stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابات القراء

الوحدة والمحبة والسلام

437views

157516041608158115831577_1608157516041605158115761577_16011610_1585157615751591_1575160415871617160415751605_02الوحدة والمحبة والسلام

الأب د. بيتر مدروس

بعبارة “إلبسوا المحبّة، فهي رباط الكمال ” (قولسّي 3: 14) لخّص الإناء المختار مار بولس رسول الأمم التعاليم الأخلاقيّة الإنسانيّة الأساسيّة للسّيّد المسيح ومنها: “أحبّوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا” و”أحبّوا أعداءكم”، وهي امتداد بطوليّ للوصيّة “أحبب قريبك حبّك لنفسك” إذ جعل يسوع من كلّ إنسان قريباً لكلّ إنسان وأخاً (عن لوقا 10: 25 وتابع)، وأيضاً “كونوا كاملين” و”كونوا رحماء”. ويجدر هنا أن يذكر المرء – وفكره متّجه نحو بلدة “معلولا” السّوريّة النّاطقة بلسان السيّد المسيح والسيّدة العذراء- أنّ فعل “رحام” في الآراميّة يعني “أحبّ” انطلاقاً من الرحم وحنان الوالدة .

وللآراميّة فائدة كبرى – وقد كُتبت بها بإلهام من الله ووحي منه تعالى بعض فصول من نبوّة دانيال، تنقل بالحرف الواحد أقوال البابليين من نبوخدنصر وقومه. الآراميّة الفلسطينيّة مستودع كنوز من الروحانيات والانثروبولوجيات والمعاني العميقة والمحسنات اللفظية: يلمسها المرء في قراءة الإنجيل ولاسيّما كما أوحاه الله إلى البشير متّى. ومن معين أي ينبوع هذا اللسان والأدب العريقين، يستقي المرء ليس فقط كنوز العقيدة والأخلاقيات المسيحية، بل روافد الثقافة والحضارة، ويطّلع على لغة السيّد المسيح ومعاصريه في أدقّ عباراتها. وهذا مثال لا على سبيل الحصر: يوحنا المعمدان بن زكريا يقرّع العبرانيين المتشدّقين بأنهم من نسل إبراهيم بقوله: “لا تعلّلوا النفس بقولكم: نحن أبناء إبراهيم، إنّ الله لقادر من هذه الحجارة (في الآراميّة “أبانين”) أن يقيم أبناء (في الآراميّة “بانين”) لإبراهيم!” فأتت عبقرية اللسان وفصاحة البيان مؤيّدتين لنبوّة المعمدان !.

” لتكن المحبّة بلا رياء!” (عن رومية 12: 9 )

هذا ردّ المسيحيّة، بقلم رسول الأمم بولس إلى أهل رومة، وهذا ردّ الحبر الأعظم الرّوماني على مذيع أمريكيّ اتّهم قداسة البابا فرنسيس بأنه “يساري اشتراكيّ عدوّ للرأسماليّة”، واتّهم الكنيسة الكاثوليكيّة في الولايات المتّحدة بأنها مرائية: ترفع لواء الفقر وتتمرّغ في الأموال. صحيح أنّ “لا جمرك على الكلام” مع الأسف. ولا يدري المرء إذا كان الفاتيكان ومجلس أساقفة كاثوليك أمريكا – كما تقول العامّة سوف “يضعان عقليهما في عقله” أو يلاحقاه قضائياً بسبب التشويه – ولا تكفي لفظة “تشهير”. والحقّ أنّ البابا فرنسيس عاش فقيراً – وما يزال. ويعرف القاصي والداني عمله وكدّه بين معشر الكادحين، وفقره وتقشّفه ورفضه كل ّوسائل الترف كرئيس أساقفة. ولا مصلحة له في البحث عن الفقراء حتّى متخفّياً ومعرّضاً للخطر حياته.

كان نهج السيّد المسيح مع رسله (حوارييه) اشتراكيّاً ملؤه الإيمان – لا الإلحاد – والمحبّة. وكانت الخيرات مشتركة بين المسيحيين الأوّلين (أعمال الرسل في الفصلين 2 و 4). وانتقاد السيّد المسيح ولاحقاً البابوات للرأسماليّة ليس إنكاراً لحقّ الملكية، وحقّ حصاد ما زرع المرء بحيث أنّ “من لا يعمل فلا يأكل!” – الانتقاد هو للرأسماليّة غير المحدودة غير المهتمّة بالفقراء لا الذين هم معوزون بسبب الكسل بل بسبب ظلم المجتمع وقلّة فرص العمل أو كثرة الاستغلال …

ونشهد في الشرق الأوسط وسائر دول العالم الثالث لكاثوليكيي الولايات المتحدة على محبتهم وتضامنهم مع الشعوب الفقيرة والمسحوقة. وهذا يعني حسن استخدامهم لما يتبرّع به المؤمنون الأمريكيون .

المحبة ليست ضعفاً والمسيحيّة ليست “انحطاطاً ولا انتحاراً للعقل “!

قبل الخوض في هذا الموضوع، يلفت المرء الانتباه إلى أنّ صاحب هذه الفكرة السلبية عن المسيحية هو الألماني فريدريتش نيتشه، ولا يجدر أن يفرح بنظرياته أي مؤمن، بما أنّه ينتقد الدين والأخلاق أي كلّ دين وكلّ الأخلاق. طبعاً حظيت المسيحية بنصيب الأسد في انتقاداته. ولكن يخفف المرء من شأن أفكاره، عندما يعلم ان نيتشه تصوّر ذاته أفضل من السيّد المسيح ، وهذا ما لا يقبله عاقل خصوصاً المسيحيون والمسلمون المعترفون بالسيد المسيح “كلمة الله وروح منه”. وقول نيتشه أن المسيحية انحطاط يجد في الحضارة المسيحية نقضاً لفكره قاطعاً . ولا يجهل أحد فضل المسيحية والمسيحيين في ميادين العلم والفلسفة وسواهما حتّى أيّامنا (يُمكن في هذا المضمار مطالعة كتاب المفكّر الكندي المعاصر أولن شميدت ).

وليست المسيحية “انتحاراً عقليّاً” بما أنّ السيّد المسيح كان دائما يقارع معاصريه بالحجّة والمنطق، وطلب أمير الرسل بطرس أن “يدافع المؤمنون عن سبب الرجاء الذي يعمر قلوبهم، ولكن بوداعة ووقار” (1 بطرس 3: 15 -16). ورأى القدّيس بولس أنّ العبادة “عقلانيّة” منطقيّة (في اليونانية “لوجيكيه”)- كما ورد في رومية 12: 1 .

خاتمة

لا يريد المرء هنا أن ينزل إلى مستوى بعض الانتقادات، ولا أن يحكم على البشر (عن متّى 7 : 1) ، فلا حكم على المذيع الرأسماليّ الأمريكي المشار إليه لأنّه حرّ في حياته، ولكن يجدر ألاّ يسيء استخدام حرّيّة التّعبير للتشويه والقدح والظّلم. كما لا يحكم أحد على الفيلسوف نيتشه من خلال الأمراض العقلية التي عانى منها، بل يدرس المرء كتاباته بموضوعيّة فيميّز فيها المتّزن الحكيم من الغريب (مثلاً توهّمه التفوّق على السيّد المسيح!). وفي هذه الفترة العصيبة خصوصاً في هذا الشرق الأوسط المعذّب الدّامي ولاسيّما في العراق وسورية يتساءل المرء: متى ستنتهي المجازر وتسود خصوصاً بيننا نحن العرب، ولاسيّما في فلسطيننا الحبيبة العدالة والمحبة والسلام؟ متى سيّدرك البشر أنّ “حضارة قايين” (قابيل) دمار له قبل أن يقتل أخاه هابيل؟ متى “سيتمجّد الله بالإنسان الحيّ” كما كان يهتف القديس ايريناوس المسالم؟

                          عن موقع أبونا