stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابات القراء

اعرف نفسك- الإكليريكي/ جوزيف منير

1.3kviews

imagescafqllau_01اعرف نفسك- الإكليريكي/ جوزيف منير

·  مُقدّمة:

البحث عن الذّات واكتشافها، ليس خطيئة تُحسب على الإنسان أو كبرياء منه، إنَّما هو مُحاولة الإنسان أن يعرف نفسه، أن يعي بإمكانياته، بنقاط قوّته لينميها، ونقاط ضعفه ليُصلحها.

أوّلاً: أهميّة معرفة الذّات

لماذا أريد أن أعرف ذاتي ؟ ماذا سيعود عليّ من ذلك ؟

– كلُّ منَّا يُحاول أن يكون شخصية عظيمة وسط أصحابه وأسرته ومجتمعه، هناك دائمًا شيء يريد تحقيقه والوصول إليه، هدف يسعى إليه، طموح وأحلام بداخله يريد إنجازها. هذا الهدف وتلك الطموح تمنحنا الحماس والحيوية لأنَّ نكتشف معنى وجودنا وحياتنا وقيمتنا، كما يقول وليم شكسبير: ” أكون أو لا أكون To be or not to be”.

– كلّما وعي الإنسان بذاته بـــــ( أفكاره، أهدافه، ظروف حياته… الخ) وعمل على تحقيقها، كلّما شعر بإنسانيته، وشعر بقيمة حياته، وبمدى الفرح والسّعادة من وجوده.

– كثيرون لا يدرون لماذا هم يعيشون ؟ أو ماذا يفعلون ؟ هم مجرد أشياء (كراسي/كتب) وُضعت في مكان، وبدأت الظّروف تشكلهم وتقودهم حتّى انتهوا وماتوا بدون أن يشعر أحدٌ بوجودهم، فلم يكن لهم تأثيرٌ حتّى على أنفسهم، عاشوا وماتوا مغتربين عن أنفسهم.

لماذا أعيش في حالة اغتراب عن نفسي ؟

لماذا أهرب من ذاتي ولا أعرف حقيقة نفسي ؟

ما هو الحُلم الذّي أريد تحقيقه في حياتي ؟

– إنَّ الإنسان ليس لديه الجرأة أو الإرادة لمواجهة نفسه، قد يُواجه جميع النّاس بصوتٍ عالٍ أو سلوكٍ مُشينٍ، ولكنه ضعيفٌ وجبانٌ في مواجهة ذاته، يهرب دائمًا من الجلوس لوحده، يخاف من نفسه، فتراه لا يُصلّي، ولا يفحص ضميره، ولا يختلي بذاته. والسّؤال هنا:

لماذا هذا الهروب من الذّات ؟

1- لأنَّ الإنسان في مواجهة ذاته، لا يرى سوى السّلبيات والعيوب والأخطاء والخطايا الّتي اقترفها، فيركز بصره عليها، ويُصاب بالإحباط واليأس، وينسى أنَّ هناك إيجابيات قام بها، لو أهتم بها لزادت ونمّت وطغت على السّلبيات. لتكن نظرتنا لأنفسنا بموضوعيّةٍ، فكلُّ منَّا يحمل ما هو إيجابي وما هو سلبي.

2- لأنَّه لا يثق في نفسه، ليس لديه ثقة في أنَّه مُحبوبًا من الآخرين، أو أنَّه مُستحقٌ أن يكون محبوبًا. لذلك نجده يفتش عن ذاته خارجًا في الآخرين (الأصحاب/الشّلة)، وليس في داخله، فبدلاً من أن يعيش ذاته، يعيش الآخرين أو يعيش كما يريد الآخرون منه أن يعيش، فيكون في حالة اغتراب.

 ما هي نظرتي لنفسي ؟ هل أركز فقط على عيوبي أم أرى أيضًا إيجابياتي ؟

هل أثق في حبِّ الآخرين لي أم لا ؟

– تدريب: أحاول تذكر كلَّ الأشخاص الذّين يحبوني، وكيف يُعبّرون عن حبِّهم لي، وكيف سأتجاوب على حبِّهم.   

– الإنسان المُغترب عن ذاته يتميز بـــــ:

1- يعيش في صراعٍ من المتناقضات بين ما يريده الآخرون وما يكون عليه هو.

2- يقضي كلَّ أعماله بروح الملل والرّوتين والخوف من كلِّ جديد.

3- ليس لديه روح المغامرة والسّعي للتغيير والأفضل.

4- ليس لديه روح الإبداع والتذوق في حياته. 

هل أنا سعيدٌ بحياتي ؟ وإذا كنتُ غير سعيد فما سبب حزني ؟

أين أنا ؟ وكيف تسير حياتي ؟

– هناك خطورة على الإنسان أن يصنع أقنعةً لنفسه، قناعٌ في المنزل، وآخر في الكنيسة، وآخر مع أصحابي، أقنعة تتشكل بحسب المواقف والأشخاص والظّروف، أو صورةٌ سلبيةٌ عن نفسي مُقيدًا بها لا أستطيع التحرر منها، أو أن تكون أفعالي وتصرفاتي طبقًا لرؤية الآخرين واستحسانهم، فأكون مجرد رد فعل لآرائهم وذوقهم.

كن نفسك، كن إيجابيًا، كن مبادرًا،  كن فعلاً ولا تكن رد فعل

Be action, not to be reaction

– سعادة وفرح الإنسان الحقيقي هو عندما يكتشف حقيقة نفسه، فــــ ك.م يقول: ” ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه”، ماذا سيفيد الإنسان لو وجد كنزًا وأصبح ثريًّا ولكنه لم يجد ذاته، فلا يشعر بطعم السّعادة في حياته.

– الصراع الذّي يعيشه الإنسان هو بين ما يريد أن يعيشه (حقيقة نفسه)، وبين ما يعيشه مجمتعه ( العادات والتقاليد، وكلام النّاس وتفكيرهم وثقافتهم… الخ)، ها هي دعوة الآن أن نتحرر من كلِّ هذه القيود ولكن بحكمةٍ وفهم. ك.م يقول: ” أليست الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللّباس” (مت6: 25). فالحياة الحقيقيّة هي أن أكون ذاتي، فمعرفة نفسي أعظم شيء في الوجود.

ثانيًّا: الإنسان لا يملك ذاته كليًّا

كلُّ إنسانٍ ضعيفٌ ومحدودٌ، وبرغم سعيه لاكتشاف نفسه، إلاَّ إنَّه سيظل سرًّا بالنّسبة لنفسه، وذلك لأنَّه مُخلوقٌ على صورة الله ومثاله في كونه سرًّا.

ما معنى أن يكون الإنسان سرًّا ؟

– كلّما حاول أن يكتشف ويعرف عمَّا بداخله لا ينتهي، كلّما تعمق ذاته لا يسبر غورها/يكتشف المزيد، وذلك لأنَّه مليء بالكنوز والنّعم الّتي لم يكتشفها ولم يستغلها بعد. لذلك فمعرفة الذّات هي بحثٌ مستمرٌ لا ينتهي إلاَّ بموت الإنسان.

– هناك عائقٌ آخر هو أنَّ الإنسان لا يريد أن يكشف حقيقة ذاته للآخرين لماذا ؟ لعدم ثقته أوّلاً بذاته، فمن الممكن أن يحكي شخصٌ مع أحد لا يعرفه، قد يكون قابله لأول مرة في حياته، ويحكي معه عن أمورٍ لم يذكرها قط لأصحابه أو المقربين منه، وذلك لأنَّ هذا الشّخص عابر سبيل لا يخيفني، فالمشكلة تكمن في عدم ثقتي بنفسي، وعدم ثقتي في الآخرين.

– فمثلاً في مجموعات الصلاة أو مجموعات العمل، نجد أنَّ كلَّ مشاركتنا أفكار أو نظريات مُجردة، ولكنَّنا لا نستطيع أن نتحدث عن خبرتنا الشّخصيّة، وذلك بسبب عدم معرفتنا لذواتنا جيدًا، وعدم ثقتنا في أنفسنا وبما نملكه من مواهب، وعدم ثقتنا في الآخرين.

ثالثًا: لا يقبل الإنسان ما يقوله الآخرون عن ذاته

هل للآخر دورٌ في معرفة ذاتي ؟

– صديقي أو المُقرب منَّي يستطيع أن يرى أشياء فيّ لا أستطيع أن أراها في نفسي، ولكنَّا كثيرًا ما نرفض سماع ما يقوله الآخرون عني من حقيقةٍ. فالآخر موجودٌ معي ينظر لي نظرةً موضوعيّةً، يمثل عيني، يرى أكثر مما أرى أنا نفسي، فمن خلال أقوالي وتصرفاتي وردود أفعالي يخبرني عن حقيقية نفسي. فالآخر هو المرآة الّتي أنظر فيها، فيعكس صورتي ويرسلها لي.

تدريب: مع صديقك المفضل الذّي تثق فيه، كلُّ منكما يخبر الآخر عن إيجابياته وسلبياته بكلِّ وضوحٍ وصراحةٍ.    

– كثيرًا ما يخرج ما بداخلي من حقيقيةٍ في هزار أو تهريج أو زلات لسان، أمور كامنة بداخلي، حينما تخرج تُعبر عن حقيقة ذاتي بدون ما أدري.

رابعًا: هل من الممكن أن أعرف ذاتي ؟ وكيف ؟

أوّلاً هل لدي الرّغبة في معرفة ذاتي أم لا ؟

ومن أين تأتي هذه الرّغبة والاستعداد في اكتشاف نفسي ؟

– ما يوّلد الرّغبة في اكتشاف ذاتي هو سعي الدّائم للأفضل، والوعي بذاتي، والثّقة في إمكانياتي وحب الآخرين ليَّ.

تدريب: اطلب من شخصٍ أن يتحدث عن إيجابياته أمام الآخرين… ماذا سيكون رد فعله ؟

قد لا يعرف إيجابياته لأنَّه لم يفكر فيها أبدًا

قد لا يعرف عن نفسه إلاَّ السّلبيات

قد لا يثق في نفسه من إمكانيات أو إيجابيات

قد لا يعرف إلاَّ سلبيات الآخرين الّتي يتحدث عنها دائمًا

– كلُّ إنسانٍ يحمل إيجابيات وسلبيات في شخصيته، ولكنَّنا لا ننظر إلاَّ للنصف الفراغ من الكوب، ونبكي على اللّبن المسكوب، فنركز على عيوبنا، ونخنق كلَّ ما هو حسن بداخلنا.

ما هي الوسائل الّتي تساعدني على معرفة ذاتي ؟

1- الإصغاء إلى الذّات: وذلك من خلال فحص الضمير أو الخلوة الشّخصيّة، لأرى فيها حقيقة نفسي، وأطابقها بنظرة الآخرين عنَّي، في مَنْ أثق فيهم.

هل أنا فعلاً كما يقول الآخرون عنَّي ؟ أم أنَّهم يُبالغون ؟ (أنا في نظر الآخرين)

كيف وصلتَ إلى هذه المرحلة ؟

ماذا أستطيع أن أفعل الآن ؟

– مَنْ يستطيع أن يقرأ أحداث يومه بشكلٍ جيدٍ، يستطيع بسهولةٍ أن يعرف ذاته.

تدريب: افحص ضميرك اليوم وأسأل نفسك:

ماذا فعلتَ اليوم ؟

ما هو أكثر شيء سعدتُ وأنا أفعله ؟

ماذا كنتُ أريد فعله أو قوله ولم أحققه ؟ ولماذا ؟

ماذا أتمنى أن أفعل غدًا ؟

2- من خلال الكتاب المقدس (ك.م):

ليكن لدينا يوميًّا وقتًا للتأمل الشّخصي، نقرأ ك.م ونترك كلمات النّص الإنجيلي تُكشف لنا عن حقيقة ذواتنا، ولا نجري وراء أفكار مُجردة نظريّة بعيدة تمامًا عن واقع حياتنا. فشخصيات النّص تمثل مواقف نعيشها في حياتنا، مثلاً: نص السّامري الصالح (لو10)؛ أحيانًا نكون مثل اليهودي المجروح على الطريق ينتظر المساعدة، وأحيانًا نكون مثل الكاهن الذّي لا يأبه بمساعدة أحد، وأحيانًا أخرى مثل السّامري الذّي يساعد بكلِّ ما يملك. فمن خلال التأمل اليومي الشّخصي، أستطيع أن أعرف ذاتي (هواياتي، ماذا أحبُّ ؟، ماذا أكره ؟ ماذا أريد ؟…).

3- أطلب مساعدة الآخرين:

أطلب مساعدة شخص/مُرشد أثق به تمامًا، لديه خبرة في الحياة، يكون لي مرآة يُخبرني بكلِّ تفاصيل حياتي.

خامسًا: لماذا أسعى لاكتشاف ذاتي ؟ وإلى أين ذلك سيقودني ؟

معرفة ذاتي تمنحني سعادة داخليّة حقيقيّة، فيسوع كان يشعر بالفرح رغم رفض اليهود له ونبذهم إيّاه، لكن سعادته كانت تنبع من تطابق أقواله بأعماله/تفكيره ومشاعره وإرادته، بين ما يُعلّم به وما يعيشه بين النّاس، حتّى يعكس هذا الفرح على الآخرين. فالفرح الحقيقي ينبع من الدّاخل وليس من الخارج (أشخاص/مواقف/ظروف).

كلّما عرفت ذاتي قبلتها، قبلت عيوبي وضعفي وحدودي، وتعاملت معها بموضوعيّةٍ، واستطعتُ أن أحوّلها إلى نقاط قوّة، فلا أخاف من حكم الآخرين عليّ، فهناك خطورة الانطباعات؛ وهي أخذ فكرة عن شخص وحبسه في أطر لا يخرج منها أطلاقًا حتّى إذا تغير الشّخص، وخطورة افتراض آراء مُسبقة؛ نحكم عليها قبل أن نتعامل معها، فنطمس إبداعهم.

يجب أن أكون حرًّا، مُتجددًا باستمرار، غير مُقيد أو محبوس في فكرة أو موقف أو عادة، لا أكون تقليدًا لأحد مهما كان عظيمًا بل أكون نفسي، أقبل ما لدي من مواهب ووزنات واستغلها جيدًا، وأعرف تمامًا عيوبي وأحاول تقليلها بزيادة إيجابياتي، مُساعدًا الآخرين في ما يحتاجونه منَّي.

سادسًا: معرفتي لذاتي والآخرون

كلّما قبلت نفسي، قبلت الآخر وتفهمته وساعدته أن يكون أفضل دائمًا

كلّما عرفت نفسي، أصبحتُ حرًّا وساعدت الآخرين أيضًا أن يكونوا أحرارًا

كلّما اكتشفت نفسي، قبلت حدودي واختلاف الآخر عنَّي

·  الخلاصة:

ليكن لدينا المزيد من الأهداف في حياتنا، كلّما حققنا هدفًا، نسعى لتحقيق هدف أعظم منه

قوّة الإنسان الحقيقيّة في مواجهة ذاته بكلِّ ما فيها

أعظم اكتشاف للإنسان على وجه الأرض هو اكتشافه لذاته

أنا سرٌّ عظيمٌ؛ كلّما تعمقتُ فيه لا أسبر غوره

عظمة الإنسان تكمن في قدرته على التعبير عن ذاته

الإنسان لا يعرف ذاته بمفرده، إنَّما هو في حاجةٍ للآخر

أنا قائد روحي، أنا مصير نفسي

To be or not to be

Be action, not to be reaction