stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابية

الأنبياء والهيكل- د. الأب / كميل وليم

370views

imagescavsxl8n

قد يندهش القارئ المدقق لبعض التناقضات الخاصة بنظرة الأنبياء للهيكل. فقد نادى حجاي بأهمية سرعة إعادة بناء الهيكل الذي هُدم سنة 587، في حين انتقد معظم أنبياء ما قبل السبي الهيكل والاتكال المفرط عليه. ولكي نوضح هذا التناقض إليك نصاً من كتاب إرميا النبي في مقابلة مع نص من كتاب حجاي النبي: “أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون بالزور ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دُعي باسمي وتقولون “إننا منقذون” حتى تصنعوا جميع تلك القبائح؟ أفصار هذا البيت الذي دعي باسمي مغارة لصوص أمام عيونكم؟ بل هذا ما رأيت أنا، يقول الرب” (إر 10:7-11). “اصعدوا إلى الجبل وأتوا بخشب وأعيدوا بناء البيت، فأرضى به وأظهر فيه مجدي، قال الرب” (حج 8:1). كيف يمكن فهم هذا التحول الجذري: من نقد مرير للهيكل والاعتماد المفرط عليه إلى التأييد التام؟ لذلك نرى من الأفضل أن نتابع هذا التطور والتحول.

ناثان وحلم داود وبناء الهيكل (2صم7)

تبدأ علاقة الأنبياء بهيكل أورشليم بنوع من الخلاف: فناثان النبي، مستشار داود الملك، يعلن له رفض يهوه لرغبة داود في بناء معبد، يضع فيه تابوت عهد الرب. ولنستعرض معاً أهم نقاط الفصل السابع من كتاب صموئيل الثاني. الهدف الرئيسي لهذا الفصل هو تأسيس سلالة داود على وعد ناثان النبي: “وقد أخبرك الرب أنه سيقيم لك بيتاً” (2صم 11:7) ويرد داوود على ذلك في صلاته “لأنك أنت، يارب القوات، إله إسرائيل، أوصيت إلى عبدك قائلاً: أبني لك بيتاً” (2صم 27:7أ). وقد أثّر ذلك تأثيراً كبيراً على المراسيم والطقوس التي اتبعها خلفاء داود في أورشليم. وأوضح مثال على ذلك هو المزمور 132. وطرأت تطورات عديدة وإضافات مختلفة على نص 2صم7. وأهم إضافة أو تعديل نجدها في العدد 13: “فهو (ابنك) يبني بيتاً لاسمي”. وتكشف هذه العبارة عن لاهوت تثنوي )فكرة اسم يهوه) وتفيد جذرياً معنى رفض يهوه: يقتصر على أمر بناء داود بنفسه للهيكل، وتأجيل ذلك إلى زمن سليمان، وهذا ما يتفق مع التاريخ. ولم يكن هذا “مضمون ولا روح النص الأوليّ” الذي كان يضع مشروعين متناقضين في المواجهة: مشروع داود ببناء بيت ليهوه- أي الهيكل، ومشروع يهوه ببناء بيت لداود- أي سلالة. ويعلن يهوه في النص الأولي أنه لا يحتاج إلى هيكل: “فهل تكلمت في مسيري مع جميع بني إسرائيل بكلمة مع أحد قضاة إسرائيل ممن أمرته أن يرعى إسرائيل شعبي قائلاً: لماذا لم تبنوا لي بيتاً من الأرز؟” (2صم 7:7). وهناك إضافات أخرى جعلت زمن السلام” الذي رفل فيه الشعب وقت داود والذي يقع في إطاره هذا النص رمزاً للسلام الآتي (2صم 1:7و10و11أ، قارن تث 10:12و1مل 18:5) وقد يكون سبب التركيز على اختيار الله لداود رمزاً لنموذج” حسب قلب الله (2صم 8:7-9). إن سبب رفض يهوه لرغبة داود هو خطر أن يكون الهيكل نوعاً من الضمان الإلهي لسلالة داود: يهوه لا يريد أن يخضع لسلطان الملك.

عاموس ومعبد بيت إيل (عا10:7-17)

لعب معبد بيت إيل دوراً هاماً في حياة بني إسرائيل. لقد احتل مكانة خاصة بسبب ظهور يهوه فيه ومصارعته ليعقوب في الحلم (تك 10:28-22). ولقد جعله ياربعام الأول معبداً ملوكياً وبذلك نافس معبد بيت إيل هيكل أورشليم (1مل 26:12-33)، وضمن ياربعام بذلك قوة سياسية وأمنية ساعدته فترة ملكه. وتكشف رسالة عاموس عن الصراع الدائر حول دور الهيكل أيام ياربعام الثاني (787-747): حاول أمصيا الكاهن أن يمنع عاموس من التعليم في المعبد، الذي فيه يجب أن يحترم الجميع سلطة الملك (عا13:7). ولكن النبي إذ كان مدركاً أنه رسول يهوه، وذلك عن طريق كلمات النبي (عا 16:7-17). لقد تحوّل المعبد إلى ضمان خادع لسلامة الشعب ولذلك يجب أن يُهدم كما أعلن النبي في رؤياه (1:9) وسوف يسقط المذبح، آخر معاقل بني إسرائيل (عا14:3). ولا يرتكز نقد عاموس لهيكل بيت إيل على اعتبار أنه مقاومة وتمرد على مركزية العبادة في أورشليم. إنه يتناول المعبد نفسه لأنه أصبح مكان صلف وكبرياء وفخر ديني للملك وللشعب.

أشعيا والقصر الملكي (أش6)

لقد قبل أشعيا النبي في هيكل أورشليم أمر التكليف بالنبوءة، أمر تعيينه ممثلاً ورسولاً ليهوه: إن المنظر الذي شاهده، منظر الملك في وسط بلاط لا يتم في المكان المقدس فحسب لا بل تدخل محتويات الهيكل ضمن تفاصيل الرؤيا: فعرش الله فوق تابوت العهد (أش1:6أ قارن 1صم 4:4، 2:6، مز11:18) وأهداب الثوب والستائر والأبواب المزدوجة (أش1:6، قارن خر31:26-35، 1مل31:6) ومكان الساروفيم والكاروبيم أعلى تابوت العهد (أش2:6، قارن خر 1:26…، 1مل23:6-28) وزعزعة الأعتاب (أش4:6، قارن عا1:9) والدخان والضباب ومذبح البخور (أش4:6و6): وكلها عناصر مستوحاة من الهيكل. يصف أشعيا مجد الهيكل الزمني وخدامه الخطأة الضعاف الغير المستحقين للمشاركة في العبادة (أش5:6) بالهيكل السماوي وطقوسه المقدسة. ويجب أن تتطهر شفتا النبي بواسطة الجمرة وتغفر خطاياه (أش6:6-7) قبل أن يدخل في خدمة “الملك” ويصبح رسوله (أش8:6-13). ونلاحظ أن النبي- وهو الذي يثور في أماكن أخرى ثورة عارمة على كل فخر البشر بسبب الهيكل (أش12:2..و 1:31-3)- لا يورد أية كلمة لوم موجهة إلى الهيكل أثناء روايته لهذه الرؤيا. كانت حرب النبي هنا مع جبهة أخرى: الدعوة إلى الاتكال والثقة في الوعد لذرية داود ونسله ومحاربة الاتكال على أي ضمان آخر (أش 9:7؛ 6:9؛ 1:11). ولذلك يصبح الهيكل، بيت الملك (أش1:6) رمزاً إيجابياً لوجود قدوس إسرائيل وسط شعبه. وسيصبح “بيت إله يعقوب القائم على تل صهيون هدف ونقطة تجمع والتقاء كل شعوب الأرض” (أش 2:2-4، ميخا 1:4-3). وتدور الشكوك حول صحة نسبة هذه الرؤيا (أش6) إلى أشعيا النبي ذاته، إلا أنها تدخل ضمن الخط الفكري اللاهوتي لأشعيا.

إرميا ومغارة اللصوص (إر7)

 جاء خلاص أورشليم من الحصار الذي فرضه عليها الأشوريون سنة 701ق.م مصدقاً لرسالة أشعيا (2مل 18-19 قارن أش 36-37). ولم يكد يمضي جيلان إلا واصطدم إرميا بتقليد قائم على الأمان الكاذب: لن يحدث شيء للمدينة لأن هيكل الله قائم فيها ولذلك فهي لا تُقهر. ويدين الخطاب الذي لقاه إرميا “بباب بيت الرب” اعتقاد الشعب الباطل واتكالهم المفرط على وجود الهيكل في وسطهم. لقد أصبح الهيكل المهرب الذي يختفي فيه الشعب حتى لا يطيع الله وبذلك حوّله إلى مغارة لصوص. (أش11:7). ومع ذلك يظل اعتقاد إرميا راسخاً بأن الهيكل هو مكان سكنى الله وسط شعبه (أش3:7و7). ومن المؤكد أن عبارة “الذي دهي باسمي” (أش11:7و14) تعود إلى الفكر التثنوي. ولكن سكن الله في الهيكل ووجود الهيكل في وسط المدينة يقتضيان شروطاً خاصة أهملها الشعب وبذلك سيجلب على نفسه غضب الله العادل ولذلك سوف يهدم هذا الهيكل، كما سبق وهدم معبد شيلو (أش 12:7-14).

حزقيال: مجد الله يغادر الهيكل ثم يعود إليه (حز 8-11و43)

كان حزقيال سليل إحدى العائلات الكهنوتية (حز1:3) مما يلقي الضوء على الدور البارز الذي يحتله الهيكل في رسالته. وقد كانت إعلانات حوقيال النبوية موضوع قراءة وتطوير مستمرين مما يحتم على القارئ إجراء بحث دقيق ليصل إلى مفتاح فهم الأحداث. فالفصول 8-11 تدور حول وصف رؤيا النبي في السبي، حيث حمله الروح إلى هيكل أورشليم ليكون شاهداً على كل العبادات والممارسات الطقسية لمختلف الأديان الغربية ولكي يشهد مغادرة مجد يهوه لقدس الأقداس (حز4:1) ثم تخطيه لعتبة الهيكل (18:10) وأخيراً مغادرته لمدينة أورشليم (حز22:11…) إنها صورة لرفض يهوه لما يدور في الهيكل. ولقد تحققن نبوءة حزقيال عند سقوط أورشليم سنة 587 وسبي بابل. ورسم حزقيال النبي خطة إعادة بناء الهيكل في وسط المدينة، يحيط به الأسباط الاثنا عشر (حز 40-48) ويصف عودة مجد إله إسرائيل (43) إلى الهيكل ليملأه: “هذا مكان عرشي ومكان أخامص قدمي والذي أسكن فيه وسط بني إسرائيل للأبد، ولا ينجس بعد اليوم بنت إسرائيل اسمي القدوس لا هم ولا ملوكهم بزناهم وبجثث ملوكهم وأنصاب قبورهم” (حز7:43أ). وسوف يطل هذا الهيكل على كل أركان البلاد وسوف يسعدها ويخصبها بالمياه الغزيرة التي تتدفق من تحت مدخله (راجع 1:47-12). وتعكس هاتان الرؤيتان العلاقة الجدلية بين خطايا بني إسرائيل التي جعلت حزقيال يدينهم ويدين الهيكل القديم، ورغبة وإرادة يهوه أن يسكن في وسط شعبه ويباركه بعد توبته من هيكله الجديد.

حجاي وإعادة بناء البيت (1حج 1-2)

يا له من فرق شاسع بين الهيكل الذي تصوره حزقيال (حز43) ومحاولة بني إسرائيل لإعداد الهيكل للاستعمال الطقسي (عز1:3-6): كل ما استطاع أن يحصل عليه بنو إسرائيل هو إزالة الأنقاض وكشف مذبح المحرقات. وقد يعود ذلك إلى ضيق ذات اليد كما أنه قد يعود إلى العادات التي اكتسبها بنو إسرائيل في السبي، إذ كانوا قد اعتادوا على عدم وجوده واستعماله. ألم يكن مقر الله هو السماء؟ (راجع 1مل 27:8) يقلب حجاي انتقادات الأنبياء السابقين وموقفهم من الهيكل رأساً على عقب، فيعلن أن سبب ضآلة المحاصيل الزراعية وسوءها هو تراخي اليهود في إعادة بناء الهيكل (راجع حج9:1). فالخيانة لله وعدم الأمانة له لا تقومان في الثقة الكاذبة المفرطة في وعوده إنما تقومان في عدم المبالاة بإعادة بناء الهيكل (راجع4:1) والشيء المُلّح والذي به يبدأ تاريخ الخلاص الشامل (7:2) هو إعادة بناء الهيكل لكي يتجلى الله بمجده فيه. سيفوق مجد هذا الهيكل مجد الهيكل القديم (9:2). رفض الأنبياء في فترة ما قبل السبي أن يكون الهيكل الضمان المطلق لحضور الله، وبعده قاوموا اختزال وجوده إلى مجرد رمز مادي لحقيقة روحية. ويشهد الأنبياء سواء بانتقادهم الاتكال المفرط على الهيكل أو إهمال بنائه، يشهدون أن إرادة إله إسرائيل هي التواجد في العالم، ولقاء البشر وموهبتهم أن يعرفوا ويعترفوا أنه الرب. ولقد واصل شهود العهد الجديد هذه الرسالة لكي يثبتوا أن الهيكل الحقيقي تحقق في شخص وأعمال يسوع المسيح (يو 20:2-22، عب9؛ 1كور 16:3 وتابع).