفاعل مع الواقع وتغيراته.
وخارج دائرة ما هو قطعى الثبوت وقطعى الدلالة، ظل باب الاجتهاد مفتوحًا، وكان الفقهاء يختلفون باختلاف الزمان والمكان والأحوال والمصالح. بل إن قاعدة «تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والأحوال» تُعد من القواعد الراسخة فى الفكر الفقهى الإسلامى.
كما أن الفقه الإسلامى لم يتعامل مع النصوص بمعزل عن مقاصدها وغاياتها، بل اعتبر المصلحة ورفع الضرر وحفظ الاستقرار الاجتماعى من المقاصد الكبرى للتشريع. ومن هنا قرر الفقهاء أن درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة، وأن اعتبار المآلات أصل معتبر فى بناء الأحكام والاجتهاد. كما أن سلطة تنظيم المسائل الاجتهادية وحسم الخلاف فيها، إذا اقتضت المصلحة العامة، هى لولى الأمر، خصوصًا فى القضايا التى تمس النظام العام وحقوق الناس واستقرار الأسرة.
وما من قضية من قضايا الحياة إلا ووجدنا فيها تعددًا فى الآراء الفقهية المعتبرة، وكانت العبرة فى النهاية بتحقيق مقاصد الشريعة الكبرى: حفظ الإنسان، وصيانة الحقوق، ومنع الظلم، وتحقيق الاستقرار والعدل.
من هذا المنطلق، لا ينبغى النظر إلى الزواج المدنى باعتباره تمردًا على الدين أو إلغاءً له، بل باعتباره محاولة لتنظيم المجال القانونى المشترك بين المواطنين داخل الدولة الحديثة، مع ترك البعدين الدينى والروحى لقناعة الأفراد والطوائف وإيمانهم.
الطلاق الشفهي و أشكالية التوثيق
من التطبيقات العملية التى تكشف أهمية هذا الفهم المرن والاجتهادى للشريعة مسألة الطلاق الشفهى، التى ما تزال تثير أزمات اجتماعية وقانونية كبيرة فى عدد من المجتمعات العربية والإسلامية.
فالطلاق الشفهى قد يحدث فى لحظة غضب أو انفعال، ثم تبدأ بعد ذلك دوامة من الخلافات: هل وقع الطلاق أم لا؟ هل كان الزوج واعيًا؟ هل كان غاضبًا؟ هل قالها مرة أم ثلاثًا؟ هل وُجد شهود؟ هل يُعتد به شرعًا أو قانونًا؟ وفى كثير من الأحيان تبقى المرأة معلقة بين الزواج والطلاق، بينما يعيش الأبناء فى حالة من عدم الاستقرار النفسى والاجتماعى.
إن فكرة التوثيق نفسها لم تكن مقبولة بسهولة فى البداية. فعندما بدأت الدولة فرض توثيق الزواج رسميًا، واجهت اعتراضات واسعة من بعض الاتجاهات المحافظة التى رأت فى ذلك تدخلًا غير مبرر من السلطة فى شئون الأسرة والدين. غير أن الدولة مضت فى هذا الطريق لأنها أدركت أن التوثيق ليس مجرد إجراء إدارى، بل ضرورة لحفظ الحقوق ومنع الفوضى وحماية المجتمع من النزاعات. ومع مرور الوقت، أصبح توثيق الزواج أمرًا بديهيًا، حتى إن أحدًا اليوم لا يكاد يجادل فى أهميته القانونية والاجتماعية.
والأمر نفسه يمكن تطبيقه على الطلاق. فكما أن الزواج العرفى أو الشفهى قد يُعترف به من حيث الوجود الواقعى أو الدينى، لكنه لا يرتب آثارًا قانونية كاملة إلا بعد توثيقه، فمن حق المشرّع أيضًا- إذا اعتمد نظام الزواج المدنى- ألا يرتب أى آثار قانونية على الطلاق إلا إذا تم توثيقه رسميًا، حتى ولو وقع شرعًا. وبذلك يصبح إنهاء العلاقة الزوجية خاضعًا لإجراءات واضحة تحفظ حقوق الطرفين والأبناء، بدل أن يبقى رهين كلمة تُقال فى لحظة غضب أو انفعال، ثم تُترك الأسرة بعدها فى دوامة من التأويلات والخلافات.
بل إن هذا التصور ينسجم مع المنطق القانونى السليم؛ لأن العقد الذى أُبرم بطريقة رسمية موثقة ينبغى ألا يُفسخ إلا بالطريقة نفسها. فاستقرار الأسرة وحماية الحقوق لا يتحققان بالارتجال أو الشفاهة، وإنما عبر إجراءات قانونية واضحة تضمن الجدية وتحفظ الكرامة الإنسانية لجميع الأطراف. من هنا فإن تقنين الزواج المدنى، وربط الطلاق بالتوثيق الرسمى، يمكن أن يضعا حدًا كبيرًا للفوضى الناتجة عن الطلاق الشفهى وما يترتب عليه من نزاعات اجتماعية وقانونية معقدة.
أعتراضات مشروعة و نقاش ضروري
مع ذلك، فإن النقاش حول الزواج المدنى لا يخلو من تحفظات مشروعة يطرحها بعض المعارضين. فهناك من يخشى أن يؤدى إلى إضعاف مكانة الزواج الدينى أو إلى تعارض بعض مواده مع الأحكام الشرعية والعقائدية. وهناك من يخشى أن تتحول قوانين الأسرة إلى ساحة للتجاذبات السياسية أو الأيديولوجية.
كما يرى بعض المحافظين أن فرض الزواج المدنى بصورة إلزامية قد يسبب صدامًا اجتماعيًا وثقافيًا داخل المجتمعات المتدينة. ولهذا فإن أى طرح متوازن للزواج المدنى ينبغى أن يؤكد أنه خيار قانونى متاح، لا أداة لفرض رؤية فكرية على المجتمع أو لإلغاء الدين من المجال العام.
خاتمة
الزواج المدنى ليس دعوة إلى هدم الأسرة ولا إلى إلغاء الدين، كما يصوره البعض، بل قد يكون وسيلة لتنظيم العلاقة الأسرية بصورة أكثر وضوحًا وعدالة، تحفظ الحقوق وتحد من الفوضى والنزاعات.
كما قَبِل الناس مع مرور الزمن فكرة توثيق الزواج بعد أن كانت محل اعتراض، فقد يأتى يوم يصبح فيه توثيق الطلاق أيضًا أمرًا بديهيًا لا يثير الجدل.
وتبقى القضية مطروحة للنقاش المجتمعى الهادئ، لأن الهدف الحقيقى ليس الانتصار لفكرة مجردة، بل البحث عن أفضل السبل لحماية الإنسان والأسرة والمجتمع، وتحقيق التوازن بين احترام الدين ومتطلبات الدولة الحديثة. فى النهاية، فإن جوهر هذا التصور لا يقوم على استبدال عقد بعقد، ولا على إلغاء منظومة لصالح أخرى، بل على التمييز الدقيق بين مستويين مختلفين فى معنى الزواج ووظيفته: مستوى إيمانى روحى يعبّر عن العقيدة والضمير الدينى، ومستوى مدنى قانونى يعبّر عن تنظيم الدولة للحقوق والواجبات، بحيث يكون كل منهما مكملًا للآخر لا منافسًا له.





