الكتبالمكتبة الكاثوليكية

كتاب تاريخ الكنيسة القبطية الكاثوليكية -القسم الاول ‏

126views

نشأة كنيسة الاسكندرية ودورها وإزدهارها

( 48 م – 451 م )‏

( الفصل الثانى )‏
المدرسة الاسكندرية “الدياسكاليون”‏

بقلم : القمص اسكندر وديع

أخذت مدرسة الموعظين فى الاسكندرية تحرز شهرة واسعة، عندما بدأ يعّلم فيها الأساتذة الكبار. وأول إسم مشهور هو “بنطينوس” وخلفّه ” أكليمنضوس الإسكندرى“، وأعظمهم هو “أوريجانوس“.

 

وقد تطوّر نشاط هذه المدرسة من التعليم الدينى إلى جامعة تضُم مختلف علوم الرياضيات والفلك والفلسفة وتفسير الكتب المقدسة. وكانت المدرسة مفتوحة للجميع، من وثنيين ويهود ومسيحين، ومن أغنياء وفقراء، ومن رجال ونساء . فكان لها الدور الكبير فى تعليم المؤمنين وترسيخهم فى الإيمان. وإستطاعت أن تجذب الكثير من الوثنين إلى الإيمان القويم كما انها حاربت الهرطقة “الغنوصية”التى كان لها طابع سرى لا يفضى به إلا إلى أتباعها وتدّعى أن النعرفة كافية للخلاص، ولا حاجة إلى الإيمان والإنجيل.

 

إمتازت هذه المدرسة بموقفها الإيجابى من الفلسفة اليونانية، ورأت فيها شعاعاً من نّور الكلمة يضئ لكل إنسان آت إلى العالم، وطريقاً إلى الحق الكامل، وهو الرب يسوع. وهكذا تمت المصالحة بين الفلسفة والدين، وصارت الفلسفة خادمة للدين.

 

وعرضت هذه المدرسة الديانة المسيحية بصفتها الغنوصية التى لا تكفى بالإيمان البسيط الضرورى لكل مسيحى، بل تعمل على تكوين المسيحى الكامل الذى يتعمق فى الإيمان ويصل إلى التأمل فى الروحّيات، وهو علم يستند إلى الإيمان وعلى نعمة اللّه، وهو مقدم للجميع، لا لخاصة متميزة فقط. وهنا نرى الفرق بين الغنوصية المسيحية والغنوصية المزيفة.

 

قد إشتهرت المدرسة الإسكندرية بتفسير الكتاب المقدس بالمعنى الرمزى، غير مكتفية بالمعنى الحرفى الذى وقفت عنده المدرسة الإنطاكية. وأرادت ان تتعداه وتكتشف المعنى الروحى العميق وراء السطور فى الكتاب المقدس، فتجد حقائق كثيراً ما تتفق مع بعض الحقائق الفلسفية. وكان هذا الإسلوب متبعاً عند الفلاسفة الثنين لتفسير أساطير الدينية، كما إستعمله “فيلون” العلامة اليهودى فى شرح التوراة. نجد له تطبيقاً عند القديس بولس، عندما يرى فى هاجر وسارة رمزاً للعهد القديم والعهد الجديد ( 1 كور 10- 14 ).

 

وأعظم أستاذ لهذه المدرسة هو بلا شك “أوريجانوس” ( 185 – 253 ).

ولد “أوريجانوس” سنة 185 من والدين مسيحيين، تلقى علومه الأولية على يد والده “ليونيداس” الذى غرس فيه حب الكتاب المقدس حتى كاد أن يحفظه عن ظهر قلب. وبعد إستشهاد والده، تابع دروسه عن يد “اكليمنضوس الإسكندرى“، مدير مدرسة الإسكندرية. وبعد هروب “اكليمنضوس” أثناء إضطهاد “سبتيموس سافيروس” سنة 203، عينه أسقفه “ديمتريوس” على رأس المدرسة وكان لا يزال فى الثامنة عشرة من عمره. فأخذ يدرج تلاميذه من الآدب إلى العلوم وإلى شرح الكتاب المقدس بكل جدارة، وذاع صيته، وإزداد عدد تلاميذه، ومنهم كثيرون من عشاق الفلسفة. فترك مؤقتاً إدارة المدرسة معيناً “ياروكلاس” نائباً عنه، وذهب ليتتلمذ هو أيضاً على يد أعظم فلاسفة عصره، وهو “أمونيوس سكاس”. فتعمق فى الفلسفة على يده حتى يستطيع ان يحاور الفلسفة. ورجع إلى إدارة مدرسة الإسكندرية مزوداً بكل معرفة. وذاع صيته فى العالم المسيحى كله. وكثيرون من الحكام طلبوا من البطريرك ” ديمتريوس” ان يرسل إليهم ” أوريجانوس ” ليحل مشاكلهم، ومنهم أم الإمبراطور “الكسندر سافيروس”، وحاكم يوسترا من بلاد العرب. ودعاه أسقف أورشليم وأسقف قيصرية لإلقاء التعاليم المسيحية فى كنائسهم، ثم رسماه كاهناً.

لكن ديمتريوس غضب منه لهذا السبب وحرمه ومنعه من التعليم بالإسكندرية سنة 231.

 

فلجأ “أوريجانوس” إلى قيصرية فلسطين، وأنشـ مدرسة لاهوتية تفوقت على مدرسة الإسكندرية، وجذب إليه أكبر الشخصيات الذين كانوا يتشرفون بأنهم تلامذته.

 

وأخذ يعلم ويكتب مؤلفاته الكثيرة التى يبلغ عددهم ثلاثة آلاف كتاب، لم يصل إلينا منها للأسف إلا قليل.

وأهم كتاب له هو “فى المبادئ” وهو أول موسوعة لاهوتية فى تاريخ الكنيسة، وقد وصلت إلينا فى ترجمة لاتينية تناول فيها كل العقائد المسيحية بطريقة منسقة ووضع كل إجتهاداته الاهوتية فى حكم الكنيسة.

 

كذلك تبحَّر فى درس الكتاب المقدس، وجمع فى خمسين مجلداً كل النسخ والترجمات المعروفة فى عصره للكتاب المقدس. وسمى كتابه هذا “السداسيات”، لأنه جمعها فى ست جداول، ثم صارت ثمانية، وهو أول كتاب نقدى للكتاب المقدس.

 

كما أنه دافع عن الكنيسة فى كتابه “الرد على قلسس”. وكان هذا فيلسوفاً وثنياً أراد أن يهاجم الكنيسة بإظهار انها سلسلة من التناقضات لضعاف العقول.
وله شروح كثيرة للكتاب المقدس ومواعظ.

 

وألف الكتب الروحية السامية، فكانت عزاء للمسيحيين فى كل زمان، وكتب فى الصلاة “و”فى البتولية” وغيرها الكثير.

 

وقد قبض على “أوريجانوس” أثناء إضطهاد “داقيوس” وعذب بأشد العذابات حتى ينكر الإيمان فيتبعه الآخرون، ولكنه ثبت بقوة وشجاعة نادرين. وظل فى السجن حتى موت “داقيوس”، وبعد سنتين توفّى فى صور سنة 252 شهيداً بغير سفك دم، وصار قبره مزاراً يحج إليه المسيحيون من مختلف البلاد إلى القرن الثالث عشر.

 

ولا يزال “أوريجانوس” إلى يومنا هذا يثير إعجاب اللاهوتيين ومفسرى الكتاب المقدس. وقد وضع الغربيون العديد من الكتب لإظهار عبقريته الفذة.