stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

حروب روحية-خوذة الخلاص-لواء/سمير قلادة

754views

prحروب روحية-خوذة الخلاص-لواء/سمير قلادة

فكرة الخلاص كما وردت في “معجم اللاهوت الكتابي” لها مجالات عديدة. أما في نطاق موضوعنا الحالي عن الصراع فإننا نركّز على المفهوم الآتي: أن ينتشل المرء من خطر كاد يهلك فيه. وبحسب طبيعة الخطر تقارب عملية الإنقاذ الحماية أو التحرير أو الفداء أو الشفاء. وتقارب عملية الخلاص النصر أو الحياة أو السلام. إنه أحد المظاهر الجوهرية لعمل الله على الأرض . وقد جاءت كلمة الخلاص في عدة أماكن من الكتاب المقدس ومنها أن عمل الله على الأرض هو أن يخلص البشر. وأن المسيح هو مخلصنا (لو11:2). والكتاب المقدس “يقدم الخلاص لكل مؤمن” (روم 16:1) وفي موضوع صراعنا مع عدو الخير جاءت عبارة.. خوذة الخلاص. باعتبارها أحد أسلحتنا وهي تدخل ضمن سلاح الله الكامل. خوذة الخلاص الخوذة هي ما يضعه المحارب على رأسه. هي سلاح واقي يحمي الرأس ضد الضربات المختلفة وهي من أهم الأسلحة الدفاعية. ولا شيء يقي رأس المؤمن (الفكر) أكثر من ثقته بأنه ابن لله، مفدي بالدم الكريم متمتع بخلاص الله، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

فهو من جهة الماضي مغفور الاثم، مصالح مع الله بموت ابنه، مولود من الروح القدس. وهو من جهة الحاضر يعيش في ستر القدير وتحت ظل جناحيه. وهو من جهة المستقبل محروس بالإيمان لخلاص سيعلن في الزمان الأخير. المؤمن لا يحارب من أجل قضية خاسرة.. بل هو يحارب واثقاً من حاضره السعيد ونهايته المجيدة.. “لقد جاهدت الجهاد الحسن. أكملت السعي. حفظت الإيمان وأخيراً وضع لي إكليل البر الذي يهبه الله في ذلك اليوم” (2تي 7:4-8) . ما يمكن قوله… كما هو الشأن في كل ما يتعلق بأحكام الرب وحكمته. هناك الكثير مما يمكن قوله في هذا المجال.. وحتى يتمسّك الإنسان بالإيمان بخلاص الرب له أي إنقاذه من شرور وهجمات عدو الخير على نفسه، من أجل ذلك يجب أن يكون الإنسان مختبراً لخلاص الله . ولعل أفضل ما يعين على تذوّق خلاص الله هو انتظاره كقول الكتاب. مَن ينتظر الرب لا يخزى.. وقوله.. “انتظر الرب تقوّ وليتشدد قلبك وانتظر الرب” (مز26) وأن يردد قوله “الرب نوري وخلاصي من أخاف”.

وحتى لا ينفذ صبر من ينتظر الرب، فمن الأفضل له أن يتشاغل بالعمل، لاسيما عمل الخير، مع الدعاء والتأمل، حتماً يأتي إليه الخلاص، إنه يأتي حتماً إلى أعماق النفس التي يحاول عدو الخير أن يسيطر عليها. فيبدد منها تدريجياً المشاعر الأليمة التي يحاول عدو الخير أن يسيطر بها على النفس ويقهرها. إنه عادة يأتي كما يأتي الفجر. يكون في البداية شعاعاً ضئيلاً لا يقوى على تبديد الظلام، لكنه يبشر بمزيد من النور. من أقوال القديس أغسطينوس  يقول القديس أغسطينوس “المسيح أخذ منك جسده، ومنه أخذ لك الخلاص. منك أخذ لنفسه الموت ومنه أخذ لك الحياة، أخذ منك الإهانات ليعطيك الأمجاد. وأخذ التجربة ليعطيك النصر. إنك تفكر غالباً أنك وحدك. لا تظن نفسك وحيداً متى كان المسيح حاضراً في قلبك بالإيمان. لقد خلّص من الأتون الفتيان الثلاثة، وهل تخلى عن المكابيين؟ لقد خلّص هؤلاء وهؤلاء.

بشكل منظور ساعد الفتيان الثلاثة، وسرا ساعد المكابيين فمنح الأولين الحياة الزمنية ليخزي الكفرة، ومجّد الآخرين سراً ليشجب المضطهد الأثيم” . 

الخلاصة أن العدو إذ يوجّه السهام نحو الرأس ليصيب العقل فإن الخوذة تحمي هذا الرأس وتشترك مع سائر الوسائل الدفاعية حتى ينهزم العدو… كقول القديس أغسطينوس أيضاً.. احتقر المجرب وكبرياؤه. إن دفعته عنك وراقبت رأسك عجز عن الدخول إلى قلبك.. قد يحاصر مدينة محصنة لكنه لن يتمكن من الاستيلاء عليها.. سوف يستمر في الضرب لكي يهاجم أما إذا وجد الباب موصداً فسوف يمر عابراً. وعلى الإنسان أن يثق أن الرب حتماً سوف يتدخّل وينقذه مادام بالصلاة يجاهد في قوة، وينتظر الرب في ثقة، ويرفض الاستسلام. وحتى لو سقط مرة أو مرات ينهض ويبدأ من جديد. معونة الرب تتجلى حتماً في أعماق النفس، إنها تشرق فيها بالنور وتمنحها القوة. إن هذا اليقين الراسخ بحتمية تدخّل الرب بالنور والقوة. هو بمثابة “الخوذة” التي تصد هجمات العدو التي قد تشكّك في إمكانية معونة الرب. كذلك كثيراً ما يقرع الرب باب القلب ليطلب من الإنسان أن يأتي إليه لنيقذه ويحرره فمن يستقبله ينقذه ويحرره… يحرره جسداً ونفساً. مثال عن الخلاص من سيطرة عدو الخير إن عدو الخير لا يكتفي بأن يغرّق النفس في اليأس والظلام، بل أيضاً يتمادى لكي يهلك النفس والجسد معاً، لكن لولا الظلام ما عرف الإنسان نعمة النور، كذلك لولا قسوة ووحشية عدو الخير ما عرف الإنسان قيمة معونة الرب وإنقاذه ومن أدرك الفرق بين الوحشية والرحمة..

لن يقبل الرجوع إلى الوحشية ويتمسّك بالرحمة. وهذا ما نتحدّث عنه : شابة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، أغرقها عدو الخير في ظلام اليأس فاتجهت إلى النهر لتلقي بنفسها فيه.. وتبدأ قصتها قائلة… كان والدي رجل أعمال، مشغول جداً عن عائلته، وكانت لنا مكانتنا الاجتماعية، كما كنا أعضاء نشطاء في الكنيسة، لكن كانت تنقصنا المحبة، وكنت أنا طفلة عليلة. كان أكثر ما يشقيني خوفي على والدتي من أن تموت لكن ما تخوفت منه حدث. وماتت أمي. كانت هي التي تمنحني الأمان وتهتم بي. ورُحت أتساءل كيف أستطيع أن أواجه المستقبل وليس لي من يهتم بي. كيف أستطيع مواجهة هذه الدنيا الصعبة بمفردي وأنا سقيمة. إن والدي مشغول دائماً ولا يكاد يشعر بي وبما أحتاجه، يريد أن أواجه الحياة بمفردي. من خلال هذا التفكير تملكني شعور بالمرارة. وتصورت أن الدين هو مجرد عقار مهدئ… في السنوات النهائية من دراستي الجامعية حاولت أن أدفن أحزاني في دراستي ومع ذلك ظل الشك يسيطر على أعماقي لدرجة أنني رفضت الاستماع إلى نصائح وإرشادات إحدى زميلاتي لكي أعود وأتجه إلى الله. 

في هذه الأثناء خفق قلبي بمحبة مدرس اللغة الفرنسية لاسيما وقد أظهر نحوي اهتماماً، وبدا الأمل يملأ نفسي، لكن اهتمامه زال بعد فترة. داهمني يأس من الحياة وفكّرت في الانتحار لكن الخوف منعني من ذلك. واصلت دراستي في الجامعة للحصول على مؤهل عالٍ طاعة لأمر والدي. في عام 1941 والحرب العالمية الثانية تدور رحاها تعرّفت على طيار شاب، ربطت المحبة بين قلبينا، قررنا إتمام الزواج عقب انتهاء الحرب. ثم سافر خطيبـي للحرب.. انقطعت خطاباته أشهر طويلة. في نهاية عام 1942 كتب يقول لي أنه سوف يعود بعد حوالي ستة أشهر لنتزوج.. لكنه لم يعد. في يوم 4 يناير 1944 وصلتني برقية تقول أنه مفقود.. لقد سقطت به الطائرة عندما اصطدمت بجبل بسبب سوء الأحوال الجوية. كانت الصدمة قاسية وعنيفة وحرقت أعصابي، سيطرت عليّ الأحزان تماماً وأحكمت قبضتها عليّ، اتجهت إلى الخمر على أمل النسيان، وفعلاً كانت الخمر تعطيني قدراً من الهدوء.. والضياع.

انحرفت عن طريق الصواب. لم تعد الحياة لها قيمة إلا أنها طريق للموت. رأيت أن أستمتع بها قبل أن تنقضي. وبدأت المبادئ والقيّم التي عرفتها وعشت فيها تنهار وتضيع. أيقنت أنني أسير في طريق الدمار. لم يكن في مقدوري أن أسيطر على نفسي. وفي هذا الطريق كنت أرى كثيرات في حالة بؤس ويأس بصورة أعمق وأشد منى، وتصورت أنني حتماً سوف أكون يوماً مثل أي واحدة منهن، لكني مع بقية من كرامة قررت أن أقتل نفسي قبل أن أصل إلى مستوى أولئك اليائسات. لم يكن أمامي طريق آخر. اتجهت إلى النهر لألقي بنفسي فيه، لم أفكر سوى في حياتي اليائسة، لم أكن أصغي إلا لأفكاري المعذبة. تملكني شعور واحد طغى فوق كل شيء آخر. يجب أن أضع نهاية لكل شيء، وصلت إلى حافة النهر، وجلست فوق حجر أنظر حولي، ثم نهضت واتجهت نحو الماء. وفجأة لفت نظري شيء ما، رأيت على الضفة الأخرى للنهر شجرة عالية يبدو من داخلها ضوء القمر. يبهرني منظرها.. تذكرت أبيات شعر تقول..

الله فقط هو الذي يستطيع أن يصنع شجرة. قلت لنفسي أن هذه الشجرة لم توجد صدفة، الله فقط يستطيع .. الله فقط.. إنه هو الذي صنعني وخلقني. رفعت وجهي نحو السماء وصرخت من أعماقي يا إلهي إني أؤمن أنك صنعت هذه الدنيا وهذا الكون وهذه الشجرة أؤمن أنك صنعتني، وأنا صنعت من حياتي فوضى ولا أستطيع أن أقوّم اعوجاجها. إني أسألك أنت أن تقوّم اعوجاجها. عندئذ غمرني شعور بالسلام.. وعندما عدت إلى المنزل نمت نوماً عميقاً. انتقلت إلى مسكن آخر. تعرّفت على فتاة مؤمنة حدثتني عن يسوع،

بدأت أدرس الكتاب المقدس، أستمع إلى البرامج الدينية.. دعوت الله أن يحررني أيضاً من إدمان الخمر.. واستجاب لي.. وعرفت قوته في تخليصي من أغلال عدو الخير في ظل الرب وجدت القوة والأمان وذلك كل ما أحتاج إليه في هذا العالم.. وفي الحياة الأبدية . تعليق لقد سيطّر عليها اليأس. وخدعها عدو الخير. أدمنت الخمر وانحرفت. نسيت الله. عاندت السماء. ساءت حالتها أكثر. عندما أدركت بالفعل قوة الرب في اللحظة الأخيرة تغيّرت حالتها واستغاثت، ونجت من الهلاك. وبقوة الصلاة تحررت وخلصت من الأغلال. عندما استنار الفكر بالإيمان، دفع أغلال اليأس والشك والإدمان بمشاعر السلام والرضاء ساعتها يعرف الإنسان أنه انتصر. وبالعقل يحتمي من المخاطر. بعد تذوق حلاوة الحرية مع الرب لن يعود يقبل قيود العبودية لعدو الخير، ويستطيع أن يدعو من أنقذه في الوقت الذي يشعر فيه بمحاولات عدوه لكي يكبله مرة أخرى.