stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

الحروب الروحية- درع البر-اللواء/سمير قلادة

604views

berالحروب الروحية- درع البر-اللواء/سمير قلادة

لدرع هو ما يستخدمه المحارب لوقاية جسده من الأسلحة التي يهاجمه بها عدوه. هو عادة يتكون من مادة شديدة الصلابة، وله عدة أشكال. وتبيّن الصور التي للمحاربين القدماء أن للدرع أشكال مختلفة، منها ما يحمل على الذراع ومنها ما يكون على هيئة سترة. ومنها ما يوضع على كل الجسم فلا يكاد يظهر منه أي جزء. وبسبب التطور السريع لأسلحة القتال، لم يعد للدرع أهمية بعد أن تعددت وسائل الحماية في ميادين القتال واستعمال المدرعات والخوذ التي تحمي الرؤوس. الدرع والسهم في الكتاب المقدس من أجل تبسيط معاني الكتاب المقدس فقد شُبِّه السلاح الذي يستخدمه العدو ضد الإنسان بالسهام الملتهبة. وشُبِّه إحدى الوسائل التي بها يُدافع الإنسان عن نفسه من هذه السهام بالدروع. كما شُبِّه عدو الخير، الذي يحارب الإنسان وهو إبليس وأعوانه، بأنهم رؤساء وسلاطين أجناد الشر الروحية.. وفي ذلك يقول في أفسس (10:6-18) “البسوا سلاح الله الكامل. لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير، وبعد أن تُتموا في كل شيء أن تثبتوا، اثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق، لابسين درع البر، حاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام. حاملين فوق الكل تُرس الإيمان الذي به تَقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة. وخذوا خوذة الخلاص، وسيف الروح الذي هو كلمة الله… 

سهام العدو في كتاب “حروب الشياطين” لقداسة البابا شنودة الثالث إيضاحات عن إبليس. وما يوجّهه إلى الإنسان باعتبار أن ما يوجّهه هو مثل السهام الملتهبة… أما عن هذا العدو فمن صفاته أنه كاذب فيما يدعو إليه، قوي جداً، ذكي، صاحب حيلة، لا يتوقف عن محاولاته ضد الإنسان… أما السهام الملتهبة التي يُرمى بها الإنسان. وإن كانت لا تُرى بالعين بطبيعة الحال لكنّ الإنسان يمكنه إدراك أثرها في نفسه وجسده.. ومنها غرس الشك في كل مجالات الحياة ليحطم الإيمان وهو أعظم ما يمكن للإنسان أن يعتمد عليه.. ومنها إثارة اليأس في القلوب من أجل عرقلة جهود الإنسان.. ومنها الدفع للتكاسل حتى يؤجل ما يجب القيام به على الفور مثل الصلاة والتوبة والاعتراف.. وإشغال الفكر بأمور عديدة لئلا يجد الإنسان فرصة للصلاة أو التأمل… ويجب للإنسان الخجل والعنف وإضاعة الوقت… أمام هذه القوة وهذا الدهاء والمكر. وأمام كثرة الأساليب. واستمرار المحاولات فإن الإنسان يكون ضعيفاً أمام هذا العدو. ولا يستطيع أن ينتصر إلا إذا استعان بقوة الرب. أي أن الرب هو الذي ينتصر للإنسان على هذا العدو. وما على الإنسان إلا أن يُطيع كلمة الكتاب بالمقاومة. وحمل سلاح الله الكامل… ومن بين أجزائه درع البر. فكرة عامة عن البر جاء في “معجم اللاهوت الكتابي” أن الإنسان البار يتصف بالطيبة والمحبة (طوبيا 6:7، 6:9، 9:14). وأن البر في المفهوم الديني، أي في شأن علاقات الإنسان بالله، أنه الفضيلة الأدبية المعروفة، والتي تتسع لتشمل حفظ جميع الوصايا الإلهية، أي النظام الذي يريد الله فرضه على خليقته..

وعلى ذلك فإن العمل بالمحبة يُعتبر من أعمال البر، إذ هو طاعة لأعظم وصية. ويترتب عليه قوة للنفس ونور وسط الظلمات، ومقدرة على الكفاح والجهاد. ويقول أحد  القديسين بقدر ما يشقى الإنسان ويجاهد ويغصب نفسه من أجل الله هكذا معونة الله تُرسل إليه. وتحيط به. وتسهّل عليه جهاده وتُصلح الطريق أمامه.. كذلك يقول الكتاب بأن الرب يحفظ نفوس أبراره (مز96). مثال عن عمل البر وأثره في قهر عدو الخير إن مشاعر اليأس والحزن والكآبة، إلى جانب الشك والتكاسل، هي من أعمال عدو الخير، الذي لا يتوقف أبداً عن محاولاته في القضاء على الإنسان.. وأن العمل بالمحبة يغيّر الأوهام المحزنة، ويغرس فيه القوة والعزم.. يبدد مشاعر الحزن واليأس.

من أروع الوقائع التي شهد بها عشرات الألوف من المواطنين. ذلك ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية داخل معسكرات اعتقال أسرى الحلفاء لدى اليابان، وقد نُشر في مجلاّت عديدة في مختلف القارات.. بقلم :أرنست جوردون” يقول “أنه كان ضابطاً في الجيش البريطاني في “سنغافورة” ثم وقع أسيراً لدى القوات اليابانية في أوائل عام 1942 عندما سقطت “سنغافورة” في أيدي تلك القوات.. واستطرد يقول.. أخذوني مع باقي الأسرى في معتقل يسمى “معسكر شانجي” حيث ازدحم بآلاف الأسرى. لم يكن فيه مرافق صحية مناسبة أو أدوية. كان الغذاء الوحيد الذي يقدم هو الأرز. ثم نُقلتُ مع عشرات الألوف من الأسرى إلى معسكر آخر في جبال تايلاند، لأجل مد خط سكة حديد طوله أربعمائة كيلومتر خلال الأدغال والغابات. وجدتُ المنطقة موبوءة بالأمراض بسبب تكاثر البعوض والحشرات. درجة الحرارة فيها تصل إلى 41 درجة مئوية. العمل يبدأ من شروق الشمس إلى غروبها. الغذاء كمية ضئيلة من الأرز. الكساء مجرد بقايا الملابس، ولا شيء يحمي الرؤوس من أشعة الشمس الحارقة. النوم في العراء.

كنّا بسبب الجوع نضّطر لأكل أوراق الشجر ونبات الخبيزى. الأسير الذي كان يدّعي المرض يربطونه إلى جذع شجرة، يضربونه بكعوب البنادق أو بالجاروف الذي يحمله ثم يُترك عارياً تحت أشعة الشمس الحارقة طوال اليوم. ترتب على ذلك وفاة مئات من الجنود خلال أسابيع قليلة.. تحوّل الرجال إلى مجرد هياكل عظمية. جفت الجلود. غاصت العيون في محاجرها. انتشرت الأمراض ومنها مرض “قرحة الغابة” وهو يُحدث تآكل في اللحم ثم يتغلغل في العظام. وتدهورت الأخلاق تدهوراً مريعاً. أصبحت كراهيتنا لليابانيين نوعاً من الجنون. أصبحت الكراهية سائدة بيننا، لدرجة أن البعض كان يسرق من زملائه، وآخرون كانوا يتجسسون على بعضهم وينقلون المعلومات إلى اليابانيين. لجأ البعض منّا إلى الدين والصلاة.. ندعو الله أن ينقذنا من هذه المحنة بعنايته الإلهية لكن لم… يحدث شيء، تلاشى الإيمان وحل محله يأس مرير. بعد أكثر من عامين من العمل، تدهورت حالتي الصحية. أُصبت بالملاريا ثم بالدوسنتاريا ودفتريا. وبسبب الإهمال في العلاج أصابني شلل نصفي نتيجة التهاب عصبي. نُقلت إلى ما يُسمى “مستشفى المعسكر” وهو عبارة عن مجرد مظلة مكشوفة مليئة بالحشرات، وأنا في شبه غيبوبة، ثم سمعت من يقول أنني لن أستطيع العودة للحياة.. ولن أتمكن من النهوض.. سمع الحديث اثنان من الأسرى. تطوعا لعلاجي. نقلاني إلى كوخ صغير من الخيزران. تناوبا على تمريضي مدة شهرين ونصف، كانا يقتسمان معي طعامهما حتى تحسنت حالتي. لاحظت في أعماقهما مشاعر عجيبة فيها السلام، وفيها الوداعة والتفاؤل وطول الأناة. لم يستطع الشر الذي يحيط بنا، ولا القسوة الوحشية أن تؤثر على هذه المشاعر. تمنيت أن تأتي إلى أعماقي بعضاً منها. وسألت أحدهما وهو “الأمباشي ميللر” كيف يمكن للإنسان أن يجد أي معنى في هذا الجحيم الأرضي، أي معسكر الاعتقال؟ وأجابني قائلاً.. كتب شاعر مجهول يوماً قصيدة صغيرة تشرح كل شيء قال. إنني أبحث عن روحي ولكني لا أستطيع أن أرى روحي. بحثت عن ربي لكني لم أجد ربي وعندما بحثت عن أخي وجدت أخي. ووجدت روحي. ووجدت ربي.. وفهمت أهمية وضرورة العمل بالمحبة. عندما تمكنت من النهوض على قدمي مرة أخرى بدأنا نعقد اجتماعات دينية فيما بيننا. كان عددنا في البداية لا يتجاوز 12 فرداً. وسرعان ما انضم إلينا عشرات ثم مئات. قررنا أن نتبادل أعمال المحبة، كل فيما يعرفه وما يستطيعه.. نظمنا جماعة للتدليك، كانت تطوف بالأسرّة التي يرقد عليها المرضى الذين أيبست عضلاتهم لتدليكها..

جماعة أخرى للتدريس.. تدريس المعلومات العامة والرسم. قام المتخصصون في اللاسلكي بابتكار أجهزة صغيرة من قطع الغيار التي سُرقت من اليابانيين وعن طريقها عرفنا ما يدور في العالم الخارجي.. قام المتخصصون في علم النبات بإنتاج أدوية وعقاقير من بعض أنواع النباتات والأشجار التي في الغابات المحيطة بنا. سَرتْ بيننا روح المحبة العاملة.. الذين كانوا يسرقون أطعمة الآخرين أصبحوا يتقاسمون طعامهم مع غيرهم.. الذين كان اليأس قد سيطر عليهم تماماً شاركونا في أعمال المحبة. كان البعض يخاطر بالتسلل من المعسكر ليلاً ليتصل بالأهالي المسيحيين، ويحضر بعض الأطعمة والأدوية للآخرين. كان أعظم مظهر للتغيير الذي طرأ علينا، ذاك الذي بدأ في صلاتنا، تعلمنا أن نصلي من أجل الآخرين. تعلمنا بالتدريج أن نصلي من أجل أعدائنا. بفضل التعمق في دراسة الكتاب، أدركنا أن العناء الذي يصيبنا سببه عناء البشر وجشعهم وتجاهل العمل بالمحبة. عندما انتهت الحرب بهزيمة اليابان واستسلامها بدون قيد أو شرط، أخذ حراسنا اليابانيون ينظرون إلينا في فزع خوفاً من انتقامنا..

لكننا تجاهلناهم. وأخذنا نردد الأناشيد والأغاني وهم ينظرون إلينا غير مصدقين. لقد رأيت الانحدار العميق، الذي يمكن أن ينحدر إليه الإنسان من خلال اهتمامه بنفسه فقط. ورأيت السمو الذي يستطيع الإنسان أن يصل إليه عندما يعمل بالمحبة من أجل الغير، فيجد نفسه، ويجد الإنسان، ويجد ربه، عندما يعرف الناس ذلك سوف تتغير حياتهم كما تغيرت حياتنا..    تعليق: باعتبار أن العمل بالمحبة هو من أعمال البر، من خلال هذه الأحداث نرى أن نتيجة هذا العمل، أن جاءت إلى النفوس بمشاعر أخرى غير اليأس والحيرة والحسرة. جاءت إليها مشاعر القوة والإيمان، وبددت ما كان يثير الأسى، واستطاع الجميع الاحتمال بما جاء لنفوسهم من قوة ونور وأيضاً سمت مشاعرهم عندما تحقق النصر وانتصروا على شهوة الانتقام. والخلاصة أن العمل بالمحبة يمنح قوة تبدد الضعف الذي يثيره العدو وأجناده.