stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عقائدية

المسيحي أمام الموت- الأب/ شنودة شفيق

2kviews

moالمسيحي أمام الموت- الأب/ شنودة شفيق

مقدمة:

لماذا الموت؟ مَن صنع الموت؟ هل هو نهاية مطلقة؟ هل هو دخول ووقوع في العدم أم انتقال إلى حياة أخرى؟ ماذا يربطنا بمن ماتوا قبلنا؟ هل هم أحياء أم أموات؟… كلها تساؤلات تدور في فكر كل منّا، وسنحاول في مضمون كلامنا أن نجيب عليها بإيجاز. فسوف نستعرض مشكلة الموت في مظهرين رئيسيين: أولهما مفهوم الموت في الكتاب المقدس، فيكشف العهد القديم لنا عن الخاصية الطبيعية والجزئية للموت، ويدعونا العهد الجديد إلى الإيمان بالحياة الأبدية في المسيح القائم من بين الأموات. وثانيهما سنتحدث عن وجهات نظر مختلفة طبية، فلسفية ولاهوتية. ولكن قبل أن نخوض في الحديث عن مفهوم الموت في الكتاب المقدس، نود أن نشير إلى الموت في خبرتنا الشخصية. 

1- الموت في خبرتنا الشخصية

الموت حدث عالمي يصيب كل كائن حي، الإنسان والحيوان والنبات “الإنسان أيامه كالعشب وإنما يزهر كزهر الحقل. هبت عليه ريح فلم يكن ولم يعرفه موضعه من بعد” (مز 15:102-16). وكل مولود مائت، تمرّ دورة الحياة وتتابع الأجيال. فهناك وقت الولادة وهناك وقت الموت. ويظهر الموت كحدث يفاجئ الإنسان من الخارج، وعلى كل إنسان أن يذوق هذه الكأس.

إذا كان كل حي يخضع للموت، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنه سيموت. هذا يترك أثره على حياة الإنسان ووجوده، فيصبح الموت تهديداً لحياته، عبثاً لا معنى له، وتوقفاً عن الكيان. لهذا يخاف الإنسان أمام الموت، والخوف والقلق يسكنان في أعماق الإنسان.

لا يمكننا أن نحلل خبرة حدث الموت، لأننا لم نمرّ بها، لكن نمرّ بخبرات تضعنا لحظات أمام الموت. ومن تلك الخبرات الإنسانية، نعرف خوف الإنسان وقلقه أمام الموت. لكننا في نفس الوقت نعرف ما في قلبه من رجاء الانتصار على الموت. لذلك يعيش كثيرون من أجل قضية، يهبونها حياتهم، فتعطي موتهم معنى. ونعرف كذلك ما في أعماق الإنسان من رجاء الخلود. ومراسيم التكفين والدفن التي تتم في رهبة وخشوع، والقديمة بقدم عمر الإنسان، تعلن إيمان الإنسان الأكيد أن الموت ليس النهاية.

يمسنا الموت من خلال موت الآخرين، ولاسيما الأقرباء والأحباء. وتتوقف نوعية هذه الخبرة وتأثيرها المؤلم على مدى علاقتي بهذا الشخص. فيعيش الإنسان على بعدين، لأن الذي مات هو جزء منه، ثم ألم الفراق (جا 1:12-8). هذه الخبرة تعيدنا إلى موتنا الشخصي وموقفنا منه. 

2- الموت في الكتاب المقدس

أ- العهد القديم:

* طبيعة الموت

يعتبر الموت في العهد القديم النصيب المشترك لكل الناس، فهم كعشب الحقل (مز103)، وإلى التراب يعودون “بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها لأنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3) والموت هو الطريق الذي يسير فيه الجميع “وها أنا اليوم ذاهب في سبيل الأرض كلها…” (يش14:23)، ولذا يتساءل المرنم قائلاً: “أي إنسان يحيا ولا يرى الموت…” (مز49:88).

يفهم الموت كعقاب في منظور العهد القديم، فاليهودي التقي يشعر أن هذه الحقيقة أي الموت، لا يمكن أن تكون مقصودة من الله الخالق الكلي الجودة. فالذين عاشوا تجربة الصحراء وعرفوا كيف أن المذنب يُفصل من قومه ليحكم عليه بالموت، أدركوا أن الموت عقاب عن ذنب ونتيجة الخطيئة. ويقدم لنا الفصل الثالث من كتاب التكوين علماً لاهوتياً مبسّطاً، إلاّ أنه عميق عن نتائج الخطيئة. فالإنسان وهو في شركة مع مصدر كل حياة قادر على تحقيق رغبته، ولكن إذا انفصل بالخطيئة عن هذا المصدر، أي عن الله بمقاومته لله تعالى فإنه يموت، فالموت بالأحرى هو نتيجة باطنية لمقاومة الله أكثر منه عقاب خارجي لها؛ وفيه ليس الله هو المعاقب ولكن الإنسان هو الذي يعاقب نفسه!

في الكتاب المقدس لا نجد تمييزاً بين موت الجسد وموت النفس، حيث إن الإنسان في الكتاب المقدس هو وحدة واحدة. أمّا التمييز بين النفس والجسد، والذي فيه تكون النفس عنصراً أسمى والجسد عنصراً أدنى قابلاً للموت، فهو تمييز يرجع للعالم اليوناني وفي أقدم النصوص، نجد أن الموت هو نهاية الإنسان، ولذلك فإن البار الذي يسلّم نفسه لله ينال سني حياة كثيرة كعلامة لجودته تعالى (2ملو1:20-6)، فالله وحده هو الحي الذي يستطيع أن يُحيي “انظروا الآن إنني أنا هو ولا إله معي أنا أُميت وأُحيي وأجرح وأشفي وليس من يُنقذ من يدي. إني أرفع يدي إلى السماء وأقول حي أنا إلى الدهر” (تث 39:32-40).

* جزئية الموت

يشعر الإنسان أنه بالموت لا يموت كليةً، ولا يصبح عدماً متلاشياً ولكنه يتحوّل إلى حالة رقاد في الجحيم الذي هو مقرّ الأموات. ويصوّر الكتاب المقدس الجحيم بحفرة “ينزلونك في الهوة فتموت موت القتلى في قلب البحار” (حز8:28)، هذه الهوة هي في عمق أعماق الأرض “لأن النار تشب بغضبي فتتوقد إلى الهاوية السفلى وتأكل الأرض ونباتها ويحرق أساس الجبال” (تث 22:32)، فيها يسود الظلام الكثيف “قبل أن انصرف انصراف من لا يأوب إلى الأرض ظلمة وظلال موت” (أي 21:10)، إنه مكان نوم ينام فيه الموتى إلى الأبد. 

في العصر البطريركي (إبراهيم- اسحق- يعقوب)، كانوا يتصورون بقاء الإنسان حياً على الأرض في ذريته، التي هي امتداد الشخص من جيل إلى جيل. أمّا في عصر الأنبياء المتأخر، فنجد إدراكاً لبقاء أكمل للشخص وهو قيامة الشعب كشعب. وإن كان إسرائيل مضطهداً ويبدو ميتاً بتشتته فإنه سيقوم يوماً بقوة روح الرب (حز37) بينما في عصر السبي، يدرك الفرد مدى كرامته تماماً، فهو بدون الجماعة وبدون السند البشري، وبدون الثروة، يشعر أنه يهودي تقي، عبد يهوه المحبوب، وأنه يستند على الله الذي هو قوته الحقيقية والذي لن يسمح أن يسقطه في الجحيم. وقد سبق لأخنوخ وإيليا أن نجيا منه “وسلك أخنوخ مع الله ولم يوجد بعد لأن الله أخذه” (تك 24:5)، “وفيما كانا سائرين وهما يتحادثان إذا مركبة نارية وخيل نارية قد فصلت بينهما وطلع إيليا في العاصفة نحو السماء” (2ملو 11:2). ومنذ الآن، يشعر كل مؤمن أنه على صلة أبدية بإلهه. وأن الذين اضطهدوا البار يموتون لهلاكهم، أمّا صديق الله فإنه يحيا لحياة أبدية، كما يتضح لنا في (دا 12، 2مكا 7). والتأثير اليوناني يظهر في كتاب الحكمة، مؤكداً الخلود الروحي، إلا أن هذا التفكير اليوناني لم ينتشر في فلسطين. فالعهد الجديد لا يتحدث عنه، لذا في أيام السيد المسيح يعارض الصدوقيون الفريسيين في عقيدة قيامة الأموات.

ب- العهد الجديد:

* الله لم يصنع الموت

بالنسبة للعهد الجديد، يُعتبر الموت شراً للإنسان في جملته. ومن الصعب، لا بل من المستحيل، أن تميّز بعض النصوص بين الموت في معناه الروحي والموت في معناه العضوي. وما هو واضح جلي، هو أن الموت ليس من صنع الله، إنما نتيجة الخطيئة كما يقول القديس بولس: “من أجل ذلك كما أنها بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس بالذي جميعهم خطئوا فيه” (روم 12:5). وليس العهد الجديد فقط الذي يؤكّد هذه الحقيقية إنما أيضاً العهد القديم، الذي يستطيع أن يجيب على تساؤلاتنا لماذا الموت ومن أين يأتي؟ ألا نقول إن الله صالح رحيم ومحب، فلماذا يخلق إنساناً مصيره الموت؟ يجيبنا سفر الحكمة: “لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم. إذ ليس الموت من صنع الله ولا هلاك الأحياء يسره. لأنه إنما خلق الجميع للبقاء فمواليد العالم إنما كُوّنت معافاة وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض” (جا 12:1-15).

من هذا نستنتج أن الموت، كما نختبره نحن بكل ما يحيطه من ألم وصراع، لا يعود إلى ترتيب الله، لكنه نتيجة خطيئة الإنسان. ولكن هذا يضعنا أمام سؤال آخر: لو لم يخطئ الإنسان أكان يواجه الموت؟ نجيب بأن ما نعرفه عن الإنسان هو الإنسان الخاطئ المائت. أمّا أي افتراض آخر، فحيثياته في علم الله وحده.

* الموت في المسيح

في المسيحية، الموت الجسدي هو علامة لموت آخر، يقوم في انفصال الإنسان عن الله. فالإنسان لا يجد توازنه العميق وتواجده الحقيقي إلاً في اتحاده وشركته بالله. وهذا لا يتحقق بصورة كاملة إلاّ في حياة أبدية خالدة. ولكن الإنسان بخطيئته فقد السبيل إليها. فأعادها إلينا الحب الإلهي، كعطية مجانية في المسيح يسوع ربنا: “لأن أجرة الخطيئة هي الموت وموهبة الله هي الحياة الأبدية في المسيح يسوع ربنا” (روم 23:6).

في نور إيماننا المسيحي، نقول أن الموت ليس ألماً لابد أن نقاسيه، إنما هو حلقة أساسية في سلسلة أحداث كياننا. وتتوقف نوعية هذا الحدث على الإنسان الحر نفسه. فالإنسان هو الذي يحدّد بنفسه كيف ستكون حياته الأبدية، باختياراته المتواصلة. وكل عمل باختيار حر في حياة الإنسان هو إما للحياة أو للموت.

فالإنسان مدعو للحياة الأبدية، ولكنه لن ينالها طالما هو في هذه الحياة. لابد له حتماً من العبور من هذه الحياة إليها، عن طريق الموت، الذي في السيد المسيح أخذ معنى جديداً. وموت الإنسان يأخذ معنى بقدر المعنى الذي يعطيه الإنسان لحياته. فعلى المسيحي أن يموت هنا في المسيح، ليقوم معه. وبانتصار المسيح على الموت، جعل لنا الموت خلاصاً: “فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أنّا سنحيا أيضاً معه. إذ نعلم أن المسيح مات بعد أن أقيم من بين الأموات لا يموت أيضاً لا يسود عليه الموت من بعد. لأنه من حيث أنه مات فقد مات للخطيئة مرة وأمّا من حيث أنه يحيا فيحيا بالله. فكذلك أنتم أيضاً احسبوا أنفسكم أمواتاً للخطيئة أحياء لله بربنا يسوع المسيح” (روم 8:6-11).

هذا العبور هو مسيرة العمر كله. إنه في حالة نمو وتقدّم طوال حياتنا على الأرض “ونحمل في الجسد كل حين إماتة يسوع لتظهر حياة يسوع أيضاً في أجسادنا. لأنا نحن الأحياء نسلم دائماً إلى الموت من أجل يسوع لتظهر حياة يسوع أيضاً في أجسادنا المائتة. فالموت إذن يجري فينا والحياة فيكم” (2كور10:4-12). وفي السيد المسيح الموت والرجاء يحملان رجاء المستقبل: “فإنكم قد مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا فأنتم أيضاً تظهرون حينئذ معه في المجد” (كول 3:3-4).

بهذا الرجاء استطاع القديس إسطفانوس أول الشهداء، أن يواجه الموت على مثال السيد المسيح: “ورجموا إسطفانوس وهو يدعو ويقول أيها الرب يسوع اقبل روحي ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم يارب لا تقم عليهم هذه الخطيئة. ولما قال هذا رقد في الرب” (أع 59:7-60). فالمسيحي مدعو لأن يجعل من آلامه وموته عطية ذاته لله “إني أفرح الآن في الألآم من أجلكم وأتم ما ينقص من شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده الذي هو الكنيسة” (كول 24:1).

ونحن مدعوون إلى الشركة في هذه الحياة الأبدية، في المسيح المنتصر. وإيماننا بالمسيح يمنحنا امتلاك الحياة، والحياة الأبدية: “فقال لهم يسوع أنا القيامة والحياة، مَن آمن بي وإن مات فسيحيا” (يو25:11). فمن امتلك هذه الحياة ينتصر على الموت.

ولكن هذه المشاركة تدريجية . والانتصار على الموت يتم هو أيضاً تدريجياً، حسب نمو وتقدّم المشاركة في الحياة الإلهية. ويتحقق هذا النمو بنكران الذات الشامل وبذل الحياة. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلاّ بالاستناد على الرب بيقين. فلا خوف عندما يسلم الإنسان نفسه بين يدي الحب الإلهي. وبالاندماج في حياة الثالوث، تصبح حياتنا تحركاً مستمراً نحو تلك الشركة. نعيش لكي نموت، ونموت كل يوم لنحيا حياة أكمل. فالموت إذاً بالنسبة للمؤمنين هو عبور إلى الحياة الأبدية.

خلاصة:

المسيحي الذي يعيش هذا النموذج والتدرّج من الموت إلى الحياة، يشتاق أن يمضي ليكون مع المسيح، على مثال بولس الرسول: “لأن الحياة لي هي المسيح والموت ربح. فإن كانت الحياة في الجسد ثمر عمل لي فلست أدري ماذا أختار. لأني محصور بين الاثنين إذ لي رغبة أن أنحل فأكون مع المسيح وذلك أفضل بكثير” (فيلبي 21:1-23). وهنا لا تكون الرغبة في الموت هروباً من حياة تشهد بها الآلام والأوجاع، إنما هي الشوق إلى كمال الحياة في المسيح. وبهذا المعنى يصبح الموت ربحاً، لأنه يضمن الحياة والشركة الكاملة في حياة السيد المسيح.

عن مجلة صديق الكاهن العدد الثاني2005