stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابية

الجزء الثاني: ثانياً:فهم الكتاب المقدّس مِن خلال الكنيسة

400views

download (21)

تؤكّد لنا محاضرة موسكو: «إننا نعرف ونستقبل ونفسّر الكتاب المقدّس مِن خلال الكنيسة وفي الكنيسة». إنّ اقترانا بالكتاب المقدّس ليس اقتراناً مطيعاً فحسب، إنما هو أيضاً كنسيّاً. فإنّ كلماته التّي نتأملها كلّ واحد على حدى، نتأملها أيضاً، وفي نفس الوقت، بكوننا أعضاء في جماعة. فالكتاب المقدّس والكنيسة إذاً لا يجب أنْ ينفصلا بعضهما عن بعض أبداً؛ فالاتصال بينهما واضح، على الأقل، على مستويين :

1.    مِن خلال الكنيسة وفي الكنيسة نستقبل الكتاب المقدّس 

على المستوى الأول، إنّ الكنيسة [الأم والمعلمة] هي التّي حدَّدت لنا ما الذّي يُمثِّل جزءاً مِن الكتاب المقدّس. ففي تاريخ المسيحيّة، وبالتحديد في القرون الثالث الأولى، كان لابد مِن مسيرة طويلة، بواسطة العبور مِن خلال الغربال، فكانوا يضعون تحت الإختبار ويميّزون بين كلّ ما هو يُمثِّل جزءاً أصيلاً مِن الكتاب المقدّس [الكتب القانونيّة] مِن ناحية، أيّ كلّ ما هو يحمل رسالة موثوقة فيها حول شخصيّة ورسالة المسيح، وبين كلّ ما هو “أبوكريفا” مِن ناحية أخرى، فربما تكون هذه الكتب مفيدة للاستخدام في التعليم، ولكنها لا تصلح أنْ تكون مصدراً طبيعياً مقبولاً للتعليم المسيحيّ. ولذلك، فالكنيسة [بمعونة العناية الإلهيّة والروح القدس] هي التّي قرّرت وحدّدت الكتب التّي تشكل “قانونيّة” العهد الجديد. فقد يكون هناك كتاب لا يجب أنْ يُمثِّل جزءاً مِن الكتاب المقدّس، بسبب وجود بعض التشكيكات الخاصة حول تاريخيته وسلطته، ولكن الكنيسة تعتبره قانونيّاً! فلنفترض، على سبيل المثال، أنّ الذّي كان محل الاختبار هو الإنجيل الرابع، وقيل أنه ربما لم يكتب مِن قبل يوحنا، التلميذ الذّي كان يسوع يحبه، فهناك شخص أخر هو الذّي كتبه_ فعلى حسب أعتقدي توجد بالعكس دلائل قوية تجعلنا نستمر في قَبول إسناد كتابته إلى يوحنا_ وعلى كلّ حال، ففي مثل هذه الحالة لن نغيّر موقفنا في اعتبار الإنجيل الرابع جزء أصيل مِن الكتاب المقدّس. لماذا إذاً؟ لأن الإنجيل الرابع ببساطة، أيان كان مؤلفه، يُقبل مِن وفي الكنيسة!

2.   مِن خلال الكنيسة وفي الكنيسة نفسَّر الكتاب المقدس

أمَّا على المستوى الثاني، فإذا كانتْ الكنيسة هى التّي تقول لنا ما هو الذّي يُمثّل جزء مِن الكتاب المقدّس، فهي أيضاً التّي تقول لنا كيف نفسّره ونفهمه؟ فلنتذكر ذاك الخصي الحبشيّ الذّي كان يقرأ في عربته بعض المقاطع مِن سفر إشعياء الوارد في العهد القديم، فعندما وصل إليه فيلبس الرسول سأله: «هل تفهم ما تقرأ؟»، فأجابه هذا الحبشيّ: «كيف لي ذلك، إن لم يرشدني أحد؟» ( أعمال8: 30_31). إنّ الصعوبة التّي واجهتْ هذا الشخص هي بالأحرى الصعوبة التّي تواجهنا نحن اليوم! 

فكلمات الكتاب المقدّس لا تشرح دائماً نفسها. وحتى إنْ كان الكتاب المقدّس حقاً يملك خيطاً مُرشداً مدهشاً في بساطته، ولكنه عندما يُدرس بالتدقيق والتفصيل، يظهر بالفعل ككتاب بالغ الصعوبة! إنّ الله يتكلّم حقاً ومباشرة إلى قلب كلّ واحد منا عندما نقرأ الكتاب المقدّس، كما يقول القديس تيكون، فقراءتنا له هي حوار شخصيّ بين كلّ واحد منا والسيد المسيح نفسه؛ ولكننا مع ذلك بحاجة إلى مرشد، وهذا المرشد هو الكنيسة. فيمكننا إذاً استخدام فهمنا الشخصيّ الذّي يعضده الروح القدس، بل ويمكننا أيضاً استعمال الشروحات الكتابيّة المتوفّرة بفضل اكتشافات الأبحاث الحديثة، ولكن يجب علينا أنْ نُخضع كلّ الآراء الشخصيّة الخاصة، سواء أكانتْ أراءنا أو أراء الدارسين لحكم الكنيسة ورؤيتها. فلنقرأ إذاً الكتاب المقدّس قراءة شخصيّة، ولكننا لا يجب أنْ نقرأه وكأننا جزر منعزلة! فلا يقل أحد منا: “أنا”، إنما فليقل: “نحن”! أعني أنْ نقرأه كأعضاء في عائلة واحدة، أيّ عائلة الكنيسة الكاثوليكيّة الأرثوذكسيّة [الجامعة المستقيمة]! أيّ فلنقرأه في اتحاد مع كلّ الأعضاء الأخرين في جسد المسيح، في كلّ مكان وفي كلّ العصور! إنّ هذا الاتصال الجماعي والجامعي بالكتاب المقدس كان يلخص في أحدى الأسئلة التّي كانتْ تُطرح على المهتدي إلى المسيحيّة؛ ففي أثناء مراسيم الاحتفال بقَبوله داخل الكنيسة، المستخدمة في الكنيسة الروسيّة، كان يُسأل هذا المهتدي: «هل تعترف أنَّ الكتاب المقدّس يجب أنْ يقبل ويفسّر في توافق مع الإيمان المُسلّم مِن الآباء القديسين، الإيمان الذّي حافظتْ ولاتزال تحافظ عليه الكنيسة المستقيمة أمنا؟»! فالمعيار الذّي يحسم في فهمنا للمعنى الكتابيّ إذاً هو “عقلية الكنيسة”!

مِن أين إذاً يجب أنْ نبدأ مِن أجل إكتشاف هذه “العقليّة الكنسيّة”؟! علينا أنْ نبدأ أولاً بملاحظة الطريقة التّي بها تمَّ استعمال الكتاب المقدّس في العبادة؟ وبشكل خاص، كيف تمَّ اختيار القراءات الكتابيّة في الأعياد؟ وكمرحلة ثانيّة، علينا أنْ نقوم بملاحظة كتابات آباء الكنيسة، وبنوع خاص كتابات القديس يوحنا ذهبي الفم، وأنْ نكتشف كيف قاموا بتحليل وبوضع النصوص الكتابيّة في كتاباتهم؟ إنَّ الطريقة الكنسيّة في قراءة الكتاب المقدّس هي قراءته بهذه الطريقة الليتورجيّة والآبائيّة!

مِن أجل توضيحٍ أكثر للمقصود بتفسير الكتاب المقدّس بطريقة ليتورجيّة، لنتأمل في قراءات العهد القديم المُوضوعة في صلوات طقس “عيد البشارة”، وفي صلوات طقس “السبت المقدّس” [سبت النور]، وفي الجزء الأول مِن صلوات “عيد الفصح”[1]! سنجد أولاً أنَّه في “عيد البشارة” هناك خمس قراءات:

– (تكوين28 :10 – 17): حلم يعقوب الذي فيه رأى سلماً واصلاً مِن الأرض إلى السماء.

– (حزقيال 43: 27، 44: 4): رؤية حزقيال المتعلّقة بهيكل أورشليم، والباب المغلق الذّي لا يقدر أحد أنْ يعبر منه إلا الأصل أو المصدر. 

– (أمثال 9: 1 -11): تعتبر فقرة مِن الفقرات الحكميّة الواردة في العهد القديم، تبدأ بهذه الكلمات “الحكمة بَنَت بيتها”.

– (خروج 3: 1- 8): موسى والعليقة المتقدة.

– (أمثال 8: 22- 30): فقرة أخرى مِن الفقرات الحكميّة، تصف منزلة الحكمة في العناية الإلهيّة “مِنذ البدء”. إنّّ هذه الفقرات المُختارة مِن العهد القديم تُقدِّم لنا سلسلة مِن التصوّرات القويّة التي تعلن عن وضع “والدة الله” في تطوّر خطة الله الخلاصيّة؛ فهي السلم الذّي رآه يعقوب، وبواسطتها نزل الله ودخل في عالمنا، مُتخذاً منها الجسد الذّي أمددته به؛ وهي أيضاً الأم الدائمة البتوليّة، فبالرغم مِن أنّ المسيح وُلد منها فهي ستظل دائماً عذراء، وباب عذراويتها مختوم؛ إنها تجهّز الإنسانيّة أو البيت الذّي يتخذه المسيح حكمة الله الأزلية (1 كورنثوس 1: 24) كمسكناً له؛ وهي أيضاً العليقة المتقدة التّي تحوي في أحشاءها النار الإلهيّة غير المخلوقة، ومع ذلك لا يدنو منها الفناء أوالهلاك؛ وهي التّي منذ الأزل و”منذ بداية الأرض”، مختارة ومصطفاة مِن قِبل الله لتكون له أماً!

إنَّ قراءة هذه الفقرات في سياقها الأصليّ في العهد القديم، تمكِّننا مِن إدراك مباشر للتصوّر المسبق لتجسّد المخلّص مِن العذراء مريم. وبتفحّصنا لإستعمال الكنيسة للعهد القديم، كما هو مُقدّم لنا في قطمارس القراءات، يتسنى لنا أنْ نكتشف العديد مِن المعاني المتنوّعة التّى لا تظهر مِن مجرد القراة الأولي العابرة. 

إنَّ نفس الأمر يتكرّر عندما نمعن النظر في استخدام الكتاب المقدّس في يوم سبت النور، فهناك ما لا يقل عن عشرة قراءات مُختارة مِن العهد القديم؛ وللأسف الشديد، هناك الكثير مِن الرعايا قد أهملتْ الأغلبية مِن هذه القراءات، وبهذا يُحرم شعب الله مِن غذاءه الكتابيّ المناسب في حينه! إنّ هذا التسلسل الطويل للقراءات يضعنا أمام المعنى العميق لعبور المسيح مِن الموت إلى القيامة. فالقراءة الأولى مِن هذه القراءات هي خلاصة لقصة الخلق (تكوين 1: 1_13)، فقيامة المسيح هي خلق جديد (2 كورنثوس5: 17)، وهي إفتتاح لحياة جديدة، حياة أبدية (رؤيا 21: 5). أمّا القراءة الثالثة فهي تصف التقليد العبريّ لأكل الفصح، فالمسيح المصلوب والقائم هو الفصح الجديد، وهو أيضاً ملاك العبور الذّي يستطيع أنْ يحمل خطيئة العالم (1 كورنثوس 5: 7)،(يوحنا 1: 29). والقراءة الرابعة تشمل كلّ كتاب يونان النبي، فالثلاث أيام التّي قضاها النبي في بطن الحوت هي تصوير مسبق لقيامة المسيح مِن قبره بعد ثلاثة أيام (متى 12: 40). والقراءة السادسة تحكي لنا عن عبور بني إسرائيل البحر الأحمر (خروج 13: 20، 15: 19)، فهكذا المسيح يقودنا مِن عبودية مصر (الخطيئة)، مِن خلال البحر الأحمر (المعمودية)، إلى أرض الموعد (الكنيسة). والقراءة الأخيرة هي قصة الثلاث فتية القديسين في أتون النار (دانيال 3)، وهنا نجد أيضاً “نموذجاً” أو “تشخّصياً مسبقاً” لقيامة المسيح مِن قبره.

والتساؤل الذّي يطرح نفسه الآن: كيف يمكننا أنْ نطوَّر مثل هذا النمط الكنسيّ الليتورجيّ لقراءة الكتاب المقدّس مِن خلال مجموعات للدراسات الكتابيّة في جميع رعايانا بكاملها؟! فمثلاً، يُطلب مِن شخص ما مِن المجموعة أنْ يشير إلى عدد المرات التّي ذُكر فيها نص معين مِن أجل موسم ما أو مِن أجل عيد أحد القديسين، و عندئذٍ المجموعة كلها يمكنها أنْ تتناقش معاً حول “المنطق أو السبب” الذّي مِن أجله اُختيرت هذه القراءات عن غيرها؛ ويمكن أنْ يُطلب مِن أشخاص أخرين في المجموعة بالقيام بعمل بحث حول آباء الكنيسة، ويرجعون خاصة إلى عظات القديس يوحنا فم الذهب. قد نُصاب في البداية بخيبة أمل مِن النمط الذّي يفكرون أو يكتبون به الآباء، فهو يختلف غالباً عن نمط تفكيرنا اليوم، ولكننا مع ذلك يمكننا أنْ نجمع الكنوز مِن النصوص الآبائيّة، إذا امتلكنا الصبر والتخيل الكافيين مِن أجل إكتشافها.

ثالثاً: السيد المسيح مركز الكتاب المقدّس     

إنَّ الخاصيّة الثالثة لقراءتنا للكتاب المقدّس هي “مركزيّة المسيح”. إننا نتفق تماماً مع ما جاء في محاضرة “موسكو”، عام 1976، حيث قِيل أنّ: “الكتاب المقدّس يشكّل وحدة مترابطة”. والتساؤل الذّي يطرح نفسه: إلى ماذا يجب أنّ يُسند تكامله وترابطه؟ إنه يُسند قطعاً إلى شخص المسيح، فهو الدافع الأول المُوحِّد الذّي يتخلّل بين سطور الكتاب المقدّس كلها، مِن أول جملة إلى أخرها. إنّ يسوع يقابلنا في كلّ صفحة مِن صفحاته، فالكتاب المقدّس يجد حقاً معناه في شخص المسيح، الذّي “به قوام كلّ شيء” (كولوسي 1: 17). 

إنّ كثيرين مِن دارسي الكتاب المقدّس، خاصة في الدراسات الغربيّة الحديثة، يتبنون منهجية “المقاربة التحليليّة”، محللين بذلك كلّ سفر مِن أسفار الكتاب المقدّس حسب ما يُرى أنه يُمثِّل “مصادره الأصليّة”؛ وبذلك تذوب الروابط بين أجزاءه، ويتحوّل إلى سلسلة مِن الوحدات المفصولة. وحالياً، هذه الطريقة تواجه ردة فعل، فالناقدون الكتابيون في الغرب قد أعطوا انتباهاً كبيراً للوحدة الأصيلة التّي توحّد بين صفحات الكتاب المقدّس. ويمكننا بالطبع، كأرثوذكسين، أنْ نفضّل هذا الاتجاه الأخير. يجب علينا أنْ نرى الوحدة بين أسفار الكتاب المقدّس أكثر بكثير مِن رؤيتنا للإختلاف، وأنْ نرى الترابط الشامل للنهاية كرؤيتنا للتشتّت في البداية. إنّ الإرثوذكسية تفضل الأسلوب الإجماليّ للتفسير وللتأويل أكثر بكثير مِن الأسلوب التحليليّ، فهي ترى الكتاب المقدّس وحدة واحدة متكاملة، وترى أنّ المسيح، في كلّ مكان فيه، فهو رباط وحدته. وهذا بالتحديد، كما رأينا سابقاً، هو الدافع لقراءة الكتاب المقدّس في داخل سياق العبادة الكنسيّة؛ كما يظهر جلياً مِن خلال قراءات “عيد البشارة” و “سبت النور”. في كلّ مكان في العهد القديم نجد إشارات وعلامات تشير إلى سرّ المسيح وإلى مريم أمه؛ ومِن خلال تفسيرنا للعهد القديم على ضوء العهد الجديد والعهد الجديد على ضوء العهد القديم، تماماً كما يشجّعنا على فعله قطمارس الكنيسة، يجعلنا نكتشف كيف أنّ الكتاب المقدّس يجد تكامله في المخلّص. 

إنَّ الإرثوذكسيّة [الكنيسة البيزنطية] تُعطي مجالاً رحباً لهذا المنهج “الرمزيّ” في التفسير، الذّي مِن خلاله يجب أنْ تُكتشف  النماذج التّي تشخّص المسيح، وأنْ نكتشف العلامات والرموز التّي تشير إلى عمله، الواردة في كلّ العهد القديم. فلنأخذ، على سبيل المثال، “ملكي صادق”، ملك وكاهن شاليم، الذّي قدَّم خبزاً وخمراً لإبراهيم (تكوين 14: 18)؛ فهو يعتبر نموذج للمسيح ليس فقط مِن قِبل آباء الكنيسة، إنما أيضاً مِن قِبل العهد الجديد نفسه (عبرانيين 5: 6، 7: 1). إنّ “الصخرة” التّي تدفق منها الماء في صحراء سيناء ( خروج 17 : 6، عدد 30 : 7- 11)، هي أيضاً، وعلى نفس المنوال، رمز للمسيح ( 1كورنثوس 10: 4). وهكذا، فإنَّ “التفسير الرمزيّ” يشرح المنطق في اختيار القراءات، ليست فقط في يوم “سبت النور”، إنما أيضاً في كلِّ الفترة الثانية مِن “الأربعين المقدسة”! فيمكننا أنْ نتسأل مثلاً: لماذا نجد القراءات المختارة مِن سفر التكوين في الأسبوع السادس كلّها تدور حول شخصيّة يوسف؟! ولماذا يُقرأ مِن سفر أيوب النبي في أسبوع البصخة؟! فالرد ببساطة هو أنّ يوسف وأيوب، الذين تألما وهما باران، يصوّران مسبقاً الآلام المخلِّصة التّي عانها المسيح على الصليب.

يمكننا أنْ نجد أيضاً الكثير والكثير مِن الأمثلة على التوافق بين العهد القديم والعهد الجديد، مستخدمين في ذلك الانسجام الكتابيّ بين العهدين. فلنحاول أنّ نقوم بالربط بين العهدين، وسوف نكتشف أنّ هذا الربط قد تمَّ بينهما. يقول أحدهم: «إنَّ المسيحيّ الحقيقيّ هو ذاك الذّي، في كلّ مكان، يجد المسيح ويبتهج فيه». إنّ هذا صحيح تماماً، خاصة بالنسبة للمسيحيّ الكتابيّ؛ فهو، أينما كان، في كلّ صفحة مِن صفحات الكتاب المقدس، يجد المسيح.  

رابعاً: الكتاب المقدَّس رسالة شخصيّة 

يكتب القديس مرقس الراهب (“مرقس الناسك”، في القرن الخامس/ السادس الميلادي): «إنَّ الشخص المتضع في أفكاره والنشيط في عمله الروحيّ، عندما يقرأ الكتاب، يطبّق كلّ ما يقرأه على ذاته وليس على قريبه». يجب علينا أنْ نعتبر الكتاب المقدّس كلّه كتطبيق شخصيّ. والتساؤل الذي يجب أنْ نطرحه عند قراءتنا له ليس فقط : “ماذا يعني كلّ هذا؟!”، إنما: “ماذا يعني كلّ هذا بالنسبة لي؟!”؛ فكما يؤكِّد القديس تيسكون: «إنَّ المسيح قائم أمامك ويتحدَّث إليك». إنّ الكتاب المقدّس هو حوار مباشر باطنيّ حميم بيني وبين المخلّص، بين المسيح الذّي يتجلّى لي وقلبي الذّي يجيب. إنّ هذا هو المعيار الرابع لقراءتنا للكتاب المقدّس، فيجب أنْ أرى كلّ روايات الكتاب المقدّس وكأنها جزء مِن قصتي الشخصيّة. فإنَّ رواية سقوط آدم، على نفس المنوال، هي حصيلة لبعض الأمور التي ترجع أيضاً لخبرتي الشخصيّة نفسها. مَن هو آدم؟! إنّ اسمه يعني ببساطةٍ “إنسان” أو “بشر”، إنّ آدم هو أنا، فأنا هو مَن يسأله الله: «أين أنت؟» (تكوين3: 9). نحن غالباً ما نسأل الله: “أين أنت؟” ولكن السؤال الحقيقي هو ذاك الذّي يطرحه الله على آدم، وعلى كلّ واحد منا: “أين أنت؟”.

مَن هو قايين، قاتل أخيه؟! هو أنا بالتحديد. وتساؤل التحدّي الذّي يطرحه الله: «أين هابيل أخوك؟» (تكوين4: 9) يطرحه على قايين وعلى كلِّ واحد منا أيضاً؛ فإنّ الطريق إلى الله تمرّ عبر محبتنا للأشخاص الأخرى، فليس هناك وسيلة أخرى، فإنّ رفضي وإنكاري لأختي أو لأخي يبدّل صورة الله فيّ بعلامة قايين، لأنه هو إنكار لإنسانيتي الأصيلة. إنّ نفس التطبيق الشخصيّ لكلمات الكتاب المقدّس واضح أيضاً في الطقوس والصلوات الخاصة بالأربعين المقدسة، وخاصة في قداس القديس إندراوس[2]: «”أنا الإنسان الذّي سقط بين أيادي اللصوص” (لوقا 10: 30)، “وكنتُ ابنه الشاب الصغير، وبددت كلّ الغنى الذّي أعطاني أبي …والآن فأنا فارغ جائع” (لوقا 15: 11- 15)». وآباء البرية المصريون كانوا معتادين أنْ يتسألوا: «مَن هم الخراف؟ ومَن هم الجداء؟» (متى 25: 31، 4)، فكانوا يجيبون عادة هكذا: «”الخراف يعرفهم الله”، وأمَّا بالنسبة “للجداء فهم أنا”».

يجب علينا أنْ نقوم بثلاث خطوات أساسيّة عند قراءتنا للكتاب المقدّس:   

 · أنْ نتأمل بعمق في الحدث الذّي نجده في الكتاب المقدّس وفي التاريخ المقدّس: قصة العالم منذ الخلق، وقصة شعب الله المختار، وقصة الله نفسه الذّي تجسّد في أرض فلسطين، وقصة “الأعمال العظيمة” بعد العنصرة (أعمال 2: 11). ولا يجب أن ننسى أبداً أنّ ما نجده في الكتاب المقدّس ليس على الإطلاق إيدلوجية دينيّة ولا نظرة فلسفيّة، إنما قصة إيمان. فلنراقب ونلاحظ إذاً التطوّر والخصوصيّة لهذه القصة المقدسة فسنجد أنّ الله يتدخَّل في الأوقات الخاصة وبطرق متنوعة، مقيماً حوار مع أشخاص بشرين متميزين؛ وسنرى أيضاً أمامنا الدعوات المتميزة التي يدعوها الله لكلّ إنسانٍ على حدى: فها هي دعوته لإبراهيم، ولموسى وللدواد، لرفقة ولراعوث،لإشعياء وللأنبياء جميعاً؛ وسنرى أيضاً الله يتجسَّد ذات مرة، في مكان محدد على الأرض، وفي لحظة محددة، مِن امرأة محددة. فلا يجب أنْ نعتبر هذا التطور وكأنه عثرة، إنما نعتبره بركة؛ فالحبُّ الإلهي هو حبّ شامل في غايته، ولكنه دائماً شخصيّ في التعبير عنه. إنّ عنصر التخصيص هذا، في الكتاب المقدّس، هو عنصرحيوي في “العقليّة الكتابيّة الأرثوذكسيّة”. فإنْ أحببنا حقاً الكتاب المقدّس أحببنا كلّ التفاصيل والتسلسل في التاريخ والجغرافيا الواردتين بين صفحاته.    

· إنها واحدة مِن أفضل الطرق لتنظيم دراسة الكتاب المقدس، ألا وهي الذهاب في “حج إلى الأراضي المقدسة”: امشوا حيث مشى يسوع، وانزلوا قرب البحر الميت، واصعدوا على جبل التجارب، لاحظوا الأراضي المقفرة المهجورة، حاولوا أنْ تختبروا كلّ ما كان يجب أنْ يختبره يسوع أثناء أيامه الأربعين في الوحدة بالصحراء، اشربوا مِن البئر الذّي بقربه تكلّم يسوع مع المرأة السامريّة، خذوا مركباً واخرجوا إلى بحر الجليل، اطلبوا مِن الصيادين أنْ يوقفوا الموتور، تطلعوا صامتين في المياه، اذهبوا ليلاً إلى بستان “جثماني”، اجلسوا في الظلام تحت أشجار الزيتون العتيقة، انظروا إلى الوادي وإلى أنوار المدينة، تذوّقوا تماماً النكهة المميزة للبيئة التاريخيّة؛ اعيدوا هذه الخبرة في قراءتكم اليوميّة للكتاب المقدّس. 

· وعندئذٍ يجب أنْ نقوم بخطوة ثالثة، فبعدما عشنا مِن جديد القصة الكتابيّة في جميع جوانبها الخاصة، يجب علينا أنْ نقول لإنفسنا: “إن كلّ هذا ليس مجرد أماكن متميزة وأحداث في الماضي البعيد، إنما هو أمر يرتبط بمقابلتي مع الربّ، فهذه القصص تشملني وتخصني أنا”؛ فالخيانة، مثلاً، هي جزء مِن قصة كلّ واحد منا الشخصيّة! ألم نخن أحداً في لحظة مِن لحظات حياتنا؟ ألا نعرف جميعاً ماذا يعني أنْ نخون؟! ألم تترك فينا الذكريات الناجمة عن هذه اللحظات تأثيراً عميقاً مستمراً في نفسيتنا؟ لذلك، فعندما نقرأ رواية الخيانة ليسوع مِن قِبل بطرس، ونقرأ أيضاً إعادة اعتباره بعد القيامة، يمكننا أنْ نرى كلّ واحد منا يلعب دوراً في هذه القصة. لنتخيل كلّ ما يمكن أنْ يكونوا قد اختبروه، سواء أكان بطرس أو المسيح، وفي اللحظة اللاحقة مباشرة بعد واقعة الخيانة، لنجعل إدراكهم الحسي وجدانهم هم إدراكنا ووجداننا، فأنا هو بطرس، في موقف خيانته، ويمكنني أنْ أكون أيضاً المسيح! متأملين على نفس المنوال تطوّر الأحداث، حتى الوصول إلى المصالحة، ملاحظين كيف أنّ المخلص القائم، بحبٍّ خالٍ تماماً مِن الإحساس بالخيانة، يُعيد اعتبار تلميذه بطرس بعد سقوطه، ويعيده مِن جديد إلى الجماعة! ولنلاحظ أيضاً كيف أن بطرس مِن ناحيته امتلك الشجاعة في قبول إعادة الاعتبار هذه! فليتسأل كلّ واحد منا إذاً، كم يجب أنْ يكون متشبهاً بالمسيح في موقفه مع الذين قد خانوه؟ أو إذا كان هو الذّي خان الأخرين، هل هو قادر على قبول الغفران منهم؟ وهل هو قادر على مسامحة نفسي؟!

لنأخذ مثلاً أخر، “المرأة الخاطئة”، التي سكبت قاروة الطيب على قدميّ المسيح (لوقا 7: 36_ 50)، وبعضهم يحدّد هويتها، فيقولون أنها “مريم المجدلية”، وحتى وإنْ لم يكن هذا هو التفسير الأرثوذكسيّ المألوف، يمكنني أنْ أراها إنعكاس لشخصيتيّ أنا! فهل ياترى أشاركها في كرمها، وفي عفويتها، وفي إندفاعها النابع مِن الحبّ؛ ولذلك فإنّ “خطاياها الكثيرة غُفرت لها”؟! أم إنني إنسان نفعي، ومتحفظ، وغير مستعد إطلاقاً لأن ألتزم ببعض الأشياء سواء أكانت خيرة أم شريرة؟! فكما يقولون آباء البرية: «إنَّه حسن أنْ يخطأ شخص ما، ويعرف أنه قد أخطأ ويتوب، مِن ألا يشعر أنَّه خاطىء، ويفكّر أنَّه بار».

إنَّ اتصالاً شخصيّاً مِن هذا النوع بالكتاب المقدّس يعني أننا في قراءتنا له لسنا ببساطة مجرد مراقبين منفصلين محايدين، أو كمَن يبحثون المعلومات ويدونون ملاحظات عن الأحداث. إنّ الكتاب المقدّس ليس عملاً أدبياً محض أو تجميعاً لوثائق تاريخيّة، حتى وإنْ كان بالطبع يقترب مِن هذا المستوى؛ فيجب إذاً أنْ ندرسه بشكل أكثر عمقاً مِن هذا المستوى، فهو يُدرس ككتاب مقدّس مُقدَّم إلى المؤمنين ليقرأوه بإيمانٍ وحبٍّ. إننا بالفعل لن نصل إلى فائدة كاملة في قراءتنا للأناجيل إنْ لم يكن فينا حبُّ المسيح، “فالقلب يتحدّث إلى القلب”، فإننا لن ندخل حقاً في حقيقة الكتاب المقدّس الحيّة إلا عندما تجيب قلوبنا بحبّ على حبّ الله. 

إنَّ قراءة الكتاب المقدّس بهذا الشكل، أيّ بطاعةٍ، ومع أعضاء الكنيسة، باحثين عن مركزية المسيح في كلّ مكان فيه، معتبرين كلّ هذا جزء مِن حياتنا الشخصيّة، ستعود علينا ببعض مِن التقويّات والشفاء الموجودين به. ومع ذالك، ففي رحلتنا عبر الكتاب المقدّس لاستكشافه، سنظلّ دائماً في مرحلة البداية؛ فنحن نشبه أشخاصاً أُلقي بهم في داخل قارب صغير، وهذا القارب قُذف به في محيط بلا حدود. أمَّا بالنسبة لعظمة القيام بمثل هذه الرحلة، فيمكننا أنْ نبدأ في الإبحار منذ اليوم، في هذه الساعة بعينها، وفي هذه اللحظة ذاتها. 

أخيراً، إنَّ القديس أغسطينوس في قمة أزمته الروحيّة، وبينما هو في صراع مع نفسه في إحدى الحدائق، يسمع صوت طفل صغير يقول له: «خذْ وأقرأ..خذْ وأقرأ»؛ فأخذ الكتاب المقدّس وقرأه، وكلّ ما قرأه غيّر حياته. فلنعمل نحن هكذا، فلنأخذ ونقرأ! «كلمتك مصباحٌ لقدمي ونورٌ لسبيلي» (مزمور 119/ 105).  
——————————————————————————–
[1]  يتحدث المؤلف هنا عن القراءات الطقسيّة في الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطيّة. 
[2]  قداس القديس إندراوس هو واحد مِن القداسات الموجودة بالكنيسة الإرثوذكسية البيزنطية.