stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عن الكنيسة

الدور الإيجابي للمسيحيين في المجتمع المعاصر-أب بولس جرس

1.8kviews

untitled_04

انطلاقاً من نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني: دستور رعوي عن الكنيسة في العالم المعاصر

يتناول المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في “دستور راعوي حول الكنيسة في العالم اليوم” أهمية التضامن الوثيق بين الكنيسة والمجتمع البشري بأسره، يشرح فيه الوضع البشري المعاصر والتغيرات السريعة والجذرية في النظام العالمي اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً وهو في تناوله لهذه المواضيع إنما يهدف إلى الإجابة على التساؤلات العميقة للجنس البشري بأسره.

ويركز على كرامة الإنسان وسمو العقل البشري وكرامة الضمير وموقف الكنيسة من المشاكل التي تواجه الإنسان في كل مكان. كما يقدم الصورة النموذجية للمجتمع كما يتمناها المجمع المقدس. وفي الفصل الثاني من هذا الدستور يتناول ارتباط الفرد بالمجتمع وفي الثالث يتناول النشاط الإنساني وقيمته وكيف يجد هذا النشاط كماله في سر المسيح الفصحي في سبيل الوصول إلى أرض جديدة وسماء جديدة أما في الفصل الرابع فهو يتناول دور الكنيسة في عالم اليوم والعون الذي تقدمه لكل إنسان وللنشاط الإنساني من خلال المسيحيين.

وأترك قراءة نصوص المجمع لمن يشاء فهي متوافرة لكل من يريد وسأتناول الموضوع بطريقة شخصية انطلاقاً من كوني كاهناً كاثوليكياً وإنساناً مسيحياً في المجتمع المعاصر. وسأتناول بإيجاز محاور الدور الإيجابي المطلوب مني كمسيحي ومن كل مسيحي من خلال رؤية الكنيسة لهذا الدور (انطلاقاً من الإنجيل والتقليد والمجامع والخبرات).

فمن خلال نظرة إلى الواقع الذي نعيش فيه ونتطلع عبره إلى المستقبل نتوقف لتحديد بعض التعريفات المبسطة:

الكنيسة:

كان تعريف الكنيسة قبل المجمع الفاتيكاني الثاني هو أنها: جماعة البشر الذين يعتنقون الديانة التي أوحى بها السيد المسيح بكاملها، ويمارسونها ضمن مجتمع المسيح تحت سلطة بطرس. هي إذن جماعة لها نهج معروف وسلطة ومباديء وقوانين.وإن كان هذا التعريف صائباً لاهوتياً لكنه قانوني جامد غير حي بل أنه ناقص إذ تنقصه الإشارة إلى منبع الكنيسة وهدفها ورسالتها ولا ينظر إلى كيانها كسر حضور الله. من أجل هذا أعاد أباء المجمع الفاتيكاني الثاني إلى معنى الكنيسة غناه الأصيل فعرّفوها: “كسر أو علامة للاتحاد الوثيق بالله لتوحيد الجنس البشري” أسسها السيد المسيح لتنقل نعمته إلى النفوس. فهي سر ولد من الثالوث الأقدس، مُهد له بتاريخ الخلاص وبالعهد بين الله وشعبه المختار. حتى ظهر الله في تاريخ البشر وأنعشها. لأنها أداة فيها وبها يعمل المسيح. فهي جسد المسيح السري وهيكل الله والطريق الذي به نصل إلى الخلاص.

الدور:

مفهوم الدور يذكرنا دوماً أنه لفهم سلوك فرد ما يجب أن تأخذ في الحسبان خصائص شخصيته والموقف الاجتماعي الذي يوجد فيه. وهذا ما نصطلح على تسميته “بالدور” فهو حسب Sabrin 1954 “السلوك المتعارف عليه والمتوقع من الفرد” وحسب Allport هو نوع من المشاركة في الحياة الاجتماعية أو ما يتوقعه المجتمع من الفرد الذي يحتل مركزاً معيناً في داخل الجماعة وبحسب علم النفس هو “الذات” كمصدر للسلوك والحركة الذي يقبله الفرد.

الإيجابي:

لا يحتاج الأمر إلى توضيح فالإيجابية هي منهج أو أسلوب حياة يجب على المسيحي أن يتبعه كمدعو للوجود والعمل في هذا المكان وهذا الزمان بعينه.وأن يواجه به العالم من جميع النواحي: روحياً- اجتماعياً- اقتصادياً والكتاب المقدس مليء بالأمثلة عن الأفراد الذين يواجهون مشاكلهم ومشاكل المجتمع بإيجابية ويتفاعلون بها. وكُتب الأنبياء خير دليل على مدى اهتمامهم بأحوال مجتمعهم الروحية والاجتماعية والاقتصادية. وإيجابية الكنيسة تكمن في أنها مدعوة من الله رقيبة ومسئولة عن القيم والمثل والأخلاق…

المجتمع المعاصر:

هو مجتمع مفتوح سريع التغيير تلعب فيه ال Mass-Media أي وسائل الإعلام الدور الأساسي في كل المجالات. تشكل الكنيسة جزءاً من هذا المجتمع فقد كانت في أغلب تاريخها رائدة له ترسم خطاه من أول تنصيب الإمبراطور ونهاية بإنشاء الملاجيء والمستشفيات…وهي الآن تشكل جزءاً منه وأعضاءها هم صورة ومرآة لما يعيشه هذا المجتمع من أوضاع ومشاكل.

دورنا كمسيحيين: 

أولاً: دور تقديس                               ثانياً: دور تنمية

أولاً: دور التقديس

 للعلماني دور كبير في حياة الكنيسة في جميع مجالات الخدمة إذ بإمكانه أن يصل إلى حيث لا يصل الكاهن أو الراهب. فهو الامتداد الحقيقي للجسد السري للمسيح نور في العالم، خمير في العجين وملح في الأرض وعن طريقه يصل شعاع حب المسيح ونور الخلاص إلى المجتمع بأسره ولكن لكي نصل بالعلماني إلى ممارسة هذا الدور يجب إعداده روحياً وعقلياً واجتماعياً وسياسياً وأيضاً تنميته مادياً.ذلك لأن الكنيسة حينما تدرك أهمية وخطورة دورها في المجتمع يحدث التفاعل العميق بينها وبينه، بين عناصرها وعناصره، فدور الكنيسة هو دور عبادة وتقديس نعم بلا شك ولكنه لا يمكن أن يصل إلى هذا الهدف ما لم تناول البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي أيضاً فلا يمكن لكنيسة حية أن تنفصل عن مشاكل وآمال وطموحات أبنائها وإلا لكانت سلبية ولزرعت في أبنائها السلبية عينها.لعلني لا أبالغ إذ أقول إنه لو أنكرنا دور الكنيسة هذا في المجتمع فكأننا ننكر وجودها نفسه ونفصلها عن المجتمع بكل ما يشمله ويحتويه. ونظرة إلى شخص يسوع في الإنجيل توضح لنا منهج وأسلوب حياته الذي يجب أن يكون منهج وأسلوب الكنيسة: وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرة يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف (مت9/35).

معلماً: عمل تربوي.

مبشراً: بالكلمة والعمل.

شافياً: عمل بشري، شفاء.

مطعماً: عمل بشري، إطعام.

محاوراً: عمل عقلي: تراث وحضارة.

محدثاً إياهم بأمثال: تراث وحضارة

هادياً وواعياً: عمل روحي وقيادي

يأكل مع العشارين والخطأة: عمل اجتماعي.

يحذر وينبه ويؤنب: عمل إصلاح وتوعية.

فكيف للكنيسة أية كنيسة أن تتنكر لشمولية دورها وإيجابية مبادراتها نحو الإنسان ككل: روحاً ونفساً وعقلاً ووجداناً وحضارة ومجتمعاً.. وكيف للمسيحي أن يقف موقفاً سلبياً أمام واجب وتكليف مباشر من الله له أن يكون سراجاً وخميرة وملحاً.ثانياً: دور التنمية: أتوقف الآن لأستعرض بإيجاز سريع بعض أوجه التنمية والنشاط التي يمكن للكنيسة أو الأفراد المسيحيين أن يمارسوا من خلالها نشاطهم ويحققوا دعوتهم الإيجابية لبناء ملكوت الله على الأرض.

كيف يمكن زيادة دور وفاعلية الكنيسة أو الأفراد في جميع المجالات:

أولاً: في مجال الصحة:

– تكوين إنسان مسيحي سليم البدن ونشر الوعي المسيحي تجاه الآخرين. – تدريب العلمانيين من خلال دورات خاصة ليكونوا نواة للوعي الصحي. – تنمية وسائل التوعية الصحية عن طريق الإعلام البصري والسمعي داخل الكنيسة.

– الاهتمام بالنظافة كسلوك صحي وحضاري وتشجيع أهالي الأحياء على المحافظة عليها. – تطوير المستوصفات والمستشفيات والعمل على زيادة كفائتها، وإنشاء المزيد منها لعلاج الفقراء والمحتاجين. – مساعدة الأسر الفقيرة لتوصيل الكهرباء والمياه…

ثانياً: اجتماعياً

– نشر الوعي الثقافي عن طريق (ندوات- مكتبات- معسكرات- رحلات) – نشر الوعي الديني بعيداً عن روح التعصب والتنابذ. – الاهتمام بمحو الأمية. – إنشاء مدارس والاهتمام بالمؤسسات التعليمية لرفع المستوى الثقافي. – إقامة ندوات أو حتى دورات خاصة لتنوير وتوعية المقبلين على الزواج بأدوارهم في سبيل تكوين أسرة سليمة. – استخدام الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام المتاحة لإبراز أهمية أعمال التنمية الاجتماعية والمشاركة فيها.

ثالثاً: اقتصادياً 

–      توفير فرص عمل للشباب بقدر الإمكان وإنشاء مكاتب لتوجيههم إلى ذلك.

–     إقامة دورات لتعليم الحرف للشباب.

–     إنشاء مشاريع إنتاجية بسيطة.

–     تقديم قروض للشباب لبدء مشروعات صغيرة.

–     تقديم المعونة للأسر الفقيرة وتأسيس صناديق للتكافل الاجتماعي.

–     ندوات لتعليم الاقتصاد المنزلي للفتيات ومشاغل للتريكو والأعمال المنزلية.

–     معارض لمنتجات الأسر العاملة في الكنائس والمؤسسات.

رابعاً: سياسياً 

–     تحاشي السلبية المطلقة التي نتعامل بها مع السياسة وكأنها من الشيطان.

–     ترسيخ فكرة الانتماء للوطن مهما كانت الصعوبات.

–     أهمية التركيز على الأمانة في العمل في جميع المجالات.

–     توعية العلمانيين إلى دورهم في نشر العدالة والسلام.

–     البعد عن المناقشات التحزبية والدينية.

–     إقامة حوار إيجابي مع جميع الأطراف.

خامساً: إعلامياً

في عصر الاتصال يجب استثمار هذه الوزنة في التنمية الإيجابية عن طريق: –  خلق مجموعات متخصصة في الإعلام: صحافة- إذاعة- سينما…

–  توفير الأجهزة السمعية والبصرية في الرعايا والقرى…

–  تشجيع محاولات إيجاد نشرات ومجلات محلية وإقليمية.

–  استخدام شرائك الكاسيت والفيديو في التدريس الديني ومدارس الأحد

–  تكوين مكتبة في كل كنيسة تضم بجانب الكتب أفلاماً وشرائط دينية وثقافية.

 سادساً: تربوياً

   –  تربية النشء على حب الله والكنيسة والوطن.

–     تربية على الانفتاح على الآخر.

–     تربية على الحوار الإيجابي والبعد عن المجادلة.

–     تربية على احترام الآخر مهما كان الاختلاف الديني أو المذهبي..

–     إنشاء النوادي الصيفية والمكتبات والمدارس وفصول محو الأمية وخدمة الإنسان المصري بصفته هذه وليس بروح التبعية..

سابعاً: تكوين الإكليروس

تكوين إكليروس مستنير متوجه نحو الله منفتح نحو البشر مستعد للحوار.

–     يجب حسن الفرز والاختيار عند قبول الدعوات الإكليريكية.

–     تطوير مناهج التدريس في الإكليريكيات.

–     البعد عن روح التعصب وتنمية روح الانتماء.

–     زيادة سنوات الدراسة لضمان تكوين أعمق وأشمل للشخصية ككل وليس كمجموعة معارف ومعلومات.

–     تنمية الاستعداد الروحي والتمييز السليم وروح الخدمة والعطاء والتواضع.

ثامناً: روحياً

وهو هدف الرسالة المسيحية ومنطلقها ولهذا نختم به

–     التركيز على تكوين الشخص الإنساني السليم لأنه ركيزة كل حياة روحية صحيحة

–     غرس روح العمل الجماعي وروح الخدمة والمحبة

–     الحث على ممارسة الأسرار والصوم والصلاة بطريقة مثمرة.

–     حث الشباب والرعاة على ضرورة اختيار الأب الروحي أو أب الاعتراف أو المرشد للدخول معه في مسيرة نحو الله.

خاتمة

نختم بقولنا إن الإيمان المسيحي رائع في نظرته إلى الله: إذ نؤمن بأن الكلمة الإلهي أخلى ذاته وأخذ طبيعتنا وأدخلنا إلى حياته.رائع في مسيرة حياة البشر وتطور الحضارة: فالإيمان المسيحي لا يستند إلى طقوس أو مذاهب وإن كان يستخدمها، فقد جاء المسيح ليقيم الإنسان من جديد انطلاقاً من حب الله. الإيمان المسيحي يسكب نور المسيح الإله على الطريق ليحقق الأسرة الإلهية على الأرض. الإيمان المسيحي موقف وليس مظهر، إنه مبدأ وسلوك يحرر، فليس الإنسان المسيحي والإيمان والكنيسة في خصومة مع أحد بل تقود خطاه إرادة التغيير في المحبة تحت راية الحوار البنّاء.فقد أقام المسيح حواراً مع كل من قابله: السامرية، زكا، قيافا وحتى بيلاطس فلنتبع خطوات المسيح ولنسر على نهجه الذي رسمه لنا.

عن مجلة صديق الكاهن 1 / 1993