stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عن الكنيسة

جذورانشقاق الشرق والغرب-قمص/إسكندر وديع

500views

download000

تم الإنشقاق الأول الداخلي الذي حدث في الشرق سنة 451 بين مؤيدي مجمع خلقيدونية ومعارضيه . وكان سبب الاختلاف في التعابير اللاهوتية عن طبيعتي السيد المسيح . ولم تتأصل هذه الاختلافات اللاهوتية الدقيقة في عقول العامة  إلا  بفضل  ما  أثير  حولها  من  نعرات  قومية  وطنية  تحمّس  لها  الأقباط  والسريان والأرمن، وهدفها مقاومة دولة الروح المستعمرة.

وبقي الملكيون والبيزنطيون وحدهم- وهم من أنصار مجمع خلقيدونية- مشتركين مع روما والغرب في وحدة الكنيسة الجامعة. وكانت دعائم هذه الوحدة الإيمان بالمعتقدات نفسها التي أقرتها المجامع المسكونية ، والاشتراك في الأسرار الكنسية ذاتها، والاعتراف بأسبقية البابا بين مصاف البطاركة الخمسة وبزعامته العليا.

وكانت هذه الوحدة الدينية تقبل كثرة الطقوس وتعدّد مظاهرها، واختلاف التشريعات الكنسية في تفاصيل الأمور، كما أنها لا تتنافى مع الاستقلال الإداري الداخلي الذي كانت تنعم به كلّ من البطريركيات الخمس.

ولم يكن البابا يمارس سلطته الروحية في الشرق إلا في ظروف خاصة يقتضيها الدفاع عن صحة المعتقد وتدعو إليها المجامع المسكونية ، والنظر في الدعاوي الهامة التي تُرفع إليه. فكانت الكنيسة تتلاءم مع أطباع كل من الشعوب المسيحية وأنظمتها الخاصة. وكانت هذه الشعوب كلها تساهم بنشاطها وتكامل إيمانها في تقوية وحدة الكنيسة وإنماء ثروتها الروحية.

إلا أنه كانت هناك منذ البدء عوامل خفيّة تهدد الوحدة المسيحية بالإنشقاق وليست هذه العوامل كما يظن البعض اختلاف الطقوس واللغة واستقلال البطاركة الشرقيين من الناحية الإدارية. إن هذه الأمور التي تميّز الشرق عن الغرب لهي ضمان للوحدة المسيحية داخل نطاق المحبة.

لكن العوامل الحقيقية التي فصلت الشرق عن الغرب تعود كلها إلى أمر واحد. وهو أن الشرق كان يفهم الحياة الكنسية بمعنى مختلف عن الغرب وبأسلوب آخر، كانت نظرة الشرقيين إلى البابا والإمبراطور تختلف عن نظرة الغربيين إليهما(1)

.1) فالشرقيون يعترفون بسلطة البابا .  ولكنهم يعتبرونها  سلطة  عليا بعيدة . لا تتدخل في شؤونهم الخاصة إلا في ظروف معيّنة  جددتها الأحداث التاريخية : وأما  الغربيون فكانوا يعتبرونها سلطة مباشرة ، متواصلة ، يمارسها البابا في كل وقت وفي كل مناسبة بحق إلهي . ومن المؤسف أن هذه القضية الهامة في حياة الكنيسة لم يوضحها مجمع ما في وقت كانت فيه الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية تنعمان بالوئام والصفاء . لقد درس الآباء المجتمعون أموراً أقل منها أهمية ، ولم يتطرّقوا إليها قط. فانشقت الكنيسة ولما يبحث فيها مجمع مسكوني.

2) كان الإمبراطور البيزنطي يتدخل في الشئون الدينية تدخلاً متواصلاً. فيصدر المراسيم العقائدية، ويدعو إلى المجامع المسكونية، ويسّن القوانين الكنسية، وينصب البطاركة ويعزلهم. فيتصرف في الكنيسة وكأنه رئيسها ومصدر الوحدة الدينية في الإمبراطورية . أما في الغرب ،  فكان  البابا  هو الذي يحدد القضايا الدينية بسلطته الرسولية التي استمدها من السيد المسيح، ويمارس مهام الوحدة في الكنيسة فيشعر الناس بأنه هو المسؤول الأول عن كيان الكنيسة جمعاء وعن وحدتها المنظورة. لقد ارتبطت الكنيسة الغربية بالبابا كما ارتبطت الكنيسة الشرقية بالإمبراطور. وهذا ما سبّب في الكنيسة الجامعة إصطدامات كثيرة بين الإمبراطور والبابا. شقتها إلى شطرين، مرات متعددة. وكانت هذه الإنشقاقات تزول وتعود الوحدة إلى مجراها الطبيعي. وكانت هذه الوحدة في أمان ما دامت الإمبراطورية الرومانية قائمة تجمع بين شطري الكنيسة الشرقي والغربي، فلما إنقسمت الإمبراطورية نفسها وانفصلت عنها الشعوب البربرية في الغرب، أصبحت الوحدة المسيحية في خطر عظيم. وجاء وقت إنحلت الوحدة فعلاً وانشطرت الكنيسة الجامعة شطرين متنافسين.

تطبيقاً لهذه المبادئ نسرد بعض الأحداث التاريخية التي سبّبت إنفصالات ولو مؤقتة بين الكنيستين:- بسبب إتساع الإمبراطورية وصعوبة إدارتها قسّم الإمبراطور ديوكلسيانوس سنة 285 الإمبراطورية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية والإمبراطورية الغربية. وأضاف إلى كل إمبراطور مساعداً باسم قيصر: ثم سقطت روما على يد الغزاة البربر سنة 455.

وظل الإمبراطور الشرقي يحمل إسمياً لقب إمبراطور الإمبراطورية الرومانية. محافظاً بذلك على الوحدة السابقة . إلا أن البربر بعد هدايتهم إلى المسيحية طالبوا أن يكون لهم إمبراطور غربي وتوّج البابا لاون الثالث شارلمان إمبراطوراً على الغرب سنة 800م. مما أثار حنق الشرقيين. وتدخّل شارلمان في الأمور الكنسية طالباً من البابا لاون الثالث إضافة التعبير “الروح القدس المنبثق من الآب والابن” إلى قانون الإيمان. كذلك وقف شارلمان في وصف محطمي الصور مقاوماً المجمع المسكوني نيقيا الثاني سنة 787 الذي أقرّ إكرام الصور لا عبادتها.

– وقبل هذا  التاريخ  تمت  خلافات أخرى بمناسبة مجمع القبة سنة 692 الذي إنعقد في القسطنطينية وطعن هذا المجمع الذي لا يدخل في نطاق المجامع المسكونية في التقاليد الأرمنية وكذلك في التقاليد الرومانية : كإلزام  الكهنة بالعزوبية وفرض الصيام يوم السبت وذلك تحت طائلة الحرم الكنسي. وأقرّ القانون 36 أن للقسطنطينية، روما الجديدة – الامتيازات نفسها التي تمتعت بها روما القديمة، ولها امتيازاتها في الشئون الكنسية. فأبى البابا سرجيوس، مع كونه شرقي الأصل، أن يصادق على هذا المجمع ولم يرض أن يفرض المجمع تقاليد الشرق على الكنيسة جمعاء. وأن تتساوى روما والقسطنطينية في الشؤون الكنسية. وظل هذا المجمع في عُرف البيزنطيين مجمعاً مسكونياً فاستندوا إلى  قراراته  مراراً لينتقدوا تقاليد الغربيين وعاداتهم.

– كذلك تسرّبت إلى روما في أواسط القرن التاسع مفاهيم جديدة للسلطة البابوية جعلت منها سلطة تتنافى مع الفكرة التي إكتسبتها القسطنطينية في إستقلالها الإداري. وأصبحت البابوية في القرن العاشر ألعوبة بأيدي الحكام الزمنيين وأباطرة الحرمان خصوم البيزنطيين فضعفت هيبتها في نظر الشرقيين وطغت قوى الانفصال على عوامل الوحدة.

كل هذه الأحداث ولو بسيطة في حدّ ذاتها تدل على وجود تيار فكري في كلتي الكنيستين بعدم الثقة في معتقد الكنيسة الأخرى. وهذا التيار لا يبشر بالخير في سبيل الوحدة.   

عن مجلة صديق الكاهن 1/ 1999