stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابات القراء

الصوم عن التفاح / الاب متى عابدين

877views

melالصوم عن التفاح / الاب متى عابدين

نزل إلى بلادنا المصرية واستقبلناه بكل حب كما تعودنا، تعايش معنا وشاركنا جميع فقرات برنامج حياتنا، وأثناء وجوده معنا جاء علينا الصوم الأربعيني المقدس، هذا الزمن الذي نستعد له نحن الأقباط ونقدسه تماماً.. بدأنا نمارس الصوم كما علمتنا الكنيسة نستيقظ صباحاً نمارس يومنا العادي لكن دون أن نأكل أو نشرب، حتى نصلي القداس الإلهي ظهراً، وبعد القداس نذهب جميعنا إلى حجرة الطعام، ونُشبع جوعنا من جميع أنواع الأكل المسموح بها في الصوم.

أما هذا الرجل الأجنبي منذ جاء وعاش بيننا ما عرفناه عنه بوضوح، أنه يعشق عشقاً كبيراً أكل التفاح، تذهب إلى حجرة نومه تجد التفاح بجانب سرير نومه، نازلاً أو صاعداً على السلم تجده يمسك التفاح بيده، حتى وقت الراحة بين المحاضرات يُخرج التفاح من حقيبته ويأكله. وعندما سألناه تعجب عن سبب هذا العشق للتفاح، قال أنه يعتمد كلياً في غذائه على المواد النباتية ولا يأكل أبداً كل ما هو حيواني ولكنه يعشق بشكل خاص أكل التفاح. لاحظنا أيضاً أنه بدأ الصوم المقدس وهذا الرجل ينزل صباحاً ليتناول الإفطار، ويأكل جميع الوجبات دون أي انقطاع عن الأكل مثلنا…

وذات يوم ونحن جالسون معه أخذنا نلومه بشدة ونتهمه بعدم التقوى واحترام طقوسنا الكنسية، وبدأنا نطالبه بالصوم مثلما نصوم نحن، ولماذا لا يصم معنا وينقطع عن الأكل والشراب حتى القداس الإلهي ظهراً. فنظر إلينا نظرة حب واستعداد تام للإجابة على أسئلتنا، فقال ” ما هو الشيء الذي كان واضحاً عليّ ولاحظتموه منذ جئت بينكم؟” قلنا جميعنا لاحظنا أنك تأكل التفاح بطريقة مبالغ فيها، ويومياً نراك تخرج إلى السوق لشراء هذه الفاكهة التي تعشقها..

ثم واصل حواره معنا وقال ” وهل لاحظتم قريباً شيئاً أخر؟؟؟ صمتنا وأخذنا نفكر ونراجع أحداث الفترة الماضية وفشلنا في معرفة عن ماذا يتكلم، وبعد طول فترة تفكيرنا أنقذنا من الحيرة والتفكير وقال لنا” منذ أن بدأ الصوم ألم تلاحظوا أني لم أكل التفاح أبدا رغم حبي وعشقي له، وسريعاً لاحظنا أنه بالفعل كل ما يقوله صحيح، منذ بدأ الصوم تخلى هذا الإنسان عن الشيء الذي أحبه حباً قوياً، ومن أجل من تخلى؟؟؟

لم يتخلى من أجل نفسه، وهذا ما حدث في نهاية فترة الصوم، جمع قيمة المبلغ الذي كان يشتري به التفاح يومياً لمدة أربعين يوماً، وذهبنا معه إلى أحدى المستشفيات لزيارة بعض المرضى وترك هذا المال للمساعدة في علاجهم، ورينا فرحاً لا يوصف ارتسم على وجوه هؤلاء المرضى، وكأن بالفعل المسيح قام من بين الأموات. وفي طريق عودتنا كنت أشعر بخجل عظيم، وأخذت أُحدث نفسي…صمت أربعين يوماً، كنت أمنع نفسي عن تناول أي شيء لساعات معدودة، وبعدها أدخل حجرة الطعام وأكل من أنواع وأشكال مختلفة من الأطعمة، وكنت كل ما أهتم به أن أُشبع جوعي الذي أنا فيه، ولم أفكر لحظة واحدة في الأخر المحتاج  والجوعان، رغم أن هذا هدف من أهداف الصوم الشعور بالأخر الذي يُعاني الحرمان من هذه الأطعمة ليس لأيام بل معظم أيام حياته، وما ندبره من مال في فترة   الصوم نستخدمه لسد احتياجاتنا، وننسى أن هذا تعدي لأن هذا المال الذي وفرناه هو مال الفقراء والمحتاجين. ورأيت ما الذي يغلب على حديثنا وقت الصوم، كل ما نتكلم عنه نوع الأكل..

عدد أيام الصوم، ونقدس هذا النوع من الحديث، ولا يأتي في فكرنا ولا حديثنا كيف نسبح الله ونمجده، في الاهتمام بالآخرين المحتاجين (أخوته الأصاغر). أحبائي أنا رأيت هذا الرجل صام صوماً حقيقياً، وما قمنا به نحن ما إلاّ واجبات خارجية دون الدخول إلى العمق، وفقدنا المعنى والجوهر، ولم تُقبل تقدمتنا الخالية تماماً من الرحمة. وهذا لا أعني به أبداً التقليل من معنى الصوم أو نظامه في كنيستنا القبطية، لأنه إن كان في شكله له نظام محدد، ولكن غني بالدروس الروحية العميقة لحياة الإنسان، إذا عشنا روح هذا الصوم، ونبتعد عن تعبس وجوهنا لنظهر للناس صائمين، وهذا ما علمنا إياه الوحي الإلهي الصوم الذي يدفعنا إلى علاقة قوية أولاً بالله في الصلاة وثانياً بالآخر في الصدقة وأعمال الرحمة.

أحببت كثيراً كلمات أشعياء النبي عن الصوم الحقيقي”حل قيود الشر وفك رُبط النيرتكسر للجائع خبزك وتُدخل المطرودين بيتكإذا رأيت العريان تكسوه وأن لا تتوارى عن لحمك….ألخ” ( أش 58/ 6، 7) هذا هو الصوم المقبول عند الله، والانقطاع عن المأكولات، تدريب روحي يدفعنا أن نعيش هذا الصوم بمعناه الحقيقي والعميق، كما وضحه لنا أشعياء النبي.