stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

حوار فوق الجلجثة-الأب/ أنطون فؤاد

1.4kviews

10_04حوار فوق الجلجثة-الأب/ أنطون فؤاد

بعد أن هدأت الزلزلة، وعادت الشمس تعطي ضياءها، وهدأ الكون ورأى الجميع حجاب الهيكل وقد انشق. تشجّعت أن أخرج من مكمني، وراودتني فكرة الصعود للجلجثة لرؤية مَن تعاطفت الطبيعة معه فتمرّدت على قوانينها لتعلن حدادها لموته.

أيقنت في مكمني أنه لم يكن إنسانًا كسائر البشر وأن حكم موته لم يكن عادلاً، وأن صالبيه قساة القلوب قد ارتكبوا الخطأ الفادح، تسلّقت الجلجثة ممنيًا نفسي أن أراه حتى ولو كان مائتًا، قُلت سيدرك ندمي ويغفر لي خوفي، ويده الشافية وإن كانت مائتة سترفعني من أمراض قلبي وترد لي الحياة.

صعدت فوجدت يوسف الرامي قد سبقني وأخذ جثمانه للدفن، حزنت وأنّت أحشائي فيّ. وجدت صليبه منصوبًا واقفًا وأثار دمائه تلطّخه ونظرت أسفله فوجدت المسامير وإكليل الشوك والحربة مسنودة عليه.

جلست على صخرة في مواجهة صليبه والدموع تملأ عينيّ وقلبي ينفطر ألمًا على هذا البار الذي لم أدرك ماهيته إلاّ بعد موته.

نظرت للصليب لائمًا، كيف تجرؤ يا صليب العار أن تكون سبب موته؟ كيف تسمح لقساوتك وخشونتك أن تجرح جسده البار؟ أما هالك ما يقاسيه من أوجاع وهم يجذبوه بالكد العظيم ليسمّروه عليك؟ أما تألمت لرؤيته ساقطًا تحتك من ثقل وزنك وطول الطريق؟ كيف تجرّأت يا صليب العار أن تحمل فادي الكون وترفعه ليسخر منه العابرون؟

نظر الصليب إليّ باكيًا وقال، لا تلومني أيها الإنسان. فأنا لم أصنع نفسي. أنت مَن صنعتني، طبيعتي الخشبيّة وهبني إيّاها الخالق، وجعلني في خدمة الإنسان. لم يهبني الحرية أن أكون ما أكون لكنّه أعطاك السلطان عليّ لتصنع مني ما تشاء. بيدك تصنع مني ما يجلب الراحة لك أو الشقاء للآخرين. أنت تجعلني رائعًا وأيضًا تجعلني خشنًا، أنت تصنع مني عرشًا أو تجعلني صليبًا.

أصارحك أيها الإنسان، بما دار في قلبي وهو معلّق عليّ. قارنت بين يديه اللتين كثيرًا ما لامستني لتصنع مني أشياءًا جميلة وبين يـدي صالبيه القاسية التي لا تعبأ بـألمه. تساءلت: هل يستحق مَن حمل أوجاع التعابى والمتألّمين أن يقاسي من ثقلي فوق كتفيه، هل جزاء مَن كانت يديه تداوي وتشفي أن يتمزّق جسده بسبب خشونتي؛ فقرّرت أن أصير له عرشًا، عرشًا يختلف عن عروش البشر، عرشًا يرفعه فوق الجميع، ويجعل الأعناق ترتفع له، عرشًا لا ينحني البشر أمامه بل يرفع البشر إليه، ويجعل عيونهم شاخصة نحو السماء.

أردت أن أحقّق كلمته “حينما يرتفع ابن الإنسان، يرفع إليه الجميع. أردت أن أكون شاهدًا، شاهدًا لحب لم يعرفه البشر من قبل، حب يبذل نفسه لأجل أحبائه. وأصارحك أيها الإنسان كم هي سعادتي أن أصبحت رمزًا لهذا المصلوب، أصبحت رمزًا للحياة النابعة من الموت، أصبحت رمزًا لك أيها المتألّم لتدرك أنني بوابة العبور للحياة لكن وصيتي لك يا إنسان اليوم ألاّ تضعني على أكتاف إخوتك، يكفيهم ما يحملون، أوصيك يا إنسان اليوم إن وجدتني مُلقَى على كتف أخوك أن تعينه في حملي، وتساعده أن يدرك أني بوابته للحياة.

أحنيت رأسي من كلمات الصليب، فنظرت إكليل الشوك ملطخ بدماء المخلّص، كم كانت أشواكه قاسية، مدبّبة، مرتوية بدمائه، قُلت له كيف تجرؤ أيها الشوك الملعون أن تجرح هامته؟ أما شعرت بندم وأنت تنغرس بكل هذه القسوة في لحمه؟ أجابني إكليل الشوك: لا تلومني أيها الإنسان، فقد نبتُّ وخرجت من الأرض كجزاء لخطيئتك، تكرهني وأنت سبب وجودي ياللعجب! ورغم ذلك لم أجرح رأسه بإرادتي أنت صنعتني، وبقسوتك غرستني في جبينه، كنت أتمنى ألاّ أؤلمه، لكن يدك القوية داست عليّ بقوة، فقبلت رأسه الحنون أن تتمزّق بي حتى تجنبني الكسر من شدة دفعك.

فقلت لأصير له تاجًا يعلنه ملكًا، رفضت أن تعترف به في الوقت الذي أدركت أنا ثمرة الخطيئة أنه البار وأنه سلطان الكون فصرت له إكليل مُلك يعلن أنه لا مَلك سواه.

توج بي أنا ثمرة الخطيئة ليتوجك أيها الإنسان القاسي بإكليل البر، حمل خطاياك فوق رأسه ليدعوك أن تنهض من سقطتك، حمل خطاياك كإكليل ليعلن لك أنك لست عبدًا للخطيئة بل أنت ابن.

لا تلومني أيها الإنسان، وبدلاً من لومي كُفّ لسانك عن زرع الأشواك في حياة الآخرين، انزع شوك الخطيئة الذي تزرعه في كل مكان، دعّ الأرض طاهرة حتى لا تنبت شوكًا وحسكًا من جديد.

هالني ما سمعت من الشوك وبدأت أشعر بضيقي فهممت أن أقوم عائدًا، لكن منظر المسامير القاسية المخضبة بدمائه جعل قلبي ينبض سريعًا، كيف تحمّل كل هذا؟ ولماذا قاساه صامتًا؟ اقترب مني أحد المسامير ونظر إليّ قائلاً: من حقك أن تلومني وأن تكرهني فقد مزّقت جسده البار بكل قسوة، تركت أثاري يحملها جسده الطاهر، ولكن ماذا أفعل والإنسان بدلاً من أن يستخدمني للإصلاح والبناء، استخدمني لجرح هذا البار بلا رحمة، تذكّرت وأنا أنغرس في يديه كم من مرة مسكني بيده الحنونة واستخدمني كنجار ماهر ليصنع مني ما يخدم الإنسان، واليوم يد أخرى تستخدمني لجرحه وقتله. فقلت ماذا أقدّم له، قرّرت أن أثبّته فاتحًا أحضانه حتى يشعر كل من يمر به أن له مكان فيه.

لا تلومني يا إنسان اليوم، فأنا مادة يمكنك أن تستخدمني للبناء ويمكنك أن تستخدمني لقتل الآخرين، بوضعي داخل قنبلة تصنعها للقتل والتدمير. أرجوك يا إنسان اليوم حقّق لي مطلبي واجعلني دائمًا أداة للخير.

قبل أن أتحرّك وجدت الحربة تخاطبني. قائلة، يا إنسان اليوم أرجوك أن تدعوني حربة الحب الإلهي.

نعم أنا قاسية وقد جرحت البار، لكني لا أتحرك من ذاتي، يد الإنسان تفعل بي ما تشاء.

جرحت قلبه، وهالني ما صنع، وجدته يناديني وأنا أجرحه أن أوسع جرح قلبه وأن أصنع فتحة أكبر وسألته لماذا؟ هل تحب الألم؟ هل تتلذذ به؟ أجابني لا، بل ليرى الخطاة أن قلبي مفتوح لهم ليدخلوا إليه ويسكنوا في عرش نعمته.

تأملت الدم والماء الخارج من قلبه ممتزجان، تأملتهما يسقطان على الخشبة الجافة فتتحول رويدًا رويدًا إلى شجرة حياة، تأملت الدم والماء ينفذان إلى أعماق الأرض فيفتحان القبور المغلقة ويناديا الموتى للحياة.

وجدت نفسي أنهض وأحتضن الصليب وإكليل الشوك والمسامير والحربة، قبلتهم فرحًا متعطشًا للارتواء من دماء الحب التي تكسوهم؛ وأيقنت أنهم علامات حب باقية في حياتي لتعلن لي كم أحبني يسوع، وجدتهم رسالة ووصية حية قد تركها لي المخلص، أن أستخدم ما تقدمه لي الطبيعة دائمًا في الخير.

سمعت صوته يناديني لا تصلب أخوك، ولا تزرع الأشواك في حياته، لا تطعن قلوب إخوتك بحربة غدر أو كُره ولا تضع مساميرًا قاسية في طريقه.

قُده نحو القيامة، اجذبه إليّ ليجد الحياة، أدخله لقلبي لينعم بالحب.

هذه وصيتي لك أيها المتشوق لرؤيتي.