stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

جروح الحياة ومسيرتنا الروحية

738views

جروح الحياة ومسيرتنا الروحية 2

 

للآب هاني باخوم

          جروح الحياة، نعم عثرة أسقطت كثيرين في المسيرة الروحية و أخفت وجود الله أو شوهته لآخرين، هكذا أكدنا في المقالة السابقة.  هي قوة مسيطرة تكمن سيطرتها في مدى جهلنا بها وعدم رغبتنا في مواجهتها وتفقد سيطرتها علينا بالتأمل فيها على ضوء كلمة الله الشافية. بل وتتحول لقوة تدفعنا في الطريق. هذا ما يؤكده أباء الصحراء.

          في المقالة السابقة رأينا أن هذه الجروح قد تكون وسيلة كي نتعرف بها على أمراضنا العميقة وعلى الأمور التي لا أتقبلها في ذاتي أو في الآخرين. وسيلة كي أتعرف على الأوهام التي بنيتها عن حياتي أو عن الآخرين وكيف يجب ان يكونوا . الجروح قد تقدم هذه الخدمة وهي إسقاطي من هذا الفردوس المزيف والوهمي الذي بنيته لنفسي كي اهرب مرات عديدة من واقع لا أود أن أراه أو أواجه.

          وهنا نتقدم خطوة إلى الأمام. هذه الجروح قد تتحول إلى قوة تدفعنا وبقوة إلى الرب والى تحقيق مشيئته. كيف؟

          فحص الأفكار. نعم يؤكد ايفاجريو أن الوسيلة القوية كي نتحرر من جروح الحياة بل ونحولها الى قوة هي ان نفحص أفكارنا باستمرار ونفهم من أين تأتي، فيقول: يجب علينا ان نفحص أفكارنا مثل الحارس على الباب ونسأل كل فكرة قبل ان نستقبلها في قلبنا: هل أنت من أحبائنا ام من أعدائنا؟ اذا كانت من أحبائنا ، من عند الله، ستمنحنا هذه الفكرة سلام وفرح وطمأنينة وتوبة، وإذا كانت من عدونا ، من إبليس، ستمنحنا الحزن والغضب والشهوة. (رسائل 11).

          نعم هكذا يؤكدوا الآباء على أهمية فحص الأفكار والتمييز عليها. فلا يجب أن نخاف من أفكارنا، لا يجب أن نطمسها، ولا يجب أن نخجل منها. من المهم أن نمييز عليها ونفهم هل هي من الله أم لا. وإلا هذه الأفكار، وان كنا نخجل منها ولا نتحدث عنها أبدا، ستسمر في قيادتنا بدون إدراك. لكن فضحها وإعلانها يفقدها قوتها.

          ايفاجريو يساعد احد الرهبان، دائما حزين،  فيقول له: قل لي يا أخي، أي جملة تتكرر على بالك وفي ذهنك طوال اليوم؟ فيرد الراهب :”لا احد يحبني، لا احد يعتني بي”. وهنا يفهم الراهب، أن سبب حزنه المستمر هو قبوله لهذه الفكرة، قبوله لهذه الجملة. هو مقتنع بذلك. لأنه منذ الصغر شعر برفض والديه، او باهتمامهم بالآخرين أكثر منه. هذا الجرح أنتج له هذه الفكرة المستمرة والدائمة. وهو كل يوم يؤكد عليها ويقبلها، فيجعل هذا الرفض واقع أيضا اليوم. مات الوالدين، ولكنه مازال يشعر بهذا الرفض حتى الآن، لأنه يقبل الفكرة. فيقول له ايفاجريو: كل مرة تأتي هذه الفكرة ردد بصوت عالي وقل “الرب راعي فلا يعوزني شيء”.

          وهنا يفهم الراهب أن هذا الجرح وهذه الفكرة هي إمكانية كي يتأمل أكثر في حب الله. أن هذا الحب الذي ينتظره، لن يجده إلا في الحبيب الوحيد، يسوع المسيح. هذا الصليب، هذا الرفض، دفعه كي يعرف الرب كراعي.

          هنا يفهم الراهب ويؤكد ايفاجريو أن هذا الجرح قد يساعدنا كي نبدأ أن نتأمل في حب الله لنا. وهنا نصل الى بداية الحياة الروحية والمسيرة المقدسة، التأمل في الله، ان ننزع أنظارنا من على أنفسنا ومن على الآخرين، ونتأمل في الله. يقول الرب لبطرس، مالك وماله، أنت اتبعني .  ففي التأمل والصلاة هناك إمكانية كي نستريح من جراحنا ونجد معنى لها.

          هذا التأمل  يهدف ليس فقط الى شفاء جراحنا بل الى معرفة الله، والتي هي أجمل بكثير من أي شي أخر جميل. فهو الوحيد القادر ان يملأ كيان الإنسان، مكرس او متزوج. هو الوحيد القادر ان يملا كل فكر ومشاعر وأحاسيس ورغبة. فليس الهدف الشفاء، بل معرفة الرب. شفا المسيح عشرة برص، لكن واحد فقط رجع وشكر الرب. واحد فقط فهم أن هناك أهم من أن نشفى. نعم، ان نعرف الشافي. التسعة اكتفوا بالشفاء. وهو وجد الشفاء الحقيقي.

          معرفة الرب والاتحاد به لا يمكن ان يمنعنا عنها حتى جروح الحياة، بل بالأحرى قد تكون وسيلة لتدفعنا لمعرفته أكثر.

 

أيام مباركة.