stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

أحزاني وأفراحُ القيامة- أشرف ناجح

893views

tristezza4zr4أحزاني وأفراحُ القيامة- أشرف ناجح

أحزاني وأفراحُ القيامة

                            أشرف ناجح إبراهيم

لماذا تتجمعين معاً ياأحزاني؟! ولماذا تهاجمونني كلُّكم معاً في دُفعةٍ واحدةٍ؟! ولماذا اجتمعتْ فيَّ أحزانُ الماضي مع أحزان وآلام الحاضر، لا وبل أحزانُ المستقبل أظهرتْ هي أيضاً أشواكها وآثارها؟!

كان الجميعُ يحتفلون سعداء بعيد قيامة المسيح المنتصر على الموت والخطيئة؛ بينما أنا وحدي في عزلتي، تهاجمونني الأحزانُ بسيوفها وخناجرها! وقد ظهرتُ أمامها عاجزاً وبلا قوة على مقاومتها! فلمَن ياتُري أذهب بأحزاني التي تؤلمني؟ هل أذهب إلى مَن يعيشون أفراحَ القيامة، فيتهمونني بالجنون ويتهامسون عليَّ قائلين: كم يحب هذا الإنسانُ الآلام والأحزان، انظروا كيف يتكلَّم عن أحزانٍ في وقتٍ مملوء بالأفراح، ولا شيء أخر غير الأفراح؟! أم هل أذهب إلى مَن لا تغادرهم الأحزانُ أبداً، لأنها ساكنةٌ فيهم وهو ساكنون فيها؟! أأذهب إليهم ليقذفونني بالشَّتائم ويضحكون عليَّ ولو لأول مرةٍ في حياتهم، يضحكون على إنسانٍ يأتي إليهم طالباً تعزية، فهم لا يذقوقونها إطلاقاً ولا يعرفون حتى ماذا تعني هذه الكلمة؟! فهنا يصدق حقاً القولُ: «كيف يتعزى القلبُ الكسيرُ بقلبٍ كسيرٍ مثله»[1]! فإلى مَن أذهب إذن؟! فالجميع منهمكون في أحوالهم، سواء أكانتْ الأفراح أو حتى الأحزان؟!

لقد قرّرتُ أخيراً أنْ أذهب إلى مصلوبِ الجلجثة القائم مِن بين الأموات! وعندما أخذتُ الطريقَ لأذهب إلي قبره الفارغ لأتامل في قيامته، وجدتُ نفسي أعبر مِن أمام صليبه، وعندئذٍ وجدتُ نفسي مطروحاً على الأرض أمامه، وبدأ فمي ينفتح لينطق بكلماتٍ لم أملك قبلاً الشَّجاعة لأقولها، ولكنني اليوم أقدِّمها أمامه صلاةً صادقةً: «أيّها القائم والمنتصر على الموت والخطيئة، لماذا تفرح أنتَ اليوم، بينما أنا لازلتُ في أحزاني؟! ولماذا يغمركك الفرحُ العظيمُ لانتصاركك المجيد الذي حقَّقته، ولقدرتك على تأسيس كنيستك وضمها إليك وتطهيرك لها عروساً طاهرة إلى الأبد (أف 6/26)؛ بينما أنا اليوم أتألم مِن أحزاني الناجمة عن فراق الأحباب لى، فأنا هنا والآن وحدي وأعاني آلام الوحدة والأحزان الصعبة؟! أهل ينبغي عليَّ الآن أنْ أكونَ مثل يوحنا المعمدان الذي فرح لفرح صديقه العريس (يو 3/29)؟!

لماذا، أيّها المصلوب القائم، لماذا تركوني مَن أحببتهم؟ ولماذا يعتذرون لى اليوم عذراً رخيصاً؟ ألم تكن أنتَ السببَ في كلِّ هذا؟! أجل، فأنا أتبعتك وقبلتُ حملَ صليبك لأصلَ مِن خلاله إلى القيامة المجيدة، ومن أجل هذا تركتُ كلَّ شيء أملكه، سواء أكان أهلي أو أصدقائي أو أحبائي، لا وبل حتى ذاتي! فربما لو كنت بجوارهم الآن لما كانت تهاجمونني كلُّ هذه الأحزان؟! قل لي: لماذا حدث هذا الفراق والتَّرك المرير؟ لقد تركونني لأنَّني لم أكن بجوارهم ولم أكن معهم بجسدي، فالإنسانُ يبحث دائماً عما هو محسوس وملموس! ومِن ناحية أخرى، لماذا يشعر أيضاً أحبائي بآلام الفراق؟ ولماذا في هذه الأيام المُفرحة يتعذبون الأحباء بسبب آلام أحبائهم؟! ولماذا هناك عائلات بأسرها لا تنعم بالسعادة؟! ولماذا يفرح مَن حولنا بقيامتك، بينما نحن في بيوتنا لا يوجد الفرح، إنَّما الأحزان والآلام لموت أحباءنا ولمفارقتهم عنا بالجسد؟!

ولكن، ومع ذلك، دعنى ودعك، أيّها القائم المتنتصر، مِن أحزاني الشَّخصيّة، لنتركها جانباً؛ فقل لي بحقِ السماء: لماذا رغم قيامتك وانتصارك على الخطيئة والموت، ورغم أنَّك حملتَ عن الإنسان الآلام والأحزان، لا يزال هناك مَن يعيشون في الأحزان والدموع؟ ولماذا يتألمون الأبرياء بدون سببٍ، أيجب عليهم أنْ يقبلوا ويستسلموا، حتى يرثوا ملكوت السموات؟! ولماذا هذه الحروب العنيفة القائمة هنا وهناك، فيموتون لها ضحايا يومياً، وتترك وراءها المجاعات والضيقات؟ ولماذا هذه الزلازل والهزات الأرضيّة التى تقتل بلا رحمة الأبراء؟!

قل لى بحقِ قيامتك، أيّها المسيح القائم المتنتصر: كيف يمكنني أنْ أفرحَ بينما هناك مَن يحزنون ويعانون الأمرين؟ أليس هم إخوتيّ في البشريّة؟ إنَّني أسألك اليوم بحزنٍ: هل لا يزال هناك مجالٌ للحديث عن أفراح القيامة بعد كلِّ هذه الوقائع؛ أم أنَّ أفراح قيامتك هي فقط لمن يعيشون في رخاءٍ ولا تقلقهم صعوباتٌ وضيقاتٌ؟! وهل لا يزال هناك مكانٌ للفقراء والجائعين والبائسين والحزانى لينعموا ويفرحوا هم أيضاً كالأخرين بقيامتك؟!

هل ستغضب منى، أيّها القائم المنتصر، بسبب كلامي هذا؟! أو هل أنا بكلامي هذا أنكر قيامتك وأتنكَّر لمفعولها ولدورها؟! كلا..كلا، ياإلهي المنتصر، فـ«أنتَ تعلم كلَّ شيء، أنت تعلم أني أحبك حباً شديداً» (يو 21/17)! ولكنَّني هذا العام أرى نفسي تحتفل بقيامتك بشكل جديد أو بطريقة جديدة لم أحتفل بها طيلة أيام حياتي الماضية! ففرح القيامة هو، بلا شك، فرح داخلي وربما تغلِّفه الأحزان، التي يمكننا أنْ ندعوها “أحزاناً مقدسة”! فمن ذا الذي يرى أحوال العالم المعاصر ويبقى صامتاً جامداً؟! إنَّه بلا شك لن يكتفي بمجرد احتفالات خارجيّة ومظاهر سطحيّة، ستنتهى مهما إنْ قصرت أو طالت.

لقد تعلَّمتُ هذا العام، ياسيدي وربي القائم من بين الأموات، أنَّ الاحتفال الحقيقيّ بقيامتك يكمن في نظرة جديدة للعالم ولمَن حولنا، ولذلك قمت بالبحث عنها. إنَّ القيامة، ولا شك، هي انتصار على الموت والخطيئة والأنانيّة، وهي نتيجة لكلِّ صليب يتمُّ حمله بحبٍ، وهي مكافأة لكلِّ مَن يشارك إخوته في أحزانهم وآلامهم. أؤكد لك، ياربي وإلهي، إيماني بقيامتك المجيدة، ولكنني أتسأل مِن خلالها عن دوري في عالم اليوم؛ فجاءتك اليوم مُصليّاً لتجعلنا نُحقِّق قيامتك في حياتنا اليوميّة الواقعيّة، ولتجعلنا نعيش ما نحتفل به، ولتُظهر مِن خلالنا قيامتك لعالمٍ يبدؤ أنه لم يعد يعرف إلاَّ الموت والدمار والسلاح والمادة واللذات والشهوات، الذين بدورهم يتركون وراءهم الفراغ واليأس والأحباط والأحزان. فليتك، أيّها القائم، تعطني القوة لأحزن أنا وليفرح العالم، لا بل ولأهلك أنا وليخلصوا البشر إخوتي؛ إنَّني أشاركك اليوم فرحَ القيامة لا مِن خلال الاحتفالات الخارجيّة فحسب، إنَّما أيضاً وأساساً مِن خلال سجودي وأحزاني وصلواتي البسيطة مِن أجل خلاص العالم».

إنَّ هذا الموقف الذي اكتشفته اليوم، لم ولا ولن يكن أبداً موقفاً غريباً عن الإيمان المسيحيّ؛ بل على العكس، هو موقف مسيحيّ إيمانيّ. فها هي الأم العذراء مختبرة الأحزان تقول وهي باكيّة: «أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه مِن أجل الكلِّ يابني وإلهي»[2]؛ وها هو القديس بولس الرسول الناريّ يقول: «لقد وددتُ لو كنتُ أنا نفسي ملعوناً ومنفصلاً عن المسيح في سبيل إخوتي بني قومي باللحم والدم» (روم 9/3)؛ ويقول هو أيضاً: «جَهد وكدّ، سهر كثير، جوع وعطش، صوم كثير، برد وعُري، فضلاً عن سائر الأمور مِن همِّي اليوميِّ والاهتمام بجميع الكنائس. فمَن يكون ضَعيفاً ولا أكونُ ضَعيفاً؟ ومَن تَزِلُّ قَدَمه ولا أحترق أنا» (2قور 11/27-29)! فليتنا نتعلَّم نحن اليوم أنْ نحزنَ، لا وبل أنْ نموتَ في سبيل حياة الأخرين!

أمَّا الربُّ القائم المنتصر على كلِّ ما يقيِّد الإنسان ويستعبده ويسبِّب له الحزن والتعب، بعد ما حدَّثته عن أحزاني وحيرتي وطريقة احتفالي بقيامته، قال لى هو بدوره معزيّاً: «”صديقي، إنَّنا نملك نفس المصير، ولنا نفس الطَّريق الواحد؛ فأنتَ جزء مني وأنا جزء منك، وسعادتك هي سعادتي وسعادتي هي سعادتك، لا وبل أحزانك هي أحزاني وأحزاني هي أحزانك، فأنت لى”[3]. إنَّني أدعوك اليوم لتضع أحزانك الشَّخصيّة وأحزانك على مَن حولك في قبري الفارغ؛ فعليك أنْ تجعلها تمتزج وتذوب في أفراح قيامتي، فإنَّ قيامتي هي حقيقة تاريخيّة وروحيّة تغيِّر في الواقع الملموس، إنَّها تُبدَّد كلَّ الأحزان والآلام والأتعاب التي يُسبِّبها بعضُ البشر المستعبدين لذاتهم وخطاياهم لإخواتهم البشر الأخرين. فأنا اليوم أدعو العالم كلَّه مِن خلالك ومن خلال كلِّ مَن يحتفلون بقيامتي لأنْ يفرحوا بحقيقة قيامتي المُحرِّرة، ولأنْ يخرجوا جميعاً مِن ذواتهم وينفتحوا على أفراح قيامتي. فـ”أنتم شهودي” (أش 43/10،12؛ رسل 1/8)؛ وعليكم أنتم أنْ تؤكدوا للعالم أجمع بأقوالكم وأفعالكم أنَّني سأظل إلى الأبد “القيامة والحياة، مَن آمن بي، وإنْ مات، فسيحيا؛ وكلُّ مَن يحيا ويؤمن بي لن يموت أبداً” (يو 11/26)».
””””””””””””””””””””””””””””

[1] جبران خليل جبران.

[2] الأجبيّة، كتاب السبع صلوات النهاريّة والليليّة، مكتبة المحبة، شبرا، القاهرة، د.ت، 120.

[3] عبارةٌ ذكرها الأب الإيطاليّ لويجي جوسَّاني، مؤسِّس الحركة الكنسيّة “شركة وتحرَّر”، في إحدى أحاديثه الرُّوحيّة.