stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

البابا والكنيسة في العالم

تاريخ طويل من الصحافة الكاثوليكيّة

92views

نقلا عن الفاتيكان نيوز

4 نوفمبر 2020

كتب : فتحي ميلاد – المكتب الأعلامي للكنيسة الكاثوليكية بمصر .

ابتداء من الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، سيصبح من الممكن تصفّح عبر الإنترنت آلاف المقالات من “L’Osservatore della Domenica”، إحدى منشورات جريدة الكرسي الرسولي التي تأسست عام ١۹٣٤ وتم إغلاقها في عام ٢٠٠٧. عاشت هذه النشرة الأسبوعية حقبتها الذهبية تحت الإشراف الطويل لـ “Enrico Zuppi”، الذي حوّل صحيفة من ثماني صفحات إلى مجلة حديثة ومركزية في العالم الكاثوليكي الإيطالي، طوال القرن العشرين.

تعد رقمنة أرشيف “Osservatore della Domenica” عملية ثقافية مهمة، تجعل تراثًا هائلاً من النصوص والصور والأفكار متاحًا للجميع. إنها نافذة تفتح على تاريخ كنيسة القرن العشرين، وإنما أيضًا على أحداث المجتمع الإيطالي والعالم. ولدت هذه الصحيفة الأسبوعية في عام ١۹٣٤ باسم ” L’Osservatore Romano della Domenica” وساهمت في البداية على منح الصحافة الفاتيكانية سلطة حرّة من الضغط الفاشي، في زمن الديكتاتورية التي كانت فيه صحيفة الـ “Osservatore Romano” تُعتبر صوت البابا، وكانت موضع اهتمام دقيق من قبل النظام.

كانت الصحيفة الأسبوعية، التي لا تحمل صفة الفاتيكان الرسميّة، تتمتع بحرية نسبية، لدرجة أنها غالبًا ما كانت تنشر مقالات لا تتماشى مع الأيديولوجية الفاشية، أو حتى تنتقدها علنًا. في الثلاثينيات وبشكل أكبر في زمن الحرب، أصبحت صحافة الفاتيكان نقطة مرجعية لكثير من الإيطاليين المتعطشين للأخبار الموضوعية في مواجهة صحافة النظام التي لم تتجاوز البروباغاندا: وصلت الـ “Osservatore Romano” إلى ذروة مبيعات كبيرة، لم تحققها من قبل، بينما كانت فرق النظام تعمل على منع انتشارها عن طريق حرق أكشاك بيع الصحف حيث يتم بيعها وتهديد الذي يشترونها. كانت “Osservatore della Domenica” في ذلك الوقت، تنشر المداخلات التي لو ظهرت في الصحيفة كانت ستثير أعمالاً انتقامية، مثل المقالات ضد الوثنية النازية، وإعادة التسلح والحرب.

بعد الحرب، دخلت الصحيفة الأسبوعية فترة جديدة طويلة من حياتها، تحت إشراف إنريكو زوبي، من كانون الثاني يناير عام ١۹٤٧ إلى تموز يوليو عام ١۹٧۹. مع الشغف والإبداع اللذين ميزاه، أعطى زوبي على الفور بصماته للصحيفة، باسم التحديث والانفتاح على القضايا الجديدة والتعاون مع شخصيات من عالم الثقافة، وليس فقط مع الشخصيات الكاثوليكية. عندما تولى زوبي قيادة ” L’Osservatore Romano della Domenica”، ورث زوبي صحيفة من ثماني صفحات، كان يتم تحريرها بأسلوب رشيق ولكنها كانت تقتصر في الغالب على الحياة الدينية الإيطالية. كانت أخبار العالم نادرة، وكذلك أخبار السياسة، على الرغم من أن هذه الصحيفة الأسبوعية كانت قد نشرت خلال الحرب بعض المقالات المهمة. أما في عام ١۹٣٤ تم تجهيز الصحيفة بصفحة مركزية مصورة، تركزت فيها جميع صور العدد، وفي عام ١۹٤٧ تم توزيع الصور على كل صفحة وأصبح الشكل أكثر تنسيقًا ووضوحًا. لقد قام زوبي بتسريع عملية تحديث الصحيفة بسرعة وبشكل قاطع، وتعزيز التصوير الفوتوغرافي، الذي كان شغفًا تواصليًا حقيقيًا بالنسبة له. وكان يحب أن يردد: “قبل أن تقرأ الجريدة، يجب أن تراها”. كانت العديد من اللقطات من عمل زوبي نفسه، الذي تمكن من منح “Osservatore della Domenica” ميزة مبتكرة: وأصبح ثراء الصور والرسومات في الصحيفة الأسبوعية الفاتيكانية أعلى بكثير مما يمكن العثور عليه في ذلك الوقت على أجهزة أخرى من الصحافة الكاثوليكية. في الوقت عينه، انفتحت الصحيفة على العالم بتقارير من دول مختلفة، وأصبحت فسحة لمواجهة ثقافية عالية المستوى.

خلال الفترة الأولى من قيادة زوبي، مهدت “Osservatore della Domenica” بطريقة ما الأرضية لانفتاح البابا يوحنا الثالث والعشرون، من خلال معالجة وتطوير مشاكل إصلاح الكنيسة بشكل منهجي، في مجالات مثل تلك الخاصة برسالة العلمانيين، الحوار المسكوني، الاعتراف بالقيم الإنسانية العاملة في المجتمع، أبعد من أسوار، عقيدة اجتماعية للكنيسة أكثر حداثة، لا سيما في مواضيع السلام والحرب. وبهذه الطريقة، ساهمت هذه الصحيفة الأسبوعية، التي تهتم دائمًا بالمعززات الحيويّة للثقافة المسيحية، في نهضة ثقافية للكاثوليكية الإيطالية، ودعمت من خلال التحليل الصحفي مطالب الإصلاح التي اندمجت لاحقًا مع المجمع الفاتيكاني الثاني. وبالنظر إلى أرقام تلك السنوات، ندرك كيف أصبحت “Osservatore della Domenica” ساحة تدريب حقيقية للصحافة الحرة والمسؤولة في الكنيسة.

في فترة ما بعد المجمع، واجهت الصحيفة تحدي توصيل مواضيع ورسائل الكنيسة المجمعية. كان إنريكو زوبي مدركًا أن المجمع الفاتيكاني الثاني سيصل إلى العالم الكاثوليكي بطريقة مختلفة عن المجامع السابقة، التي تلقّاها من خلال الأساقفة والمجامع الكنسية والقنوات المؤسسية الأخرى. أما المجمع الفاتيكاني الثاني فقد وصل إلى الشعب الكاثوليكي أولاً من خلال رسائل وصور الصحافة. بهذا المعنى، يمكننا قراءة العمل التحريري الرائع الذي قام به إنريكو زوبي في نهاية المجمع لنشر عدد خاص من مائتين وست وعشرين صفحة حول المجمع الفاتيكاني الثاني، نُشر في عام ١۹٦٦، غنيّ بالتوقيعات والصور، وتمَّ تقديمه كـ “عمل حب لكنيسة المجمع” ومن ثمَّ ترجم ونشر أيضًا باللغات الإسبانية والإنجليزية والفرنسية والألمانية. وكان أول منشور رئيسي يصدر حول المجمع الفاتيكاني الثاني.

من خلال تصفح أرشيف “Osservatore della Domenica” الذي أصبح الآن موجودًا على الإنترنت، يكتشف المرء، في غنى المواد التي يجدها أيضًا شخصية إنريكو زوبي، رجل مخلص بشدة للكنيسة والكرسي الرسولي، وفي الوقت عينه حر تمامًا وعلمانيًا بشكل وثيق. قادر على أن يعيش بحريّة مسؤولية رجل علماني كاثوليكي، وجد في المجمع الفاتيكاني الثاني تأكيدًا لعمل في وسائل الإعلام يُفهم على أنه عمل رسولي، بالإضافة إلى اللطافة التي كانت صفته الإنسانية، وفورية الصداقة والعفوية، التفاني اليومي للصحيفة.

عندما تقاعد إنريكو زوبي في تموز يوليو عام ١۹٧۹، لم تعد “Osservatore della Domenica” صحيفة مستقلة لأسباب اقتصادية، وأصبحت جزءًا صغيرًا جدًا من صحيفة الـ “Osservatore Romano”. وانتهت قصة صحافة رائعة بإغلاق صحيفة كان زوبي فيها مديرًا ومحررًا ومصورًا ومصممًا وروحًا. وكان وداعه، الذي كتب بإبداع وخيال، موجهاً إلى القراء، الذين أقام معهم على مر السنين حوار صداقة حقيقي: “في هذا العدد من وداعي، أردت أن أقترح تأملًا آخر حول يسوع. لقد قمت بذلك لأنني أعلم أنه يحظى بتقدير القراء من جهة تدفعني من جهة أخرى رغبة ساذجة، أصبَحَت في خريف عمري، مزعجة تقريبًا. أود أن أنهي “خدمتي” بعرض ترويجي. وهو الانتقال – متى وكيفما شاء الله – من مراقب عرضي – غالبًا ما يكون مشتتًا وفاترًا – إلى مراقب دائم، في خدمة فعالة، بدون حدود للتقاعد، يتأمل وجهه هناك في السماء …