stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعويةموضوعات

تأمل سبت لَعاَزر – بقلم الأب / أنطونيوس فايز

914views

((ولكِن، متى جاءَ ابنُ الإِنسان، أَفَتُراه يَجِدُ الإِيمانَ على الأَرض؟ )) ( لو 18: 8)
(( يا ربّ، إِنَّ الَّذي تُحِبُّه مَريض))… (( هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله))… (( قد ماتَ لَعاَزر، ويَسُرُّني، مِن أَجْلِكُم كي تُؤمِنوا، أَنِّي لم أَكُنْ هُناك. فَلْنَمْضِ إِلَيه! ))… (( أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا وكُلُّ مَن يَحْيا ويُؤمِنُ بي لن يَموتَ أَبَداً. أَتُؤمِنينَ بِهذا؟)).

بعد أن وصل بنا قطار الصوم الأربعيني إلى المحطة الأخيرة ، أي جمعة ختام الصوم. إنها رحلة الدخول إلى الذات وإعادة ترتيب حياتنا وعلاقاتنا وأولوياتنا على ضوء كلمة الله ومرافقة الروح القدس. رحلة توبة ومصالحة، وأخيرًا شفاء بقبول سّر مسحة المرضى ومشاركتنا سّر الإفخارستيا مصدر حياة جديدة في المسيح. رحلة شخصية وجماعية، تعبر بنا من أرض العبودية إلى أرض الموعد حيث حرية أبناء الله. هذه الرحلة خاضها شعب الله في العهد القديم، خاضها يسوع في البرية ، ونحن معه، كنموذج لنا وليرافقنا في رحلتنا ككنيسته، عبر التاريخ ، الذي هو رأسها وهي في الوقت نفسه جسده. هكذا نشاركه رحلته وبدوره يشاركنا رحلتنا فنعرفه عن قرب ونختبر قُوَّةَ قِيامتِه والمُشارَكَةَ في آلامِه ، لعلّنا نبلغ القيامة من بين لأموات”(في 3: 7-12). هنا نصل ونجد أنفسنا على عتبة يوم السبت التالي لجمعة ختام الصوم ، والذي يطلق عليه: ” سبت لَعاَزر ” ؛ إنه التحقيق الفعلي لما قدمنا آنفًا، في الوقت نفسه، هو حدث استباقي لمسيرة أسبوع الآلام التي تنتهي بقيامة الرب.مما لاشك فيه، يمكننا عندما نتبع مسيرة رحلة قطار الصوم والوصول إلى محطته الأخيرة في جمعة ختام الصوم ،أن نكتشف الخيط الرفيع الذي يربط قراءات هذا الزمن الغني بالنعم والبركات، ألا وهو ، كما قال الكتاب :” أؤمن يا رب ولكن أعنْ ضعف إيماني”. نكتشف أن قضية الإيمان هو الخيط الذهبي الذي يربط هذا الزمن، أنه مسيرة النمو في الإيمان بيسوع المسيح الفادي والمخلّص. هذا يقودنا بالفعل إلى نص إحياء لعاز، والذي يتطلب موقف، سواء من التلاميذ ،أيضًا من مرتا ومريم، والجمهور الذي يصاحبهم في مسيرة القيامة، وأخيرًا نحن. يقدم لنا القديس يوحنا الإنجيلي وصفًا مُوجزًا لعائلة بيت عنيا( بيت الضيافة والاستشفاء)، القريبة من أورشليم، تتكون هذه العائلة من مريم ومرتا ولعازر أخيهما، أصدقاء حميمين ليسوع. تأتي رسالة مقتضبة من الأختين تفيد :” (( يا ربّ، إِنَّ الَّذي تُحِبُّه مَريض))” ( يو 11: 3). ثم نفاجأ برد يسوع قائلاً:” (( هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله))” ( الآية 4). في الواقع، تعبير الأختان ورد يسوع يقلب لنا موازين المنطق الإنساني الذي أعتدناه.

أولاً: ما يبدو من تناقض واضح بين أن يكون الشخص محبوب، وفي الوقت نفسه، مريض. عادة تسيطر علينا الفكرة والاعتقاد أن المحبوب من الله هو محفوظ مثل حدقة العين. هنا نكتشف إعلان حقيقة الوحي الإلهي المُعلنة: أنت أيها الإنسان محبوب في جميع أوضاعك الإنسانية: في الطفولة والصبا، في النضج والشيخوخة… في القوة والضعف، في الصحة والمرض، في النجاح والفشل، في الفقر والغنى، وأنت صالح وأنت خاطئ… أنت محبوب لأنك خليقة الله… صورته ومثاله ” لا شيء يفصلنا عن محبة المسيح….”.

ثانيًا: كيف يكون المرض، الذي هو صورة مُصغّرة من صور الموت والتي تهددنا كل يوم ، خاصة في أزمنة الأوبئة وما نمر به اليوم، والتي تعلن اقتراب الموت، هو ليس للموت بل يؤل إلى مجد الله؟.. هناك إشكالية أخرى يفاجئنا بها يسوع، فبالرغم من علاقة الصداقة الحميمة والحب المتبادل بين هذه العائلة ويسوع، نجد يسوع يتباطأ ويمكث يومين في الجليل! مما يضع الحب محل شك وتساءل جذري حول مصداقيته، فالصديق الوفي يظهر وقت الشدائد. عادة ما يُراودنا الشك بالسؤل المتكرر لماذا يتباطأ الله، أو يتجاهل أمام توسلاتنا وصرخاتنا خاصة عند الحاجة إليه :” لماذا نسيتني … ((إِلهي، إِلهي، لِماذا تَرَكْتني؟ ))، في الوقت نفسه، نسمعه يقول:” إن نسيت الأم رضيعها، فإن الرب لا ينساكم”. أمام كل هذه التساؤلات، نحاول سويًا لأن نجد لها اجابة من خلال تأملنا في هذا النص الرائع.

أولاً: تباطؤ يسوع: يكتشف يسوع من خلال حواره مع تلاميذه، وإعلانه المتدرج حول ما ألمَّ ( ما حدث) لحبيبه لعازر( نائم … ثم مات)، مدى الخوف القابع في قلوبهم أمام قضية الموت، وقرار يسوع الذهاب لمواجهة الموت. في الواقع، الغالبية منّا، نقف مشدوهين عاجزين عن الكلام أو العمل إمام الموت. أمام الموت، يعلن الإنسان عن فشله الذريع، مما يُولّد فيه رغبة دفينة، في اللاوعي، بالهروب منه وعدم مواجهته، بسبب عجزه. فالذهاب إلى اليهودية يعني الذهاب إلى الموت ( يو 11: 8)؛ هذا ما عبّر عنه بطرس الرسول عندما أعلن يسوع عن آلامه وموته ( مت 16: 22- 23).إنه الهروب الكبير وعدم مواجهة تلك الحقيقة التي تهزمنا يوميًا ( راجع خبرة السقوط وهروب أدم من وجه الله… أدم أين أنت؟). كل هذا دعي يسوع أن يمكث يومين، ليشُدَ من أذرهم ويطمئنهم أن ساعة آلامه لم تأت بعد، فهم لا زالوا في النور، لم يحنْ وقت الظلمة. مع ذلك يسوع على إدراك تام أن ساعة آلامه وموته تقترب، فهو صاعد إلى أورشليم, يعلن لهم أنه لا يخاف الوت، بالحري موته، لا يتهرب من مسؤوليته وإنجاز مهمته. هكذا يعلن يسوع عن ذاته كإله حقيقي. يعلن أن الموت ليس هلاكًا أو فناءاً أو اندثارًا ولا أيضًا عقابًا، ليس للموت سلطان على يسوع، ليس له الكلمة الأخيرة بل للحب. هكذا هزم يسوع الموت وأشكاله بقوة حبه المجاني. هذا ما أراده يسوع أن يزرعه في نفوس تلاميذه، خلال رحلة اليومين أي تباطئه، يريد أن يوقظ في قلوبهم، وقلوبنا نحن أيضًا من خلال رحلة الصوم الأربعيني وشفاء جمعة ختام الصوم قوة الحياة الجديدة لنواجه بدورنا إيمانيًا، أشكال الموت المتنوعة التي نواجهها كأفراد وجماعة عبر تاريخنا اليومي. يمكننا أن نكتشف ذلك من خلال حوار يسوع مع تلاميذه: (( لِنَعُدْ إِلى اليَهودِيَّة))، هنا يدعو تلاميذه لمرافقته في مواجه مرض لعاز. بينما نشّتم رائحة الخوف والتردد على لسان تلاميذه قائلين: (( رابِّي، قَبلَ قليلٍ حاوَلَ اليَهودُ أَن يَرجُموكَ، أَفَتعودُ إِلى هُناك؟)).هنا يطمئنهم يسوع بأن ساعة الألم لم تأت بعد قائلاً: أَلَيسَ النَّهارُ اثنَتَي عَشْرَةَ ساعَة؟ فمَن سارَ في النَّهار لا يَعثُر، لأَنَّه يَرى نورَ هذا العالَم. 10ومَن سارَ في اللَّيلِ يَعثُر: لأَنَّ النُّورَ لَيسَ فيه)). هنا يسوع، ووحدة فقط، يعلنها صراحةً : «حَبـيبُنا لِعازرُ نائِمٌ، وأنا ذاهِبٌ لأوقِظَهُ«؛ يسوع وحدة، الإله، يعلن حقيقة الموت، فهو سيد الحياة والموت. مستخدمًا صيغة الجمع في كلمة” حَبـيبُنا “، ليعبر عن مدى الحميمية ليس فقط على مستواه الشخصي بل الجماعي، ككنيسة، بعد ما حررهم من الخوف من الوت وأشكاله القابع في قلوبهم. ثم ينتقل بسهولة ( في بلاغة فائقة) من صيغة الجمع إلى صيغة الفرد : ” وأنا ذاهِبٌ لأوقِظَهُ”، فيسوع وحدة فقط الإله له السلطان، قاهرًا الموت:” أين شوكتك يا موت، أين غلبتك يا هاوية”. لا زال التلاميذ غير مدركين، متقوقعين، متحصّنين على ذواتهم وخوفهم وأنانيّتهم في مواجه الموت قائلين: «إذا كانَ نائمًا يا سيِّدُ، فسَيُشفَى«. هنا يعلنها صراحةً، وهو في قمة الألم، مُدركًا مدى مأساة الإنسان الخاضع تحت سلطة الموت: «لعازرُ ماتَ. ويَسُرُّني، لأجلِكُم حتى تُؤمِنوا، أنِّي ما كُنتُ هُناكَ. قُوموا نذهَبُ إلَيهِ! «.نلاحظ مدى الترابط العميق بين إعلان حقيقية الموت وما يطلبه يسوع من تلاميذه أي فعل الإيمان. يسوع يعلن عن الأسلوب الأمثل المطلوب من المؤمن عندما يواجه الموت وأشكاله ألا وهو أن يؤمن … أومن يا رب … فأعنْ ضعف إيماني. يعقب ذلك مباشرة، الدعوة الجماعية للذهاب معًا متضامين بقوة الحياة، حياة القيامة، لمواجهة الموت واشكاله. أليس هذا هو النمط الذي نحتاجه اليوم لمواجهة هذا الوباء المتفشي في أيامنا.

ثانيًّا: كيف يكون المرض، والذي هو صورة مُصغّرة للموت، ليس للموت بل يؤل إلى مجد الله؟ يتنامى هذه الإيمان التضامني ويصل إلى قمته على لسان القديس توما الرسول قائلاً:” «تعالَوا نَذهَبُ نَحنُ أيضًا ونَموتُ معَهُ! «. هذا الإيمان التضامني الذي يهدف إليه يسوع، يمكننا أن نستشف على ضوؤهِ ماذا يُعني الرب بتعبيره أن (( هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله))”. إن الإيمان التضامني يعطينا تفسيرًا كتابيًّا أعمق لما نواجه من شداء وصعاب بشرية وروحية. في الواقع، هذا ما يُعلنه الله لنا على الدوام، والذي يدخل في خطة الله الخلاصية ويدخل أيضًا في طبيعة علاقة الله بالإنسان المخلوق على صورته ومثاله :” «نَظَرْتُ إلى مُعاناةِ شعبي الذينَ في مِصْرَ، وسَمِعْتُ صُراخهُم مِنْ ظُلْمِ مُسَخريهِم وعَلِمتُ بِعَذابِهِم، فنَزَلْتُ لأُنقِذَهُم” ( خر 3: 7-8). هذا ما نختبره خلال رحلة الصوم الأربعيني، حيث يعبر بنا يسوع من عبودية الخوف من الموت، خاصة موت الخطيئة، إلى الإيمان: ” أنا مُؤْمِنٌ بأنْ أرى جودَ الرّبِّ في أرضِ الأحياءِ. لِيَكُنْ رجاؤُكَ بِالرّبِّ، تَشدَّدْ وليَتَشجعْ قلبُكَ، وليكُنْ رجاؤُكَ بالرّبِّ” (مز 26: 13- 14)؛ ( راجع إحياء العظام الجافة حز 37: 12-14).

ينتقل بنا المشهد على مشارف بيت عنيا ( تبعد ميلين عن أورشليم، موضع صلب يسوع)، بعد مرور أربعة أيام على دفن لعاز في القبر. عندما علمت مارثا بوصول يسوع ، خرجت للقائه وتقول دون انتظار قائلةَ:” «لَو كُنتَ هُنا، يا سيِّدُ، ما ماتَ أخي! ولكنِّي ما زِلتُ أعرِفُ أنَّ الله يُعطيكَ كُلَ ما تَطلُبُ مِنهُ«. يبز هذا المشهد ما أكدنا سابقًا عن الإيمان التضامني: يقف يسوع خارجًا، وكأنه الواقف على الباب يقرع على الدوام، بينما خروج مرثا مُسرعة تعبر عن الموقف الإيماني من جهة الإنسان. مارثا لديها إيمان لأنها تعلم من كل قلبها أن يسوع – لأنه هو الله – قادر على فعل أشياء عظيمة. إيمان يقوم على ما يعرفه ويختبره وليس على ما يراه. أمام فعل الإيمان هذا، يكشف يسوع عن طبيعته الإلهية مُعلنًا:” «أنا هوَ القيامةُ والحياةُ. مَنْ آمنَ بـي يَحيا وإنْ ماتَ. وكُلُّ مَن يحيا مُؤمنًا بـي لا يَموتُ أبدًا. أتُؤمِنينَ بهذا؟« . هنا يسوع ينتقل من الحدث، موت أخيها لعاز إلى موقف إيماني، لا يعطي تفسيرًا أو شرحًا للموت وأشكاله. هذا ما يدعونا يسوع أمام أحداث حياتنا خاصة المؤلمة. هكذا تنتقل عدوى القيامة التي انتشرت رائحتها من التلاميذ والذين خرجوا من قبر الخوف، كذلك مرثا التي تنطلق مسرعة إلى أختها مريم، القابعة هي بدورها في قبرها قائلة همسًّا :” «المُعَلِّمُ هُنا، وهوَ يَطلُبُكِ«. هكذا يدعونا الرب في لحظات حياتنا الحاسمة ألّا ننغلق على نفوسنا، على جراحاتنا وآلامنا، نجترع مرارة الوحدة والعذاب، للخروج للقائه ، حيث القيامة والحياة الجديدة. هنا تزداد وتيرة الانفعالات الإنسانية حيث البكاء، والتي حرّكت مشاعر يسوع البشرية فيبكى متسائلاً :” أين وضعتموه؟”. يجسد بكاء يسوع عمق الألم أمام وضع الإنسانية الحاضرة في شخص لعازر التي ترزح تحت وطاءة الخطيئة وعلامات الموت، موتى الحروب والكوارث المختلفة. يشدُّ انتباهي مُكوث لعازر مدة أربعة أيام في القبر، في الظلمة الحالكة، في الوَحدة والعزلة التي لا يستطيع الأعزاء مشاركته. ربما ما نختبره اليوم بسبب وباء الكورونا من عدم القدرة على ممارسة الحياة الاجتماعية والدينية هي دعوة للدخول في خبرة لعاز في القبر، ليس بروح اليأس والاحباط والخوف، بل بروح الإيمان التضامني، لنعيش أيضًا خبرة يسوع المتروك والمعزول عن كل أحباءه على الصليب. إنها خبرة الترك والتخلّي عن كل ما نرغبه أيضًا ما هو روحي وصالح أيضًا، إنها خبرة القبر مع لعازر، مع يسوع على الصليب مائتًا، إنها خبرة يوم الجمعة العظيمة، ليست ليوم واحد فقط بل لزمن أطول، فالسؤال كيف نعيش هذا الزمن وبأي إيمان؟. هكذا يقونا نص هذا اليوم إلى الدخول في خبرة أسبوع الآلام عبر يوم أحد الشعانين الذي سوف نتناوله في الحلقة القادمة.

بقلم الأب / أنطونيوس فايز