stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابات القراء

الحرية رؤية

2.4kviews

419449_328705290509835_242068749173490_866185_1055236302_n_01الحرية رؤية

مقدمة

الحرية كانت ولا تزال من القيم الأكثر أهمية في حياة البشرية، فهي التي تعطي قيمة لوجود الإنسان اليوم، وتوجد آراء كثيرة في عالم اليوم تمجدّها وتطلق لها العنان، وتمنحها الحق في أن تمارس كل شيء وأي شيء، وتحاول هذه الآراء أن تعمّق في عقلية البشر، أن الحرية الإنسانية يجب أن تتصرف كما تشاء، وهذا ما شوه الحرية الإنسانية.

خلق الله الإنسان على صورته كمثاله في الإرادة الحرة والعقل المدبر، ودعاه لأن يعيش الحرية، ولكن الإنسان شوه هذه الحرية، باقترافه الخطيئة، ولكن يسوع المسيح حرّره، وحقّق فيه الحرية بنعمة الروح القدس، ” حيث يكون روح الرب ، تكون الحرية” ( 2 كور 3: 17 )، ويتمّم الإنسان دعوته إلى الحرية بالتجاوب الحر مع نعمة الله، ومُترجماً إياها بسلوكه مع نفسه ومع الآخر.

” أنتم، أيها الأخوة، إلى الحرية قد دعيتم” ( غل 5: 13)، دعوة الإنسان إلى الحرية تعني أن يوجّه طاقاته وإمكاناته نحو الخير، حيث يركز تعليم الكنيسة، على أهمية الحرية كعلامة مميزة لصورة الله في الإنسان، فالحرية ليست غاية في حد ذاتها، ولكنها وسيلة للمحبة والخدمة المتبادلة، فبمقدار ما يحب الإنسان يصبح حرًا.

لذلك حاولنا في بحثًا أن نعالج مشكلة الحرية من وجهة نظر مسيحية، فقسمنا البحث إلى أربعة نقاط رئيسية متسلّسلة.

أولاً: التعريفات المختلفة لمعني الحرية.

ثانيًا: الحرية في الكتاب المقدس بعهديه، بدءًا من خلق الإنسان كائناً حرًا، إلى كون الحرية مسيرة تحرّر وخلاص وفداء، وإن يسوع هو المثل الأعظم للحرية، عارضين مشيئة الله وحرية الإنسان.

ثالثًا:كيف يحقق الإنسان دعوته إلى الحرية من خلال سلوكه اليومي، آخذينا في الاعتبار شروط وحدود الحرية، وعلاقتها بالشريعة وبالكرامة الإنسانية، وكيف أنها تحيا في الحياة الجماعية، وعلاقتها بالقدرية.

رابعاً: نحاول وضع معايير للحرية الحقيقية، وكيفية ممارستها بوجهة نظر مسيحية.

سبب اختياري للموضوع   

توق إنسان اليوم لممارسة الحرية في تصرفاته واختياراته وقناعاته، ومعالجة من نسمعه اليوم من ردود أفعال وتساؤلات: أنا حر!، ما شأن الآخرين بيّ؟ لم القوانين؟  أنا أرفض القيود؟ وذلك لمساعدة نفسي والآخرين لكيفية عيش الحرية الحقيقية.

  1_ مفاهيم الحرية المختلفة

كثرت أنواع الحرية بكثرة المجالات المختلفة في الحياة، فهناك الحرية السياسية، والحرية الدينية وحرية الاختيار، وحرية التعبير عن الرأي… الخ، فلا يوجد تعريف جامع مانع عن مفهوم الحرية، لأن الحرية ليست نظرية هندسية يحاول الإنسان أن يبرهن على وجودها، بل هي إثبات للشخصية وتقرير لوجود الإنسان ، فهي ليست موضوعاً يُعايَن بل حياة تعانَي[1].

 1-1 المفهوم اللغوي

  «هي حالة شخص لا يكون تابعاً لأحد […]، أو حالة من ليس مقيداً أو محتجزًا […] أو حق المرء في العيش حرًا من دون ضغوط أو إكراه أو قهر، وممارسة حرياته كاملة كحرية الفكر وحرية الرأي وحرية المعتقد »[2]. هذا المفهوم اللغوي يعكس ما هو شائع عن الحرية ألا وهو أن يفعل المرء ما يحلو له دون أي قيود وهذا يعتبر المفهوم السلبي للحرية. ولكن هذا لا ينفي البعد الايجابي للتعريف في أن يعيش المرء حرًا دون ضغوط ، وأن يمارس حرياته المختلفة.

1-2 المفهوم الفلسفي

 « اختيار  الفعل عن روية، مع استطاعة اختيار ضده »[3]. يركّز هذا التعريف على حرية الاختيار ويتجاهل إذا كان هذا الاختيار يؤدي إلى الخير أم الشر.

1-3 المفهوم المسيحي

 « الحرية هي القدرة المتأصلة في العقل والإرادة، على الفعل أو عدمه […]، من تلقاء الذات، بأفعال صادرة عن روية، […]، فالحرية في الإنسان هي قدرة على النمو والنضج في الحقيقة والخير، فكلما فعل الإنسان خيرًا ازداد حرية، وليس من حرية حقيقية ألا في خدمة الخير والعدالة، واختيار الشر هو شطط في الحرية يعود إلى عبودية الخطيئة »[4]. الإيمان المسيحي يعترف بأن الإنسان خلق حرًا ( تك1/27). إلا أن حريته لا تكون إلا في إطار البحث الحقيقي عن الخير، فحرية الإنسان حرية مجاهدة نحو الخير.

2- الحرية في الكتاب المقدس

2- 1 الحرية في العهد القديم

 ” خلق الله الإنسان على صورته وكمثاله ” ( تك 1/ 26)، خلق الإنسان حرًا مثلما هو حر، على صورته كمثاله في الإرادة الحرة والعقل المدبر، ومن مظاهر هذه الحرية، بأن الله أعطى للإنسان سلطان أن يعطي أسماء لجميع حيوانات الأرض وطيور السماء،[5] ” فأطلق الإنسان أسماء على جميع البهائم وطيور السماء وجميع وحوش الحقول ” ( تك 2: 20).

سلطان التسمية الذي قام به الإنسان إشارة رمزية إلى حريته، الحرية التي منحها الله للإنسان، تعني أنه ليس مصدر حريته، بل مصدرها الله، فالله وحده يتميز بحرية مطلقة، لأنه مصدر ذاته وحريته، وأما الإنسان فيتميز بحرية نسبية  لأنه كائنًا مخلوقًا وليس أزليًا، وتظهر حريته النسبية في أمر الله له ” من جميع أشجار الجنة تأكل وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها فأنك يوم تأكل منها موتًا تموت موتًا ” ( تك 2 : 16- 17). فكلام الله هذا ليس حدًا بالأمر والنهي يضعه لحرية الإنسان بقدر ما هو إقرار من بحدود حرية الإنسان، حرية مشروطة ونسبية، ولكن في الإنسان نزعة إلى الاستقلال عن خالقه حتى يتمتع بحرية مطلقة وهذا ما قالته له الحية: ” الله عالم أنكما في يوم تأكلان من ثمر الشجر ة، تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشر ” ( تك 3/5). فالحية حثت الإنسان على أن يتخطى حريته النسبية كي تكون حرية مطلقة، فاستجاب الإنسان لهذه النزعة مستقلاً عن خالقه جاعلاً من نفسه مرجعًا مطلقًا، وهذه هي خطيئة الإنسان كبرياؤه بمعنى الاستقلال عن الله.[6]

أيضًا يتكلم العهد القديم عن الحرية وتقريبًا بشكل حصري، من حيث كونها مسألة اجتماعية، الأحرار مقابل العبيد، ولا يوسّع العهد القديم لاهوتًا صريحًا ومباشرًا للحرية، لكنه يذكر فعل الله لأجل بني إسرائيل من أعمال تحريرية [7]. فالحدث التأسيسي لبني إسرائيل ” حدث الخروج ” من مصر أرض العبودية  إلى أرض الميعاد، هذا الحدث الذي يدل على أن الله انتزع شعبه من الاستعباد، « الحرية في العهد القديم هي انعتاق من الضغوط والاستعباد. فالله يريد أن يُعبد بواسطة أناس أحرار »[8].

 22 الحرية في العهد الجديد:

 « الحرية البشرية ،إذا أُهدرت من جرّاء الخطيئة، فهي لا تستطيع أن تعود إلى وجه الله بشكل جاد وكامل إلا بمعرفة النعمة الإلهية »[9]. الحرية في العهد الجديد هي قبل كل شيء روحية، فالحرية مسيرة تحرر وخلاص وفداء لأن الإنسان مستبعد، منذ مولده، للخطيئة والموت، أنه مُعرّض للصراع الدائم في داخله بينه وبين نفسه ” الخير الذي أريده لا أعمله، والشر الذي لا أريده إياه أعمل” ( رو 7: 15)، فالحرية حركة تحرر متواصلة وتجربة حياة لا تنتهي، لأن حياتنا عبور دائم من مشروع إنسان على إنسان كامل[10].

« أنه ما من شريعة إنسانية تستطيع أن تحافظ على كرامة الإنسان وحريته، مثلما يحافظ عليهما إنجيل يسوع المسيح، هذا الإنجيل يبّشر بحرية أبناء الله، ويرفض كل استعباد، لأن الاستعباد يأتي من الخطيئة»[11]. إن يسوع المسيح قد حرّرنا لنكون أحرار، وأسس هذه الحرية عندما افتدنا ليصير كل من يؤمن به مُعتقًا من الخطيئة، هذه الحرية التي يمنحها الله بالمسيح لمن يؤمن به، هي ثمرة عمل روحه الذي أرسله لنا ” حيث يكون روح الرب، تكون الحرية ” ( 2كور 3: 17)، يحرّر الله الإنسان في المسيح بالروح القدس، من عبودية الخطيئة والموت، والشريعة من أجل أن يبلغ إليه فيحيا متحدًا به[12]. فالمسيح حررنا لكي ننعم بالحرية ونصبح أبناءً لله وإخوة ليسوع المسيح. ولا تعني الحرية التي يحصل عليها الإنسان أن يفعل ما يشاء ووفق أهوائه، بل أن يقدم حياته حبًا في الله وفي إخوته البشر، كما فعل يسوع المسيح، فالحرية تسعى نحو المحبة، والمحبة هي التي تحرر، ” إنكم، أيها الأخوة، قد دعيتم إلى الحرية، بشرط واحد وهو أن لا تجعلوا هذه الحرية فرصة للجسد، بل بفضل المحبة اخدموا بعضكم بعضًا،[…]، وأقول: اسلكوا سبيل الروح فلا تقضوا شهوة الجسد ” ( غل 5: 13 -16 )، فالحرية التي أعدها لنا المسيح في الروح القدس أعادت لنا المقدرة التي حرمتنا منها الخطيئة، المقدرة على المحبة لله وللآخرين، الحرية هي التي تتيح للإنسان أن تكون له الحياة وتكون أوفر. علينا أن نناضل لئلا نسقط تحت نير الخطيئة.

2-3 حرية يسوع المسيح

أين هي حرية يسوع؟ ألم ينفذ مشيئة أبيه وهو مضطر؟

« يسوع المسيح شخص حر، أختار بمحض حريته وإراداته إتمام مشيئة أبيه »[13] ويتضح ذلك من خلال قول يسوع: ” أبذل نفسي في سبيل الخراف،[…]، أبذلها لأنالها ثانية، ما من أحد ينتزعها مني بل برضاي، فلي أن أبذلها ولي أن أنالها ثانية ” ( يو 10: 15- 18). « فيسوع ذهب إلى الموت بمحض إرادته لا بمشيئة البشر الأشرار، إرادته الحرة قادته إلى الحياة ” لأنالها ثانية ” ، إرادته الحرة لا تتعارض مع مشيئة أبيه بل متجانسة ويظهر ذلك في خطبته الوداعية »[14]، ” ثقوا، إني غلبت العالم ” ( يو 16: 33).

 يسوع كان حرًا في طاعته للآب، ولم يكن عبدًا مسلوب الحرية، أو دمية يحرّكها الله على حسب هواه، فيسوع قد اختار أن يتمّم مشيئة أبيه اختياراً حرًا، بل إنه أضفى معنى على حريته في أن يتمّم  إرادة الآب. هذا لا يمنع أن اختيار يسوع لإتمام مشيئة أبيه كان أمرًا سهلاً، بل أتسم بالصراع بين إرادته وإرادة أبه، وأتضح ذلك في خوفه من الموت ورفضه تلقائيًا ” يا أبتِ، أن شِئت فاصرف عني هذه الكأس ولكن لا مشيتي، بل مشيئتك ” ( مت 22: 42 )، وفِهم يسوع قصد أبيه وتممّ مشيئته[15].

2-4  مشيئة الله وحرية الإنسان

 حرية الله المطلقة تستدعي حرية الإنسان،كما أنها لا تُفرض على الإنسان بل تُعرض عليه، والإنسان حر في القبول أو الرفض. وهناك نماذج للقبول والرفض في الكتاب المقدس، فنجد “مريم العذراء ” مثال لقبول مشيئة الله بحرية ” أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك ” ( لو 1: 38)، « فلم تتحقق مشيئة الآب في التجسد إلا بتجاوب مريم معها تجاوبًا حرًا تاماً، وحياة مريم العذراء كانت كلها طاعة متواضعة لله وقبولاً حرًا لمشيئته »[16]. وهناك أيضاً نموذج لرفض مشيئة الله، متمثلاً في ” الشاب الغني ” الذي رفض رفضًا حراً ( مت 19: 16)، فلقد دعاه يسوع دعوة حرة ” إذا أردت..”، فأجاب الشاب إجابة حرة ” أنصرف حزينًا “، فاحترم يسوع قراره.

لكن السؤال الهام هنا هل تتعارض مشيئة الله مع حرية الإنسان؟ يظن البعض أن مشيئة الله الأزلية قرار إلهي لابد من تنفيذه، الله يعرض ولا يفرض محترمًا حرية الإنسان، الله يبادر، وإن كانت له مشيئة خاصة لهذا الشخص، لأن الله بحكمته السامية ومحبته الفائقة يعلم ما هو الأنسب له، وهناك مثال عظيم على ذلك، يسوع وتلميذي عماوس، بادر يسوع منهما، وسألهما عن همومهما واستمع إليهما، فلم يفرض نفسه عليهما، بل أوضح لهم حقيقة أمره محترمًا بط فهمهما، مما قادهما إلى الانفتاح التدريجي عليه حتى وجهّا إليه الدعوة لأن يقيم معهما، فاكتشفا في النهاية أنه يسوع القائم من بين الأموات. هكذا يتعامل الله مع الإنسان عندما يكشف له عن مشيئته، بنفس الروح والاحترام حتى يكتشف الإنسان مشيئته فيتجاوب معها تجاوباً حرًا [17].

3- الحرية والأخلاق المسيحية

 إن مشكلة الحرية من أكثر المسائل اتصالاً بالأخلاق، وبما أننا نحيا في عالم ملي بعوائق وتحديات، تأتي الحرية لكي تعطي قيمة لوجودنا وأفعالنا، أننا وجدنا لنكون أحرار، ولا يمكن أن نتخلى عن حريتنا أيًا كان الأمر.وكما اتضح لنا سابقًا، إن الحرية هي قدرة الإنسان على النمو نحو الحقيقة والخير دون أية ضغوط، وذلك لأن الله خلقه من البدء حرًا، ولكن حرية نسبية وليست حرية مطلقة، وهذه الحرية مسيرة مستمرة، لا تتوقف عند حد معين، تارةً يحسن الإنسان استخدامها، وتارةً يخفق في استخدامها.

تسعى الأخلاق إلى تحقيق الخير وتجنب الشر، ولكن بدون حرية لا يستطيع الإنسان تحقيق القيم الأخلاقية، فالحرية تجعل الإنسان مسؤولاً عن أفعاله مادامت بإرادته، حيث يستطيع أن يتخذ قراراته الشخصية بنفسه ويكون مسؤولا عنها، مثلما سأل الرب آدم بعد إن أخطأ ماذا فعلت؟ ( تك 3: 13).

القواعد الأخلاقية تساعدنا في السير على الطريق الصحيح، وتحذرنا من الطرق المعوجة، فالأخلاق لا تقوم على النواهي، فهي لا تهدف إلى التطبيق على حريتنا وإنما تهدف إلى توجيهنا إلى الخير الذي به نحقق إنسانيتنا ونكون مسئولين على حياتنا، « القواعد الأخلاقية توجيهات مُلزمة للوصل إلى حياة إنسانية كريمة»[18]. الحرية لا تقوم على أن يستبيح الإنسان كل شيء، حتى الأمور التي تضر بكيانه، فهذا ليس حرية، بل استعباد للشهوات كما يوضح المجمع الفاتيكاني بقوله « إن الحرية الحقيقية هي بالنسبة للإنسان علامة مميزة لصورة الله فيه، لأن الله أراد أن يترك للإنسان مبادرته الذاتية لكي يستطيع أن يبحث عن خالقه من تلقاء نفسه، ويحقق ملْ السعادة بالتصاقه به بحرية »[19]. تنمو صورة الله في الإنسان كلما قام بأعمال صالحة أخلاقيا، فالشريعة الأخلاقية تأتي من الله ولكنها في نفس الوقت شريعة خاصة بالإنسان.

ما يميز سلوكنا المسيحي وتصرفاتنا عمن حولنا من غير المسيحيين الذين قد يكون لهم سلوك رائع قد يتخذ كمثل يحتذى به، محبةً لله والاقتداء بابنه.

3-1 شروط الحرية

 –       النضج النفسي

 أن يكون الإنسان وصل نوعاً ما إلى نضج نفسي، أي استقرار في النزعات الغريزية، النزعات المتناقضة كالحب والكراهية، التحدي والخوف، تأكيد الذات والتبعية، أي النزاعات التي لا تعرف سوى الإشباع الفوري والمطلق، والتي لا تراعي واقعاً، هذه النزاعات تحتاج إلى سلطة ضابطة، بحيث يصبح الفرد تدريجياً قادراً على توجيه سلوكه، فلا تأتي تصرفاته نتيجة ضغوط غريزية أو اجتماعية، إنما تكون نابعة من قناعاته مراعيًا متطلبات الواقع والمجتمع والقيم، ويحاول أن يوفّق بين متطلباته الشخصية وسلامة علاقاته بالآخرين. هذا النضج النفسي للإنسان هو غاية النمو، والنمو عملية لا تنتهي بانتهاء  فترة معينة في حياة الإنسان، بل تستمر العمر[20].

 –       النضج الاجتماعي والتربوي

 التربية والمحيط الاجتماعي قد يساعدان الإنسان على النمو السوي، وبالتالي بلوغ النضج واكتساب الحرية، ومن ناحية أخرى قد يعيقانه ويجعلانه ذاتاً تتحكم فيها الظروف والغرائز. فالمطلوب من التربية أن تعمل على إنماء الذات كي تستطيع تدريجياً أن توجه الغرائز وتضبط جموحها وفقاً لمصلحتها الحقيقية، مطلوب من التربية أن تحرّر الذات لا أن تستعبدها، أن تشجع وتظهر فرادة الشخصيّة،فإذا فشلت التربية أن تحقق ذلك يكون الإنسان منقاداً وراء نزعاته وتجعله عبداً وما ينطبق على التربية ينطبق أيضاً على المجتمع[21].

 –       النضج الروحي

 بمعنى أن يمارس الإنسان ممارسات الروحية عن اقتناع وليس لأن ذلك فُرض عليه، سواء من الأسرة أو من الكنيسة، أن تكون قراراته نابعة من علاقة قوية بالله وليس عن روحانية عاطفية، أي أن عواطفه تُسيّر روحانيته، أو أن تكون عبادته ظاهرية، ويصل الإنسان لذلك النضوج، عن طريق التنّشئة المسيحية الأسرية والكنيسة. النضج الروحي يقود الإنسان إلى أن يتحمل مسؤولية أفعاله ولا يلقي ضعفاته على الله وأيضاً أن يكون مسؤولاً عن الآخرين انطلاقاً من مبدأ المحبة. النضج الروحي يساعد أن يتحرر من خطاياه ” إن حرركم الابن  فبالحقيقة تكون أحراراً ”  (يو8: 36).

3-2 حدود الحرية

الله وحده يتميز بحرية مطلقة، لأنه مصدر ذاته وحريته، أما الإنسان فيتميز بحرية نسبية لكونه كائناً مخلوقاً لا خالقاً لذاته، فهناك حدود يجدها الإنسان في ذاته يبرهن بها على عدم حريته، منها الآتي:

أنه لم يختار مقومات هويته ( نوعه – طول قامته – سماته الوراثية – لون شعره)، لم يختار أهله، بلده، أي عصر يعيش فيه، لم يختار لغته أو ثقافته. أيضًا هناك ما يحده كحدود طبعه، حدود جسده ” صحته – عمره” ، حدود لا وعيه لأنه أحيانًا يعمل بدافع مما هو مكبوت في وعيه منذ طفولته[22].

هل كل هذه الصعوبات تسمح للإنسان بالحرية؟

في البداية لابد للإنسان أن يقرّ بأن حريته نسبية وليست مطلقة، والحرية ليست في أن أهرب من كل هذه الحتميات أو أن القي مسؤوليتها على غيري، ولكن الحرية تظهر في الإقرار بهذه الحتميات وقبولها برضى وتحمل أعبائها، فبمقدار ما يستطيع الإنسان أن يقبل بوعي ما يحدده، يتصرف تصرفاً حرًا تصرفًا إنسانيًا حقاً، فالحرية هي أن يقبل الإنسان ذاته برضى، فخضوعه لهذه الحتميات دون قبول حقيقي لها يجعله عبدًا. لذلك يجب على الإنسان أن يتعلم كيف يحب بدلاً من أن يتذمر، فالحرية تُصنع وتُبنى وتُبتدع، الفنان الكبير لا يأسف لنوعية المواد التي يملكها، بل أن يتمكن من خلق عمل رائع انطلاقًا مما لديه من إمكانيات. الحرية الحقيقية ليست تلك التي تتذمر وتتّهم الآخرين والظروف، بل هي التي تخترع وتخلق انطلاقًا مما لديها وما هو موجود[23]. خطر حدود حرية الإنسان أن يستسلم الإنسان لحتمياته ويتخلى عما تطلبه الحرية من التزام، فبدلاً من أن تكون الحرية في الإنسان عملية تحرّر دائم صعوبات تصير استعباد لما يشعر به من غرائز غير منتظمة. حرية الإنسان محدودة ولكن قدراته لا تزيل حريته، فعظمة الإنسان تكمن فيما يتخطاه من. تقبّّل الإنسان لمحدوديته يعني تحمله مسؤولية حياته وأنه يسعى ليضفي عليها معنى من خلال علاقاته بالآخرين[24].

3-3  الحرية والشريعة

 توجد علاقة دائمة بين الشريعة والحرية، « فالشريعة هي الطريق التي تقود الإنسان إلى تحقيق ذاته في كل أبعادها الفردية والجماعية، الجسدية والروحية، وفي نفس الوقت إلى تحقيق إرادة الله »[25]. يحتاج الإنسان إلى الشريعة التي توضح له متطلبات الطريق في علاقته بالله وبالآخرين، وحينما يفعّل الإنسان حريته انطلاقاً من الشريعة يجد نفسه يتصرف بمسؤولية تجاه ذاته وتجاه الآخرين. فهناك ارتباط وتداخل بين حرية الإنسان وشريعة الله، فحرية الإنسان لا تلغي بخضوع الإنسان للشريعة ، بل عكس ذلك، إنما يحقق الإنسان كرامته ويصل إلى ملء حريته عندما يتحرر من عبودية الشهوات، ويختار بحريته الخير ،[26] كما يشير المجمع الفاتيكاني الثاني إلى الارتباط بين الحرية والشريعة فيقول: « إن القانون الأعلى للحياة الإنسانية هو الشريعة الإلهية ذاتها  الأزلية الموضوعية، والشاملة والتي بواسطتها وبتدبير حكمته وحبه، ينظم الله تعالى، ويقود، ويحكم العالم كله، ويسّير الجماعات البشرية، وبلطف من عنايته، جعل الإنسان يسهم في هذه الشريعة الإلهية ليتأهل أكثر فأكثر لمعرفة الحقيقية الخالدة »[27]. لذا يحتاج الإنسان للشريعة لتضيء له الطريق وتوجهه إلى الخير بحرية داخلية وتساعده لتحقيق إنسانيته وحريته. الحرية علامة مميزة لصورة الله في الإنسان لأن الله يريد أن يتمتع الإنسان بالحرية داخلياً وخارجياً في التصرفات الحياتية، وهنا تكون الحرية الحقيقية عاملاً أساسياً لتعميق الإيمان والارتباط بالله، انطلاقًا من ذلك الإنسان لا يتجنب الخطأ لأنه حرام، أو أنه يعمل الصواب لأنه حلال. وإنما يتجه إ