stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابات القراء

الأبّ والمعلِّم مريض / أشرف ناجح

901views

padreالأبّ والمعلِّم مريض / أشرف ناجح

الأبّ والمعلِّم مريض إنَّ الإنسان “يلعب حياته” بين قاب قوسين: الميلاد والموت؛ وما يكمن بين ميلاده وموته يسمى “نمو”. فهو يلعب حياته ويعرف أنَّ حياته ليست لعبة، وإنما هي مسيرة نحو الموت عاجلاً أم آجلاً. كثيرون يموتون قبل أنْ يولودوا، وكثيرون يموتون بعد أنْ يمرضوا، وآخرون يموتون بدون أنْ يمرضوا.

فإذا كان الإنسان يولد، فلماذا يموت؟ وإنْ كان يموت، فلماذا يولد؟ وإنْ كان يولد في الحياة أو الحياة تولد فيه، فلماذا يفقدها؟إنها أسرار: سرّ الميلاد، سرّ النمو، سرّ الحياة، سرّ الموت. إنها أسرار نحاول أنْ نتوغّل فيها وهي تتوغّل فينا.

لماذا وجودي بالأحري مِن عدمي؟ كيف وما معنى أنْ يصبح الجنين طفلاً، والطفل صبياً، والصبي شاباً، والشاب رجلاً، والرجل كهلاً، والكهل تراباً، والتراب حياة؟ كيف وما معنى أنْ تصبح حبة القمح عشباً، والعشب سنبلاً، والسنبل قمحاً، والقمح خبزاً، والخبز مأكلاً، والمأكل جسداً، والجسد تراباً، والتراب تربةً صالحةً لإستقبال حبة القمح؟ لماذا موتي وليس حياتي إلى الأبد؟!

إنَّ ما يشغلني الآن ويرغم عقلي وقلبي للتأمل فيه ليس الميلاد ولا النمو ولا الموت، وإنما المرض. وذلك لأنَّ أبي ومعلّمي مريض[1]؛ فمرضه الآن، كما كانت صحته ذات مرة، توحي لي بهذه الخواطر.

فلماذا المرض بشكل عام ولماذا مرضه بشكل خاص؟! الإنسان قد يموت قبل أنْ يولد وقبل أنْ يمرض، وقد يمرض بدون أنْ يموت، وقد يموت بعد أنْ يمرض.

إنها ثلاثة وقائع تحدث يومياً أمام أعيننا وتشير إلى ثلاثة حالات يحيها الإنسان كإنسان؛ إنها تعبّر عن ثلاثة أشكال للصلة بين المرض والموت: فثَمَّة موت بدون مرض، وثَمَّة مرض بدون موت، وثَمَّة موت بعد مرض. ففي الحالة الأولى، الموت تمكّن مِن الفرار مِن المرض؛ وفي الحالة الثانية، المرض هرب مِن الموت؛ أمَّا في الحالة الثالثة، الموت قضى على المرض أو المرض جلب الموت!ثَمَّة حالة أخرى تسمو وتفدي هذه الحالات الثلاثة التي يعيشها الإنسان كإنسان؛ ولكن هذه الحالة الأخيرة لا يمرّ ولا يمكن أنْ يمرّ فيها أي إنسان منا أيان كان بدون معونة أخر؛ إنها حالة الانتصار على الموت والمرض بالموت. إنَّ يسوع الناصريّ هو الأول والأساس والسبب والنموذج الذي مرَّ بهذه الحالة الأخيرة، أعني أنه هو الذي عبر مِن الموت إلى الحياة، لأنه عبر مِن الحياة إلى الموت. إنَّ يسوع المسيح، مولود بيت لحم، والفقير والجائل في شوراع فلسطين القديمة، ومصلوب الجلجثة، والقائم مِن بين الأموات هو أساس وسبب ونموذج قيامتي مِن بين الأموات. فهو، بميلاده ونموه وحياته وموته وقيامتي، مَن يعطيني أنْ أجد المعنى الحقيقيّ لميلادي ونموي وحياتي ومرضي وموتي وقيامتي أيضاً.

ولكن ربما أحد يتساءل: هل الذين لا يؤمنون بالسيد المسيح لا يجدون معناً لميلادهم ونموهم وحياتهم وموتهم؟ بلى، يجدون بلا شك معناً أو معاني لحياتهم؛ ولكن ليس كل معنى للحياة هو معنى حقيقيّ وكامل، حتى وإنْ كان صادقاً؛ فليس كل أمر صادق هو صحيح وحقيقي وهناك أمر أخر، كلّ الأشخاص الذين لا يؤمنون بالسيد المسيح يجدون معناً لحياتهم بقدر إتصالهم وعلاقتهم به؛ فهو البداية والنهاية، الأول والآخر، الألف والياء. ولكن كيف؟ هل هو زعم مسيحيّ زائف؟

كلا، فالله له طرق غير معروفة لدينا ولكنها معروفة له وحده. فلا يمكننا أنْ ننكر ما يدعى “بذور اللوغوس” الكامنة في كلّ قلوب وثقافات البشر؛ ولا يمكننا أنْ ننكر حضور الروح القدس الخلاصيّ في جميع الديانات غير المسيحيّة. فالمسيح حاضر ومعاصر لكلّ إنسان في كلّ مكان، بغض النظر عن، أو ربما بواسطة، الثقافات والتقاليد وكلّ الروابط التي تبدؤ وكأنها تجعل هذا الحضور أمر مستحيل[2]. فيمكن القول إذاً بأنّ جميع البشر يجدون معناً لميلادهم ونموهم وحياتهم ومرضهم وموتهم بقدر إرتباطهم بالسيد المسيح الذي هو معنى المعاني، القيامة والحياة.ويبقى، أخيراً، سؤال هام يتطلّب إجابة: ما هو هذا المعنى الذي يعطيه السيد المسيح لميلادنا ونمونا وحياتنا ومرضنا وموتنا؟ بالطبع لا يمكننا أنْ نوفي هذا السؤال حقه بمجرد تقديم بعض الخواطر في هذا المقال؛ ولكننا سنحاول أن نردّ عليه في بعض النقاط الموجزة التي تقرّبنا مِن هذا المعنى. الأمر الأول هو أننا بفضل المسيح نكتشف أننا في ميلادنا ونمونا وحياتنا ومرضنا وموتنا “لسنا وحدنا”؛ فعندما نمرّ بهذه الخبرات في حياتنا ثَمَّة شخص لا يتركنا نعبر فيها وحدنا. وهذا الشخص لا يطمئننا بأننا لسنا وحدنا في الحياة عن طريق عبارات جميلة خلابة فقط، وإنما أيضاً بواسطة تضامن حقيقيّ ومشاركة فعالة. إنَّ إلهنا صار إنساناً مثلنا، وقد مرّ بما نمرّ به وإختبر ما نختبره تماماً؛ إنه ليس إله السموات والملائكة فحسب، وإنما هو إله الأرض والبشر أيضاً.

أمَّا الأمر الثاني هو ما يتعلّق بـ “إرادة الله وعنايته الإلهيّة في حياتنا ومِن أجل حياتنا”. إنّ السيد المسيح يقول لكل واحد منا أنَّ الله له إرادة وخطة في حياته ومِن أجل حياته. إنَّ ميلاد ونمو وحياة ومرض وموت كل واحد منا هي داخل “إرادة الله”؛ وهو يديرها بـ “عنايته الإلهيّة” التي تفوق إدركنا وفهمنا المحدود. أجل، فالإنسان لم يلق في الحياة مِن قدر مجهول أعمى ملعون؛ وإنما وراء حياته تكمن “إرادة الله وعنايته الإلهيّة”.

فهو، بفضل يسوع المسيح، يعرف مِن أين جاء وإلي أين هو ذاهب؟ ومما لا شك فيه هو أنَّ الله مثلث الأقانيم يريد حياتنا وليس موتنا؛ فإذا كان يريد موتنا فلماذا خلقنا؟ إنَّ الله بمحبته خلقنا لنحيا أمامه وفيه إلى الأبد[3]. أمَّا كيف نكتشف إرادة الله في حياتنا فهذا أمر يحتاج إلى صبر وإنتظار وإنفتاح على أحداث حياتنا؛ فينبغي أنْ يقرأ كلّ واحد منا “علامات الأزمنة” في حياته حتى يكتشف ما يريده الله منه. أمَّا الأمر الثالث فيمكن تلخيصه في هذه العبارة: “لكي يحقّق الإنسان ذاته عليه أنْ يحيا مِن أجل الله والآخرين”. فيقولون على حقٍ: “ما استحق الحياة مَن عاش لذاته”؛ فالأنانيّة تقود إلى الموت وليس إلى الحياة، فهي تغلق كل المنافذ المفتوحة على الحياة. إنَّ يسوع الناصريّ هو الأساس والسبب والنموذج لكيفية أنْ يحيا الإنسان لله وللآخرين؛ فهو كان يردد دائماً: «طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه» (يو 4/34). لنقولها بكلمات مختصرة: مَن يريد أنْ يجد معنى لميلاده ونموه وحياته ومرضه وموته عليه أنْ يحيا في إتحاد مع يسوع الناصريّ الذي بذل حياته مِن أجل الله والآخرين، وبذلك يجد نفسه ويحقق ذاته. إنَّ هذا يأتي بنا القول المشهور للقديس أغسطينوس: «بحثتُ عن الله، فلم أجده؛ وبحثتُ عن نفسي، فلم أجدها؛ وبحثتُ عن الآخرين فوجدتُ الله ووجدتُ نفسي»!               ————————-

[1]  المقصود هنا هو الأبّ الفاضل/ كرستيان فان نسبن اليسوعيّ.

[2]  إنَّ قضية “خلاص غير المسيحين” و “الحوار بين الأديان” لهي واحدة مِن القضايا الهامة و الملحّة في الفكر اللاهوتيّ المعاصر؛ فلا نريد أنْ نتعرض لها في هذه الخواطر التأمليّة، إنما ننوي معالجتها في مقال أخر، إنْ شاء الربّ وعشنا.  

[3]  «فالله لم يصنع الموت، لأنَّ هلاك الأحياء لا يسرّه. خلق كلّ شيء للبقاء وجعله في هذا العالم سليماً خالياً مِن السّم القاتل، فلا تكون الأرض مملكة للموت، لأنَّ التقوى لا تموت» (الحكمة 1/ 13-15). «خلق الله الإنسان لحياة أبديّة، وصنعه على صورته الخالدة، ولكن بسبب حسد إبليس دخل الموت إلى العالم. فلا يذوقه إلاّ الذين ينتمون إليه» (الحكمة 2/ 23-24).