stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابية

ثلاثية أمثال الرحمة (لو1:15-32)- الأب د./ كميل وليم

1.9kviews

St-Takla-org_Coptic-Saints_Saint-Luke-the-Evangelist-02

1- دوافع الثلاثية والهدف منها (لو1:15-3)

يجمع إنجيل القديس لوقا في وحدة أدبية وموضوعية متماسكة ثلاثة أمثال: الراعي والخروف الضال (4-7)، الدرهم المفقود الذي بحثت عنه المرأة حتى وجدته (8-10)، ثم الأب وابناه (11-32). والأمثال الثلاثة موجّهة لذات الجمهور (را لو1:15-2): إنهم الفريسيون والكتبة الذين كانوا يتذمرون لأنه يستقبل العشارين والخطأة.

الأمثال الثلاثة ذات البنية الأدبية التي تقوم في مشهدين: ضياع/عثور، والمشهد الرئيسي هو الثاني، لأن الأول يهدف فقط للإعداد للثاني. وخاتمة المثلين الأول والثاني واحدة، مع بعض الاختلافات الطفيفة: فخاتمة المثل الأول ” هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة” (لو7:15)، وخاتمة الثاني: “هكذا يفرح ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب” (لو10:15).

وينقسم المثل الثالث أيضاً إلى مشهدين، ينتهي كل منهما بالخاتمة ذاتها: “ابني هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوجد” (لو24:15و32). تسبق هذه الخاتمة لازمة وردت في المثلين الأول والثاني، وهي الدعوة إلى الفرح: “افرحوا معي، فقد وجدت خروفي الضال” (لو6:15)؛ “افرحن معي، فقد وجدت درهمي الذي أضعته” (لو19:15)؛ “ولكن قد وجب أن تنعم وتفرح، لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوُجد” (لو32:15). 

نكتفي بهذه الإشارات الأدبية القليلة التي تبرز وحدة الموضوع في الأمثال الثلاثة: فرح الله بعودة الخاطئ. بطل الأمثال الثلاثة هو الله (الراعي، المرأة، الآب) وليس الخاطئ الذي يتوب لأن الأمثال لا تورد شيئاً يُذكر عن طبيعة الخطيئة أو عن طريقة التوبة.

يستقبل الخاطئين ويأكل معهم

يشير إنجيل القديس لوقا، في المقدمة التي يضعها لهذه الثلاثية، إلى الإطار الحياتي الذي على ضوئه تقرأ وتفهم. يستقبل يسوع الخطأة ويأكل معهم، وهذا يثير الانتقادات والتذمّر. كان هذا هو الوضع الدائم الذي يصبغ علاقة يسوع بسلطات اليهود الدينية. 

تتفق الأناجيل الإزائية الثلاثة في التأكيد أن يسوع كان يجالس الخطأة ويقبل دعوتهم له ويأكل معهم. فيرد في إنجيل القديس مرقس “وجلس يسوع للطعام عنده، وجلس معه ومع تلاميذه كثير من العشارين والخاطئين” (مر15:2)، وفي إنجيل القديس متى: “وبينما هو على الطعام في البيت، جاء كثير من العشارين والخاطئين فجالسوا يسوع وتلاميذه” (مت10:9)، وفي إنجيل القديس لوقا، بالإضافة إلى مقدمة أمثال الرحمة يرد أيضاً: “وأقام له لاوي مأدبة عظيمة في بيته، وكان على المائدة معهم جماعة كثيرة من العشارين وغيرهم” (لو29:5).

كان هذا تصرّف يسوع المضاد لدرجة أنهم اتهموه قائلين: “هوذا رجل أكول شريب الخمر صديق للعشارين والخاطئين” (لو34:7). إن المجالسة على مائدة طعام واحدة كان علامة، ربما أقوى علامة للشركة. مازال هذا المفهوم قائماً لدينا فنقول: “أكل معه خبزاً وملحاً”.

ويلجأ يسوع إلى الرمز ذاته ليعبّر عن شركته مع التلاميذ، ويطالب التلاميذ أن يفعلوه ليعبّروا عن شركتهم معاً. يمد يسوع العلاقة الرمزية إلى الخاطئين أيضاً. إنه علاقة رمزية تشير، هنا، إلى القطع: القطع مع شريعة الطهارة الشرعية التي كانت تحظر بشدة الجلوس على مائدة واحدة مع الوثنيين والخاطئين. كان الاعتقاد السائد أن مَن ينفصل عن الخاطئين، يكرّم الله.

يسير يسوع في الاتجاه المعاكس وبذلك يعبّر عن مفهوم جديد عن الله كان غائباً لدى معاصريه. ليس التصادم إذاً على المستوى النظامي (خرق نظام) أو على المستوى الأدبي الأخلاقي، إنما هو على المستوى اللاهوتي ذاته.

اتهم الكتبة والفريسيون يسوع بأنّه صديق العشارين والخاطئين. والكلمة التي يستعملها النصّ اليوناني هو  ΦΟSالتي تشير إلى صداقة وتقارب عاطفي. وتقول، إحقاقاً للحق، أن الفريسيين والكتبة ما كانوا يرفضون قبول واستقبال الخاطئين التائبين. الفارق بينهم وبين يسوع أن الأخير يحب الخاطئين وهم بعد خاطئون، أي قبول رجوعهم وتوبتهم. إن إحساس يسوع الأول وموقفه من الخاطئ ليس هو الإدانة أو الحكم بل الحرارة القلبية، إنه يعلّق الحكم ويهتم أولاً بمصير الخاطئ. 

يلاحظ القارئ العادي، بالرجوع إلى الملحوظة التي تقدم ثلاثية أمثال الرحمة، أن الخاطئين يبادلون يسوع حباً بحب “وكان العشارون والخاطئون يدنون منه” (لو1:15). إنها حركة تبادل: يسوع يبحث عن الخاطئين، والخاطئون يبحثون عن يسوع. ويؤكد إنجيل القديس لوقا أن الحركة واسعة بل شاملة، إذ يضيف كلمة “جميعاً” إلى الجملة السابقة (را 1:15)، ويستعمل شكل الفعل المستمر “كانوا يبحثون”. وفي ذلك إشارة واضحة أن بحثهم عنه كان مستمراً ومتكرراً.

يلجأ إنجيل القديس لوقا، لكي يعبّر عن موقف رافضي يسوع، إلى الفعل “تذمر”. إنه يلجأ إلى هذا الفعل ثلاث مرات لكي يصف موقف الكتبة والفريسيين الذين ينتقدون تصرفات يسوع وموقفهم تجاه الخاطئين. يرد هذا الفعل لأول مرة عندما قبل يسوع دعوة لاوي واتكأ مع العشارين: “فقال الفريسيون وكتبتهم لتلاميذه متذمرين: لماذا تأكلون وتشربون مع العشارين والخاطئين؟” (لو30:5). والمرة الثانية في نصنا هذا، والمرة الثالثة عندما يدخل بيت زكا: “فلما رأوا ذلك قالوا كلهم متذمرين: دخل منزل رجل خاطئ ليبيت عنده” (لو7:19). يعني التذمر إلى عدم الموافقة والتشكك من تصرّف لا يتفق مع العادات والتقاليد التي أصبحت في حكم السنن. ويلاحظ القديس لوقا في كتاب أعمال الرسل أن العلاقة والمشاعر القلبية الحميمة تجاه الخطأة قد تلاقي تذمراً ورفضاً من قِبَل المسيحيين. قبل بطرس الدخول إلى بيت كورنيليوس الوثني، بعد أن بشّره بالإنجيل. وعندما عاد إلى أورشليم عاتبه الإخوة على ذلك. “وسمع الرسل والإخوة في اليهودية أو الوثنيين هم أيضاً قبلوا كلمة الله. فلما صعد بطرس إلى أورشليم أخذ المختونون يخاصمونه، فقالوا: لقد دخلت إلى أناس غلف وأكلت معهم” (أع 1:11-3).

إنه ليس من النادر أن يعترض الأبرارُ أو بمعنى أدق مَن يعتقدون أنهم أبرار- تسامحَ الراعي وسعة قلبه وأفقه التي تؤدي به إلى البحث عن الضالين والخاطئين: إنهم يثورون على ذلك.

الأب وابناه (لو11:15-32)

إن مثل الأب وابنيه هو بدون شك أجمل أمثال ثلاثية الرحمة وأهمها: الرواية رائعة الجمال من الناحية الأدبية وشديدة الأهمية من الناحية اللاهوتية. كما أن هذا المثل هو أكثر الأمثال اكتمالاً وتدقيقاً على التفاصيل الوصفية، ومع ذلك ليس هناك أي عنصر لا غنى عنه. لذلك يقول عنه أحد كبار المفسرين وهو هـ. فيدر H.Weder: “لا يمكن حذف أي عنصر، مهما صغر، دون الإخلال ببنية المثل الأدبية بكاملها”.

ويتبين للقارئ أن الصورة المركزية والأساسية هي صورة الأب: الأب أمام ابنيه والابنان أمام أبيهما. لذلك نخطئ عندما نطلق على هذا المثل اسم الابن الضال، لأنه ضل أو الابن الشاطر لأنه شطر ممتلكات أبيه. الأب هو الشخص الذي يضفي على كل الرواية وحدتها. أمّا الموقفان، موقف الابن الأصغر وموقف الابن الأكبر، فإنهما يضادان أبوته الحقيقية ويناقضانها. إن ما يركّز عليه المثل هو الموقف الذي يتّخذه الله أمام ابنيه: الابن الخاطئ والابن البار، وموقف الابنين كليهما تجاه أبيهما. يبرز في الموقفين كليهما تناقض حاد وواضح. هذا هو الجديد، في التعليم اللاهوتي، الذي يضيفه المثل.

يجب، إذاً، أن نركّز كل الاهتمام على صورة الأب. إنه لا يكف عن حب ابنه الأصغر: الابن الذي ابتعد عنه وعن عنايته. إنه يظل ينتظره، لا يأبه بأنه بدّد ميراثه. أشد ما يؤلم الأب هو بُعد ابنه ومعاناته والصعوبات التي يتعرّض لها. وعندما يلمحه عن بُعد يُسرع نحوه “أسرع فألقى بنفسه على عنقه” (20:15). إنه لا يعاتبه ولا يلومه بل يحتضنه ويترك العنان لعواطفه الجيّاشة وفرحته الغامرة. كما يتجاهل الأب طلب ابنه “اجعلني كأحد أجرائك”. المهم أن هذا الابن فهم أنه أخطأ وعاد إلى أبيه. إنه يصدر أوامره القاطعة لعبيده: “أسرعوا فأتوا بأفخر حُلّة” (22:15). لا يطيق الحب التردّد ولا الإبطاء. أراد أن يفهم ابنه الذي عاد أن لا شيء تغيّر: إنه يظل دائماً الابن كما كان وهذا البيت يظل بيته.

هذا هو وجه الله الحقيقي الذي أراد يسوع أن يكشفه باستقباله الخاطئين. يعرف مستمعو المثل جيداً أنه كان باستطاعة الابن أن يطلب ميراثه، حتى قبل موت أبيه: كل ما يخصّ الابن الأصغر الثلث أمّا الثلثان فهما من حق الابن الأكبر، أي إن نصيبه هو ضعف نصيب الأصغر. كثرت في تلك الفترة هجرة شباب فلسطين إلى الخارج بحثاً عن الرزق. فقد فاق عدد يهود الشتات عدد اليهود المقيمين في فلسطين. عاش بالتأكيد عدد من السامعين خبرة ألم هذا الأب الذي تمزقت أحشاؤه حزناً على فراق ابنه. ولكن في المثل هناك ما هو أشد إيلاماً: سبب سفر الابن الأصغر ليس هو الضائقة المالية ولا البحث عن العمل، فأبوه غني ولديه حقول وعمال. كان هدفه من السفر هو الاستقلال والحرية: كان بيت أبيه، بالنسبة له، مثل السجن!

تحتوي صفحات الكتاب المقدس ابتداءً من تك3 مواقف عديدة، يدير فيها الإنسان ظهره لله، لأنه يعتبره سيداً متسلطاً مهتماً بذاته فقط، عدواً للإنسان وحريته: بالتالي وجوده مربك وضار والأفضل الابتعاد عنه. نستطيع أن نستشف بين سطور هذا المثل ذات المشاعر والأحاسيس والدوافع. ليست خطيئة هذا الابن الحقيقية هي طلب نصيبه من ممتلكات أبيه وتبذيره في الخلاعة. هذا كله هو نتيجة فكره واقتناعه أن بيت أبيه سجن، ووجود أبيه يحجمه ويذله، وبالتالي ففي الابتعاد عنه حرية وراحة. إن عودته لبيت أبيه، حتى وإن كان دافعها الأولي هو احتياجه وجوعه، لا تجد معناها الكامل في عرضه أن يعمل كأجير لدى الأب لكي يكفّر عن خطئه، بل في إدراكه أن الحياة في هذا البيت أفضل بكثير من الحياة خارجه.

يعرض المثل مسألة الابن حسب نموذج معروف: مسيرة- ابتعاد- عودة. يبدأ مع ابتعاده عن بيت الأب تدهور أحواله: تدب الفوضى في حياته، ويتعرّض للجوع ويضطر للعمل كأجير عند سيد وثني. وتصل المهانة قمتها عندما يضطر أن يرعي الخنازير. وتبدأ مسيرة العودة بتغيير باطني “فرجع إلى نفسه”: يفهم الابن أن منزل أبيه ليس سجناً، بل واحة حرية وكرامة. هكذا قام الابن بخطوة هامة جداً، ولكنه لم يصل بعد للتوبة الحقيقية. إن ما فعله هو مجرد مقصد حسن لا غنى عنه. تيقن الابن أن عليه أن يحاول إقناع أبيه باستقباله وقبوله: لذلك أعدّ صيغة الاعتذار الذي يعلن فيه استعداده للعمل كأجير. تعبّر هذه الكلمات عن صدق مشاعره الحقيقية، ولكنها، في نفس الوقت، تكشف أنه لم يفهم أباه بعد.

في الواقع ما يعرف الابن الأصغر أباه حق المعرفة، وهو بعيد عنه وحتى عندما يقرر العودة إليه. إنه مقتنع بأنه فقد حب أبيه، وعليه أن يعمل جاهداً لاستعادته مرة أخرى. ولكن الأب لم يكف أبداً عن حبه. وعندما طلب منه الابن الغفران لم يدعه يكمل: يسبق حب الأب ندم الابن وتوبته. يختلف الأب اختلافاً شديداً عمّا تصوره ابنه. إن فهم الأب ومعرفته على حقيقته هو التوبة الحقيقية.

تشير أفخر حُلّة والخاتم في اليد والحذاء في الرجلين أن مَن يرتديها هو ابن، ويقدمها له الأب فوراً. إنه يقدمها لا ليقول له: أصبحت مرة أخرى ابني، بل أنت ابني: كنت وستظل. إنه الخاطئ الذي يجب أن يدرك أنه ابن. يظل الابن الأصغر، يظل الخاطئ، في نظر الآب دوماً ابناً. كان من الممكن أن ينتهي المثل هنا. ولكن الرواية تستمر مقدمة لنا صورة الابن الأكبر: ابن مطيع ظل دوماً في طوع أبيه، في بيته. لقد قدّم الراوي ببراعة شديدة الذين تذمروا، في المثل، وجسّدهم في شخص الابن الأكبر الذي بدلاً من أن يشارك أباه فرحته ويسعد معه، يغضب: تماماً كما فعل الفريسيون والكتبة (2:15) الذين تذمروا على يسوع. إن هؤلاء الأبرار- وهم دائماً أمناء في الخدمة- مؤمنون، ولكنهم لا يعرفون الله.

ما استطاع الابن الأكبر أن يرى الأمور من منظور أبيه. إنه يرفض أن يشارك في حفلة أخيه الذي كان ضالاً فوجد. لا بل اعتبر هذا الاحتفال غير مبرر لا بل ظلماً لأمانته وطاعته وتفانيه في العمل، كما لو كان أبوه لا يعنى بهذه الأمور كلها. لقد أثارت فيه الحفاوة التي قوبل بها أخوه الأصغر الذي يتنكر هو لإخوّته، الإحساس المرير بأن تعبه وأمانته وطاعته ذهبت سُدى: “ها إني أخدمك منذ سنين طوال، وما عصيت لك أمراً قط، فما أعطيتني جدياً واحداً لأتنعم به مع أصدقائي” (29:15). إذا كانت هذه هي المعاملة التي يلقاها الخاطئ، فما جدوى البر؟ هنا يظهر البون الشاسع بين موقف الأب وموقف الابن الأكبر. إنه يغضب من أبيه ولا يريد دخول البيت. أمّا الأب فلا يغضب منه ويخرج من البيت ليلقاه ويرجوه الدخول ويدعوه “يا ابني”. يحب الأب ابنيه كليهما، ويصغي إلى اعتبارات ابنه الأكبر ويناقشه فيها ويتوقف المثل طويلاً أمام حوار الأب وابنه الأكبر، ربما لكي يذكّرنا أنه غالباً ما يكون اهتداء البار أصعب بكثير من اهتداء الخاطئ.

يحاول الأب أن يشرح لابنه البار هذا، الذي لم يبرح قط بيت الأب، ثلاثة أمور: إنه لم يحرمه من أي شيء يخصه “جميع ما هو لي فهو لك” (31:15جـ)، وأنه نعم بالأمان في كنفه “أنت معي دائماً أبداً” (31:15ب)، وأن الذي عاد هو أخوه لا شخص غريب “لأن أخاك كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد” (32:15). إنه الحب الذي دفع الأب أن يهرع لملاقاة ابنه الأصغر عند عودته، هو ذاته الذي دفعه لأن يخرج لملاقاة الابن الأكبر ولإقناعه بأن يكف عن عناده وأن يشاركهم فرحة عودة أخيه. يريد الأب أن يجمع الابنين معاً فيما يجمع كلاً منهما إليه. يريد أن يكتشف كلاهما أبوته وأخوتهما.

إن وضع الابنين مختلف جداً: الابن الأصغر خرج من البيت، أمّا الأكبر فظل أبداً فيه، ولكن يخطئ كلاهما في علاقته بالأب إذ يعتبرانه سيداً: “اجعلني كأحد أجرائك” يقول الأصغر؛ “ها إني أخدمك… وما عصيت لك أمراً” يقول الابن الأكبر. أليس هذا موقفنا من الله وتصرفنا معه؟!

الخروف الضال

يستعمل الإنجيلي في مثل الراعي (4:15-7) صورًا شائعة ومعروفة في الحياة في فلسطين، وكان باستطاعة يسوع أن يقول مثلاً “من منكم إذا …”، لأنه يدعو المستمعين إلى التأمّل في حقائق يعرفونها جيداً: حياة الراعي والتصاقه بالقطيع والأهمية التي يوليها حتى لخروف واحد ضاع منه. الله مثل الراعي، يهتم بجميع الخراف واحداً واحداً: إنه لا يتردّد في ترك تسعة وتسعين لكي يذهب للبحث عن الضال المفقود.

ما كان المثل غريباً على آذان المستمعين: فالراعي والقطيع أحد الموضوعات الكلاسيكية في الكتاب المقدس. فكم من مرّة استمع بنو إسرائيل في المجمع الفصل 34 من كتاب حزقيال، كما تابعوا تفسيرات الربيين له: الله هو الراعي الحقيقي، وهو بخلاف رؤساء الشعب الذين لا يبالون إلا بذواتهم ومصالحهم، يهتم بكل أفراد القطيع وخاصّة الأكثر احتياجاً “أبحث عن الضالة وأرد الشاردة وأُجبّر المكسورة وأُقوّي الضعيفة وأُهلك السمينة والقوية وأرعاها بعدل” (حز16:34). لقد سبق ولام الرعاة الذين لم يؤدّوا رسالتهم “الضعاف لم تقووها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردوها والضالة لم تبحثوا عنها، إنما تسلطتم عليها بقسوة وقهر” (حز4:34). يثبت يسوع، باستدعائه صورة الراعي من حزقيال، مهارة فائقة: يتفق استقباله للخطأة ومقتضيات الكتاب المقدس. وبالتالي تشكّك الفريسيين والكتبة بسبب أنّ تصرّفه هذا مناقض لأحكام الكتاب المقدس والذين يدّعون أنهم يتمّمونه، وبه يريدون إدانة يسوع والحكم عليه. إن المثل في حدّ ذاته، بغض النظر على خلفيته الكتابية، واضح ويعلن التعليم: يكفي أنه يلقي الضوء على بنيته ونقطه المركزية وبعض التفاصيل لكي نفهم ما يريد أن يعلنه.

سبق وذكرنا أن بنية المثل بسيطة للغاية وتقوم في مشهدين. والمشهدان معبران ولا غنى عن أيّهما، وإن كانت النبرة تقع أساساً على المشهد الثاني. يصف المشهد الأوّل مبادرة الراعي وبحثه عن الخروف الضال، وهو أمر أساسيّ لا غنى عنه لا في رواية المثل ولا في التعليم اللاهوتيّ الذي يقصده يسوع. ومع ذلك ليس لهذا المشهد معنى مستقل بذاته، بل يستمد معناه الكامل من المشهد الثاني. ويبرّر هذه إيجاز الراوي في عرضه. إذا عرض المثل اهتمام الراعي وانشغاله بالبحث عن الخروف الضال، فإنه يفعل ذلك لكي يقود إلى المشهد الثاني، مشهد سعادته بالعثور على الخروف الضال. هذا هو مركز المثل: عندما يعثر الراعي على الخروف الضال فإنه “حمله على كتفه فرحاً ورجع به إلى البيت ودعا الأصدقاء والجيران وقال لهم: افرحوا معي فقد وجدت خروفي الضال (لو5-6).

القاسم المشترك بين أزمنة الرواية الثلاثة في المشهد الثاني هو الفرح: فرح العثور على الخروف الضال وفرح الاحتفال مع الأصدقاء والفرح في السماء. الفرح في المثل هو فرح الراعي الذي يجد خروفه الضال. أما الفرح في الواقع فهو فرح يسوع عندما يرى أن الخاطئين يستمعون إليه، ويريد يسوع أن يُشرك الجميع في مشاعر فرحه هذه، وبدلاً من أن يشاركه الآخرون فرحه فإنهم يتذمرون عليه. يتجسّد فرح الله بعودة الخاطئين الذين يتوبون في فرح يسوع. هكذا يبرر يسوع، لاهوتياً، تصرّفه الذي يسبب تذمّر الكتبة والفريسيين ويعثرهم. إنه يستقبل الخاطئين ويفرح بهم، لأن الله نفسه يستقبلهم ويفرح بهم. إن تصرّفه هو نتيجة خيار لاهوتي: تصرّف يكشف أوّلاً وأخيراً عن الخلاص الذي يجريه للإنسان. فالمسألة الأساسيّة، هنا أيضاً، هي مَن هو الله؟ يسرد يسوع الأمثال التي تتكلّم عن الله ليرد بها على تذمّر الكتبة والفريسيين. لا يستطيع أحد أن يفهم تصرّفات يسوع إلاّ إذا كان يعرف مَن هو الله.

ويختم الإنجيلي المثل بنتيجة: “هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة” (7:15). هل هدف المثل هو الدعوة إلى التوبة؟ نستطيع أن نرد بالإيجاب، وإن كان تناوله للتوبة يتم بطريقة غير مألوفة على الإطلاق. لا ينظر إلى التوبة من جهة الخاطئ بل من جهة الله. إن التركيز كله على الله فهو الذي يبحث عن الخاطئ ويفرح بالعثور عليه، وليس على الخاطئ وما يجب عليه أن يعمل لكي يقبله الله مرة أخرى. حتى عندما يتناول يسوع موضوع بحث أخلاقي، التوبة مثلاً، فإنه يتخطّى الأطر الأخلاقية البحتة. وهنا أيضاً يتقدّم السؤالُ عن الله (مَن هو؟ وكيف يتصرّف؟) السؤالَ الأخلاقيّ (ماذا يعمل المرء لكي يغفر له الله؟). يا لها من طريقة عجيبة لتناول التوبة! ولكن يستطيع يسوع أن يتناولها بهذه الطريقة الغريبة لأنه يعرف الله وبالتالي يستطيع أن يكشف لنا جانب الأمر المستور والخفي: كيف يرى الله الأمور، لا كيف نراها نحن. يكرّر الإنجيل الشيء المعروف والمألوف!

عادة ما تكون الملاحظات الروائية في الأمثال نادرة وقصيرة، ولكنها لا تذكر أبداً مجاناً أو مصادفة. إنها دائمة هامّة وهادفة ويجب أن تؤخذ دائماً بعين الاعتبار وتُدرس وتُحلّل. يذكر الإنجيلي أن الراعي “يسعى إلى الضال حتى يجده” (4:15). إنه بحث دءوب صبور مثابر لا ينقطع لأي سبب. ولا يترك الراعي قطيعه في الحظيرة، حيث الأمان، بل “في البرية” (4:15): إن انشغاله بأمر الخروف الضال وهمه أن يجده يجبرانه تقريباً على إهمال باقي القطيع، وكأنه يهتم بالخروف الضال أكثر من باقي القطيع.

تبدو هذه التفاصيل مغايرة للعادات ولكنها ذات قيمة هامة. لا يدور الحديث عن راع وخروف، بل عن الله والخاطئين. إن الأب، وإن كان له أبناء كثيرون، يهتم بكل واحد وكأنه ابنه الوحيد، حتى وإن كان هذا الابن شريراً. هذا هو الحب الحقيقي، حب الله للإنسان. وقد يبدو القول إن قلق الراعي بسبب خروف واحد ضل (وبقي تسعة وتسعون)، وفرح الله بتوبة خاطئ واحد تاب (وهناك تسعة وتسعون باراً لا يحتاجون للتوبة)، أمر مبالغ فيه وغير منطقي بل يصل إلى الجنون، ولكنه في الواقع حقيقة ثابتة وأكيدة. فمنطق الحب، وهو منطق لا يخضع لقواعد التفكير، يتخطى كل واقعية. يفقد المثل، بدون منطق الحب هذا، كل قوته ويتحوّل إلى تشبيه عادي يعجز عن كشف سرّ الله. نفترض أن يدور النص حول راع فقد قطيعه كله وجدّ في البحث عنه، معنى هذا أن الله راع يبحث عن شعبه ولانزوت فرادة الإنسان وقيمة كل شخص، أي شخص. في عيني الله. إذا تمّ هذا لردّد المثل شيئاً معروفاً ومفروغاً منه وهو أن الله يحب شعبه، ولكن بدون إضافة أي جديد. واستمرت فكرتنا عن الله الفكرة الجامدة المستهلكة: إنه يعتبر التسعة والتسعين باراً أهم  وأغلى من الخاطئ. 

الدرهم الضائع

يبدو أن هذا المثل يكرّر المثل السابق بصورة أخرى. ففي المثلين البنية واحدة والموضوع هو ذاته وكذلك الخاتمة. إن هذا المثل يؤكد ويثبت السابق ولا يضيف عليه شيئاً. إن التكرار هو أسلوب هام جداً يلجأ إليه الراوي الماهر ليبلغ الأمور التي يرى أنها تهمه أكثر من غيرها. وإن استطاع أن يكرّر الموضوع مستخدماً صوراً مختلفة فإنه يضفي على تعليمه ثراءً وغنىً كبيرين. إنه ليس مجرد تكرار. يلجأ الإنجيلي إلى الصورة الجديدة لكي يضفي على البحث عن المفقود حيوية وقوة متزايدتين. لقد أسهب الإنجيلي في المثل في سرد تفاصيل العثور على المفقود لذلك فهو يركّز في هذا المثل على تفاصيل البحث “توقد سراجاً، تكنس وتجدّ في البحث حتى تجد” (8:15). إن الدرهم الضائع بالنسبة للمرأة، حتى وإن بقي لديها تسعة آخرون، ثمين للغاية. إذا كانت فقدتها كلها ما كانت تفعل أكثر ممّا تفعله الآن وقد فقدت واحداً فقط!

الوكيل الخائن (لو1:16-14)

يكرّس إنجيل لوقا الفصل السادس عشر كلّه لطريقة استخدام الثروة، باستثناء إشارات سريعة عن الشريعة (16:16-17) وعن الطلاق (18:16). واضح أن هذا الأمر حيوي للغاية في حياة الجماعة.

لقد أثار مثل الوكيل الخائن حيرة القارئين: كيف يقدّم الإنجيل وكيلاً خائنًا كنموذج ليتعلّم منه الناس؟ يحاول بعض المفسّرين، تفاديًا للصعوبات والحيرة التي يثيرها المثل، التركيز على المجتمع في فلسطين وعاداته وتقاليده. كان معظم مالكي الأرض الكبار أجانب وكان وكلاؤهم من مواطني البلد وكان هؤلاء يتمتعون بصلاحيات كبيرة وحرية واسعة: كان عليهم أن يؤمنوا نسبة ربح يتفقون عليها مع المالك، وبعدها كان باستطاعتهم أن يرفعوا الأسعار وتكون فروق الأسعار هذه كسبًا خاصًا بهم، كان هذا الأمر معروفًا ومتعارفًا عليه. بالتالي يكون الوكيل قد تنازل طوعًا عن ربحه أو جزء منه وذلك لكي يكتسب أصدقاء يساعدونه عندما يواجه المصاعب. إنه، وفي هذه الحالة، لم يُهمل واجباته تجاه سيده ولا أضرّ بمصالحه ولا تنازل عن حقوقه. يسمح هذا التفسير بفهم مديح السيد “فأثنى السيد على الوكيل الخائن لأنه كان فطنًا في تصرّفه” (8:16أ). ولكن هذا التفسير غير مفيد، وذلك لأن المثل لا يُركّز على الوسيلة التي يكتسب بها هذا الوكيل الأصدقاء. يقوم مغزى المثل ومركزه في الملاحظة “وذلك لأن أبناء هذه الدنيا أكثر فطنة مع أشباههم من أبناء النور” (8:16ب)، وبالتالي لا يجب إعطاء المثل عنوان الوكيل الخائن أو وكيل الظلم كما اعتدنا، بل إعطاؤه عنوان “الوكيل الذكي”.

يريد المثل أن يبهرنا بسرعة بديهة الوكيل وحذاقته، فهو يسعى بدون أي إبطاء إلى تأمين حياته ومستقبله. إنّه، بمجرد ما يشعر أن مستقبله مهدد بالخطر، يظهر حذاقة بالغة ومهارة فائقة ويدير دفة الأمور لصالحه. أفلا يجب أن يتحلّى المسيحي أيضًا بهذا الاستعداد وسرعة رد الفعل والمهارة حتى يضمن لذاته ملكوت الله؟ تشير كلمة “فرونيموس” صفة هذا الوكيل، في اللغة اليونانية والتي غالبًا ما تتم ترجمتها بـ”الحذر” الواعي إلى مجموعة خصائص: وضوح الرؤية وتقدير جسامة الموقف والمبادرة باتخاذ اللازم واغتنام الفرصة التي قد لا تتكرّر مرة أخرى.

يظل حتى الآن تعليم هذا المثل عامًا. إنه يؤكّد على قيمة الحزم، ولكنّه لا يفصح عن المناسبات التي يجب العمل فيها بحزم. إنه يظل منفتحًا على عدّة مجالات يمكن أن يُطبّق فيها. يقتصر المثل على حثّ أبناء النور أن يتحلّوا بالتصميم على أهدافهم ومصالحهم كما يفعل ذلك أبناء هذه الدنيا. لا نعرف إذا كان يسوع قال المثل، لكي يعطي تلاميذه هذا التعليم العامّ، أم أنّه طبّقه على ظرف محدّد. على أي حال لا يريد إنجيل القديس لوقا أن يظل التعليم عامًّا ومبهمًا، لذلك يوجّهه إلى ظرف محدّد وملموس ويحتل لديه أهمية خاصّة: كيفية استخدام الثروة. لذلك يورد، بعد المثل، على لسان يسوع ثلاث عبارات، كانت على الأرجح مستقلة بعضها عن بعض، القاسم المشترك بينها هو المال (9:16،11،13).

يبدو أن العبارة الأولى تنطلق من فكر الوكيل الماهر “قد عرفت ماذا أعمل حتى إذا نُزعت عني الوكالة، يكون هناك من يقبلونني في بيوتهم” (5:16) وتبدو كأنه تطبيق رسمي مباشر للمثل “أنا أقول لكم: اتخذوا لكم أصدقاء بالمال الحرام، حتى إذا فُقد، قبلوكم في المساكن الأبدية” (9:16). يرى عدد كبير من المفسرين أن اتخاذ أصدقاء بالمال الحرام يعني مساعدة الفقراء: الأصدقاء هم الفقراء، أصدقاء الله والذين يجب أن يصبحوا أيضًا أصدقاءنا. بينما يرى مفسرون آخرون أن الأصدقاء هم الاستحقاقات لدى الله، أو الله ذاته. على أي حال لا يمسّ اختلاف المفسرين جوهر تعليم المثل. هناك طريقة واحدة يكون بها المرء حاذقًا مثل الوكيل في المثل: تسخير الثروات والممتلكات لمساعدة المحتاجين. يقصد لوقا بالتحديد الصدقة، وهي من الموضوعات التي يركّز عليها كثيرًا (را 40:11؛ 33:12؛ 8:19؛ رسل 36:9؛ 2:10،4،31؛ 29:11؛ 17:24). 

تنقل عبارات المعلم الثانية (10:16-12) الاهتمام من واجب الصدقة إلى واجب الأمانة في إدارة ممتلكات السيد وتدبيرها “من كان أمينًا على القليل كان أمينًا على الكثير أيضًا. ومن كان خائنًا في القليل كان خائنًا في الكثير أيضًا. فإذا لم تكونوا أمناء على المال الحرام، فعلى الخير الحق من يأتمنكم؟ وإذا لم تكونوا أمناء على ما ليس لكم، فمن يعطيكم مالكم؟” (10:16-12).

يُلقي هذا القول بالظلال على الوكيل وتصرّفه: لا يجب الاقتداء به في عدم أمانته. ربما يقصد لوقا أن يوجّه تعليمًا محددًا، في ظرف ملموس، لمسئولي إدارة أموال الجماعة. ويظهر القول الثالث أنّه لا يمكن الاهتمام، في آن واحد، بالله والمال “ما من خادم يستطيع أن يعمل لسيدين، لأنه إمّا أن يبغض أحدهما ويحب الآخر، إمّا أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر، فأنتم لا تستطيعون أن تعملوا لله والمال” (13:16). يؤكّد هذا القول، بطريقة غير مباشرة، أن المال غالبًا ما يريد أن يتسلّط وغالبًا ما ينجح في هذا المسعى.

يُطلق المثل على الوكيل صفة الخائن (8:16)، ولكن تطبيق المثل ينقل الصفة السلبية إلى الثروات “المال الحرام”. فلماذا يتم هذا التغيير؟ لسبب بسيط. غالبًا ما يكتسب المال بالظلم وأكثر من ذلك فهو يتحوّل إلى وسيلة ظلم. كما أن المال يعمي البصر والبصيرة كما يظهر في مثل الغني والفقير (لو19:16-31). سبق ورأينا في تفسير مثل الزارع أن فتنة الغنى تُخفق الكلمة (را مت 22:13ب). ليس هذا التحذير من الغنى شيئًا جديدًا. إذ حذّر منه كتاب يشوع بن سيراخ “بين الحجارة المتراصة يغرز الوتد وبين البيع والشراء تنسل الخطيئة” (سي 2:27)، كما يقول نفس الكتاب في موضع آخر “لا تعتمد على أموال الظلم فإنها لا تنفعك شيئًا في يوم الشدة” (سي8:5). يزود التأكيد الأخير بمبرر آخر لإنفاق المال بالحرام: المال خداع، إذ أنه يعد ولا يفي بما وعد به. إنه بعد أن يحوز على ثقة المرء يخذله. لذلك يجب الحذر منه.