ليس كل بريق ذهبًا.. قانون طال انتظاره ونقاش لم يبدأ بعد – مقال للأنبا أنطونيوس عزيز

نقلا عن جريدة الدستور
الخميس 14/مايو/2026 – 02:41 م
أثار مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين جدلًا واسعًا بين مرحّب به باعتباره خطوة طال انتظارها، ومتحفظ يرى أنه لا يعالج جذور الأزمة بقدر ما يعيد تنظيمها داخل الإطار ذاته.
فبينما يضخم البعض مزايا المشروع، تكشف القراءة المتأنية أن كثيرًا من هذه «المزايا» إما شكلية، أو لا تمس جوهر المشكلات التى تعانيها الأسرة المصرية، مسيحية كانت أم مسلمة.
ومن ثمّ، لا تبدو القضية مجرد إصدار قانون جديد، بل تتعلق بفلسفة التشريع ذاتها، وبطبيعة العلاقة بين الدين والقانون، وحدود تدخل الدولة فى تنظيم ما هو دينى وروحى.
فالسؤال الحقيقى ليس: هل نحن أمام قانون جديد؟ بل: أى نموذج قانونى نريد أن يحكم الأسرة المصرية؟
ومن الواضح أن الإرادة السياسية اتجهت، من خلال هذا المشروع، إلى إنصاف الأسرة المسيحية، فاستجابت- إلى حد كبير- لرغبة الكنيسة الأرثوذكسية فى تعديل لائحتها الصادرة عن المجلس الملى، بمشاركة الكنائس الأخرى قبل أن ينتقل المشروع بين جهات الدولة المختلفة، وصولًا إلى صيغته الحالية، غير أن أهمية هذه الخطوة لا تمنع من التساؤل عمّا إذا كان المشروع يعالج الأزمة فعلًا، أم يعيد فقط إنتاجها فى إطار قانونى جديد؟
أولًا: هل يحل القانون أزمة التقاضى؟
– العدالة الناجزة لا تصنعها النصوص وحدها
يرى المؤيدون أن المشروع سيسهم فى حل مشكلات التقاضى المتأخرة، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسرى.
غير أن الرأى المقابل يرى أن الأزمة الحقيقية ليست فى غياب قانون جديد، بل فى بطء العدالة، وضعف آليات التنفيذ، وتقييد سلطة القاضى.
ففى قضايا النفقة مثلًا، لا تكمن المشكلة فى النصوص، بل فى قدرة المحكمة على الوصول إلى معرفة الدخل الحقيقى للزوج، وفرض النفقة العادلة، وضمان تنفيذ الأحكام بسرعة وفاعلية.
كما أن التثقيف الأسرى وإعداد الشباب لتحمل مسئوليات الزواج، أهم كثيرًا من مجرد إصدار تشريع جديد، فالقانون أداة لفض النزاعات، لكنه لا يصنع وحده أسرة مستقرة.
ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن القانون يعالج غالبًا نتائج الانهيار الأسرى لا أسبابه، فالأزمات العائلية ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية ونفسية، لا بمجرد فراغ تشريعى ولذلك قد ينجح القانون فى «تنظيم» الأزمة، دون أن يتمكن من إنهائها.
ثانيًا: هل المشروع أول قانون للأسرة المسيحية؟
– ادّعاء «الفراغ التشريعى»
يُقال إن المشروع يمثل «أول قانون للأسرة المسيحية منذ قرون»، وإن ما سبقه لم يكن سوى لوائح كنسية لا ترقى إلى مرتبة القانون.
غير أن هذا التوصيف يبدو غير دقيق؛ فالمحاكم المصرية ظلت لعقود تطبق شرائع غير المسلمين استنادًا إلى لوائحهم الخاصة، وقد منحها القانون رقم 462 لسنة 1955 قوة القواعد القانونية الملزمة.
بل إن المحكمة الدستورية العليا أكدت فى أحكامها أن هذه الشرائع أصبحت قواعد قانونية واجبة التطبيق، تخضع للرقابة الدستورية، بعد أن أحال إليها المشرّع فى مسائل الأحوال الشخصية.
وقد عبّرت المحكمة الدستورية عن ذلك بوضوح عندما قررت أن إحالة المشرّع إلى شرائع غير المسلمين فى مسائل الأحوال الشخصية قد أضفى عليها وصف القاعدة القانونية، بعد أن كانت فى أصلها قواعد دينية. ومن ثمّ، لم تعد لوائح الطوائف مجرد نظم كنسية داخلية، بل أصبحت جزءًا من النظام القانونى المصرى، تُطبق أمام قضاء مدنى موحد، وتخضع للرقابة الدستورية.
ومن ثمّ، فالمشروع لا ينشئ تشريعًا من العدم، بل يعيد صياغة وتقنين قواعد كانت مطبقة بالفعل داخل القضاء المصرى.
– نهاية الفوضى أم استمرار النظام القائم؟
ذهب بعض الكتّاب إلى أن المشروع يضع نهاية لما سُمى «فوضى الأحوال الشخصية للمسيحيين»، بينما يرى آخرون أن المحاكم المدنية مارست اختصاصها لعقود طويلة فى إطار واضح ومستقر نسبيًا، مستندة إلى شرائع الطوائف المختلفة.
ومن ثمّ، فإن الحديث عن «الفراغ» أو «الفوضى المطلقة» ينطوى على قدر من المبالغة، خصوصًا أن القضاء المصرى لم يكن يومًا بلا مرجعية فى هذه القضايا.
– هل تختفى المجالس الروحية والإكليريكية؟
عند إلغاء المحاكم الملية، استعاضت الكنائس عنها بالمجالس الروحية والإكليريكية بوصفها بديلًا عنها، وذلك للنظر فى حالات النزاع الأسرى، والفصل فى مسائل صحة الزواج وبطلانه وانحلاله من المنظور الكنسى، وكذلك بحث مدى جواز الإذن بالزواج الثانى أو التصريح به.
ولا يُتوقع أن تختفى هذه الكيانات، إذ إن الكنيسة فى حاجة إليها لممارسة دورها فى هذا المجال. كما أن مشروع القانون يُشير إليها ضمنًا لا صراحة، عندما ينص على أن يستأنس القاضى برأى الرئاسة الكنسية، وهو رأى لا يمكن إبداؤه عمليًا إلا من خلال هذه الأجهزة الكنسية القائمة.
ثالثًا: توحيد الشرائع.. حقيقة أم توحيد شكلى؟
– قانون موحد أم «كونفيدرالية طائفية»؟
يُقدَّم المشروع باعتباره قانونًا موحدًا لست طوائف مسيحية، غير أن قراءة مواده تكشف استمرار الفوارق الجوهرية بين الطوائف، خاصة فيما يتعلق بسر الزواج وقدسيته وأسباب بطلانه أو انحلاله.
لذلك وصفه البعض بأنه أقرب إلى «كونفيدرالية طائفية داخل قانون واحد»، لا إلى تشريع موحد بالمعنى الحقيقى.
بل إن المشروع نفسه، فى المادة «20»، اضطر إلى استثناء الطائفة الكاثوليكية من الخضوع لبعض أحكامه المتعلقة بسرّ الزواج وقدسيته، مقرّرًا فى هذه المسائل استمرار العمل بلائحتها الداخلية، بما لا يخالف النظام العام. وهو ما يكشف بوضوح محدودية هذا «التوحيد».
– ما هو الموحد فعلًا؟
الجزء الأكثر تشابهًا داخل المشروع يتعلق بالآثار المدنية والمادية للزواج: النفقة، الحضانة، الرؤية، المسكن، والتعويضات.. وهى أمور لا تختلف جوهريًا بين المسيحيين والمسلمين، بل هى، فى جوهرها، مسائل مدنية تكاد تتشابه بالنسبة لجميع المواطنين.
ومن هنا يطرح البعض سؤالًا منطقيًا: إذا كانت الجوانب المدنية واحدة تقريبًا، فلماذا لا تكون هذه قاعدة مدنية موحدة لجميع المواطنين، مع ترك الجوانب العقائدية لكل مؤسسة دينية؟
بل قد يكون حجم التشابه بين قانون الأسرة المسيحية ونظيره للمسلمين أكبر من حجم الاتفاق بين شرائع الطوائف المسيحية نفسها.
– ماذا عن غير المسيحيين؟
يبقى سؤال آخر مطروحًا: ماذا عن المصرى غير المسلم وغير المسيحى؟ أليس مصريًا بقدر الآخرين؟ وهل ستظل مشكلاته خارج أى معالجة تشريعية؟ وهو ما يعيد النقاش إلى فكرة «قانون الأحوال الشخصية الموحد»، القائم على المواطنة، مع ترك المسائل العقائدية لكل جماعة دينية.
رابعًا: هل يحافظ القانون على خصوصية الطوائف؟
– تقنين الدين.. هل يحميه أم يقيّده؟
يرى مؤيدو المشروع أنه يحافظ على خصوصية الطوائف الدينية.
ويكشف ذلك عن مفارقة جوهرية فى بنية النظام القانونى؛ فالدين، حين يُنقل من مجاله الروحى إلى المجال التشريعى، لم يعد مجرد مرجعية روحية، بل تحوّل إلى قاعدة قانونية ملزمة، ليست بمنأى عن التفسير القضائى والتعديل البرلمانى والرقابة الدستورية.
وهنا يثور السؤال الأعمق: هل يُراد بهذا المشروع حماية الخصوصية الدينية، أم إدخالها بصورة أوسع داخل منطق الدولة الحديثة وآلياتها القانونية؟
كما يبرز تساؤل آخر: لماذا تتنازل الكنائس طواعية عن جزء من صلاحيتها فى تنظيم ما يخص أتباعها روحيًا وضميريًا، لصالح قانون تصدره الدولة؟
وفى المقابل، لماذا تُدخل الدولة نفسها فى مجال يقوم فى جوهره على الإيمان الحر والالتزام الشخصى؟ ولماذا تُضفى قوة القانون وإلزامه على مبادئ دينية يُفترض أن يقوم الالتزام بها أساسًا على حرية الاقتناع الشخصى والضمير الفردى؟
– من يملك سلطة التشريع الدينى؟
منذ اللحظة التى تُدرج فيها المبادئ الدينية داخل نص قانونى يصدر عن البرلمان، تصبح خاضعة للتعديل والتفسير وفقًا لإرادة السلطة التشريعية.
فما قد يُقدَّم اليوم بوصفه انتصارًا لحقوق طائفة معينة، أو حتى لجميع المسيحيين، قد ينطوى- فى المدى البعيد- على مخاطر تتعلق بتوسع دور الدولة فى مجال يفترض أن يظل، فى جوهره، خارج نطاق الهيمنة التشريعية المباشرة. ولذلك قد لا يكمن الخطر الحقيقى فى مضمون بعض النصوص فقط، بل فى انتقال الدين ذاته من دائرة الالتزام الروحى الحر إلى دائرة الإلزام القانونى الخاضع لسلطة الدولة.
خامسًا: التحايل على القانون.. هل انتهى فعلًا؟
– تغيير الطائفة والبحث عن الطلاق
من أبرز ما قيل عن المشروع إنه يغلق الباب أمام التحايل بتغيير الطائفة، لتطبيق الشريعة الإسلامية، والحصول على الطلاق.
لكن المنتقدين يرون أن المشكلة كان يمكن الحد منها ببساطة عبر الأخذ بمبدأ «شريعة العقد»، دون الحاجة إلى هذا البناء التشريعى المعقد.
ثم إن المشروع نفسه، فتح أبوابًا جديدة للتحايل، خاصة فى مادته «44» التى تتيح طلب الطلاق عند تغيير الطائفة إلى أخرى خارج الطوائف المشمولة بالقانون، كما يفتح بابًا لتغيير الدين ذاته.
ومن ثمّ، فالمشكلة لا تبدو فى وسائل التحايل وحدها، بل فى البنية القانونية التى تدفع الأفراد أصلًا للبحث عن مخارج استثنائية.
سادسًا: الحوار المجتمعى.. حقيقة أم إجراء شكلى؟
– قانون أُحيط بقدر كبير من السرية
قيل إن المشروع حظى بحوار مجتمعى واسع، لكن الواقع يشير إلى أن أغلب المخاطبين بالقانون لم يطّلعوا أصلًا على النص النهائى للمشروع.
بل إن المشروع ظل لسنوات طويلة محاطًا بقدر كبير من السرية، منذ انتقاله بين الكنائس، ثم وزارة العدالة الانتقالية، ثم وزارة العدل، فرئاسة الوزراء، وأخيرًا البرلمان. لذلك يرى كثيرون أن «الحوار المجتمعى» كان أقرب إلى الطابع الشكلى منه إلى النقاش الحقيقى المفتوح. فكيف يمكن الحديث عن توافق مجتمعى حول مشروع لم تُتح للرأى العام مناقشته بصورة حقيقية؟
سابعًا: نحو حل أكثر اتساقًا
يرى قطاع من المنتقدين أن الحل الحقيقى لا يكمن فى مزيد من دمج الدين داخل القانون، بل بالأولى فى الفصل بين العقد الدينى والعقد المدنى.
وليس هذا الطرح غريبًا عن التراث المسيحى نفسه، الذى ميّز تاريخيًا بين المجال الروحى والمجال المدنى. ففى إنجيل لوقا «12: 14» يرد قول السيد المسيح: «من أقامنى عليكما قاضيًا أو مقسمًا؟» عندما طُلب منه التدخل فى نزاع على الميراث، كما يرد فى إنجيل مرقس «12: 17»: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، وهى نصوص فُهمت تقليديًا بوصفها تمييزًا بين السلطة المدنية والالتزام الدينى.
فالعقد المدنى ينظم الحقوق والالتزامات والآثار القانونية لجميع المواطنين على أساس المساواة، بينما يظل العقد الدينى معبرًا عن البعد العقائدى والروحى لكل طائفة.
وبذلك يتحقق أمران معًا:
• وحدة القواعد المدنية داخل الدولة.
• والحفاظ على استقلال المؤسسات الدينية فى شئونها العقائدية.
كما أن هذا الفصل يخفف من التناقض القائم حاليًا بين وحدة القضاء وتعدد القوانين. فحين كانت هناك محاكم شرعية وملية مستقلة، كان من الطبيعى أن تختلف القواعد القانونية باختلاف جهة التقاضى. أما بعد توحيد القضاء داخل المحاكم الوطنية، فإن استمرار تعدد التشريعات بات يطرح إشكاليات حقيقية تتعلق بالمواطنة والمساواة أمام القانون.
أى مستقبل نريد؟
فى النهاية، تبدو الإشكالية أعمق من مجرد إصدار قانون جديد.
فالسؤال الحقيقى ليس فقط: هل المشروع جيد أم سيئ؟ بل: أى نموذج قانونى نريده للمجتمع المصرى؟
هل نريد استمرار تعدد القوانين تبعًا للانتماء الدينى؟ أم نسعى إلى إطار مدنى موحد يقوم على المواطنة، مع احترام الخصوصيات الدينية بعيدًا عن تقنينها داخل الدولة؟
إن مشروع قانون الأسرة، مهما بلغت أهميته، لن يكون نهاية النقاش، بل ربما بدايته الحقيقية. لأن القضية فى جوهرها ليست قضية نصوص فقط، بل قضية رؤية لطبيعة الدولة، وحدود القانون، وموقع الدين داخل المجال العام.
والإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد فقط مستقبل قانون الأحوال الشخصية، بل ستحدد أيضًا شكل العلاقة بين الدين والقانون، وبين الدولة والمجتمع، لسنوات طويلة قادمة. وربما لهذا كله، فإن النقاش الحقيقى لم يبدأ بعد.





