stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

خواطر روحية “الاتضاع الإلهي”-أب/ميلاد صدقي

613views

epi_0_400خواطر روحية “الاتضاع الإلهي”-أب/ميلاد صدقي

مقدمة 

في أجواء الصوم المقدس تدعونا الكنيسة المقدسة – من خلال مختلف الصلوات والقراءات – إلى تأمل عميق في سري التجسّد والفداء. فإذا تتبعنا أهم أحداث التدبير الخلاصي، يبرز منها موضوع التواضع بقدر كبير من الإلحاح على ضمائرنا:

• في البشارة: تواضع مريم “أنا أَمَةُ الرب، فليكن بحسب قولك” (لو38:1).

• في الحبل العذروي: تواضع يوسف الذي تنازل عن حقوقه الشرعية كخطيب وكزوج (مت1: 18– 25). 

• في بداية الحياة العلنية : تواضع يوحنا المعمدان “يأتي بعدي مَن هو أقوى مني ، مَن لست أهلاً لأِن أنحني فأَفُكَّ رباط حذائه” (مر1: 7)، “لا بُدَّ له من أن يَكبُر . ولا بُدَّ لي مِن أن أَصغُر” (يو3: 30)، الخ. كلها مظاهر تواضع عميق تستحق التوقّف عندها والتأمل فيها والاقتداء بها. ولكن ألا نخطيء حينما ننسي أو نتناسي تواضع الله نفسه؟ لذلك، ودون الانتقاص من كل ما نتعلمه من مريم العذراء ويوسف البار ويوحنا المعمدان، أحببت أن أشارككم التأمل في تواضع الله نفسه، لنتعلم منه كيفية عيش التواضع في حياتنا. 

نتبع سياق أحداث التدبير الخلاصي.

1 – الخلق 

غالباً ما يرتبط الخلق في أذهاننا بمعادلة “كن– فيكون”. قد يكون ذلك صحيحاً في خلق كل الكائنات ما عدا الإنسان. الخلق هنا أكبر من التسلّي بفعاليّة القدرة الالهية، إذ نلمس تواضع الله من خلال خلق كائنٍ أراده نداً له: “لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا” (تك1: 26)، مع كل نتائج هذه النديّة: 

• كائن أعطاه نسمة الحياة، فأماته على الصليب. 

• كائن وهبه العقل الواعي، فاخترع الإلحاد وتفنن في تلوينه.

• كائن منحه الإرادة الحرة، فأساء استخدامها موجهاً إياها ضد الله نفسه.

• كائن يحبه فيغفر له دائماً، ولكن الإنسان يرجع فيسأله: “كم مرة يخطأ إلى أخي وأغفر له ؟ أسبع مرات؟” (مت 18: 21).

2 – العهود 

الإنسان مخلوق يسبب لخالقه خصوصاً “الإزعاج المستمر”، إذا جاز هذا التعبير، لأن الله غير المحدود سيدخل في عهد مع هذا المحدود دائم التقلّب الذي هو الانسان. لذلك ستتعدد العهود مع نوح، إبراهيم، موسى، قبل العهد الجديد:

• العهد يجعل الله تحت رحمة آدم وابن آدم، إلى حد القهر: “ولما اقترب فرأى المدينة بكى عليها” (لو19: 41)؛ “أورشليم أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها! كم من مرة أردت أن أجمع أبناءك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها! فلم تريدوا” (لو13: 34). العهد يجعل ضابط الكل، القادر على كل شيء، يصغي لمساومات إبراهيم قبيل حرق سادوم وعامورة، من احتمال وجود مائة بارٍ نزولاً إلى مجرد وجود عشرة فقط (راجع تك 18: 16-33)، وكان إبراهيم نفسه هو الذي توقف عن الحوار. يا له من تواضع عميق أن يعقد الله عهداً مع من لا عهد له، أن يتعامل مع الإنسان الذي يفضل غواية الحية على وصية المحيي، أن يقبل رب الكرم التعاون مع كرامين سفاحين، بعد أن يرجموا أو يقتلوا المرسلين من عبيده، يقول، كمن يستعطي الحوار معهم: “سيهابون ابني”. فما كان منهم الإ أن قالوا: هوذا الوارث، هلم نقتله ونأخذ ميراثه. فأمسكوه وألقوه في خارج الكرم وقتلوه” (مت 21 : 37-39).

3 – مسيرة الخروج 

رغم معرفة الله المسبقة بأن البشر سيقتلون ابنه، يأخذ الله على عاتقه مخاطرة التجسّد ليخلص الإنسان الخاطيء. لقد سمح تواضع الخالق بأن لا يحرم الإنسان من حرية الإرادة، حرية الخطأ والخطيئة، وها هو نفس التواضع يسمح له أيضاً بأن يرسل المخلص حتى لو لم يفكر فيه الإنسان ولم يطلبه. وبدافع من محبته، إذ “أنه يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق” (1تيم 2: 4)، فهو لا يرسل المخلص مباشرة إلى آدم عقب الخطيئة، ولا يرسله يوم القيامة بعد أن يطول الإنتظار ويُفقد الصبر والرجاء، بل في منتصف الطريق بين الخلق والبعث. ولكن ما أصعب المشوار حينما يقول الله عن نفسه “أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتّى ولو نسيت النساء فأنا لا أنساك” (أش 49: 15)، ويكون الشعب “غليظ الرقبة” (خر32: 9؛ 33: 3 و 5؛ 34: 9؛ تث9: 6و 13؛ الخ)!

• خلّص شعبه من عبودية فرعون، فعبد العجل الذهبي وقال عنه: “هذه آلهتك، يا إسرائيل، التي أصعدتك من أرض مصر” (خر32: 4-5). 

• وقت الجوع، أنزل على شعبه – من السماء – المنّ والسلوى في قلب الصحراء (خر16: 13-16)، فتذمر أفراد الشعب قائلين: “قد سئمت نفوسنا هذا الطعام الزهيد” (عد21: 5).

• أشفق على مذلة شعبه، وبذراع قوية حقق لهم الحرية، ففضلوا البكاء على أطلال العبودية: “ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، حيث كنا نجلس عند قِدرِ اللحم ونأكل من الطعام شبعنا” (خر16: 3)، “عاد بنو إسرائيل أنفسهم الى البكاء وقالوا: من يطعمنا لحماً ؟ فإننا نذكر السمك الذي كنا نأكله في مصر مجاناً والقِثَّاء والبطيخ والكُرَّاث والبصل والثوم. والآن فأحلاقنا جافة، ولا شيء أمام عيوننا غير المنّ” (عد11: 4 – 6).

• في الضربة العاشرة، أنقذ أبكارهم من الموت (خر12: 12-13، 29)، فقتلوا ابنه البكر والوحيد (راجع مت 21 : 38-39).

4 – سلالة التجسّد 

تواضع الله يجعله يرغب في مصاهرة البشر ويحققها فعلاً، وهذا ما يظهره التأمل في نسب يسوع (مت1:1-16؛ لو 3: 23-38). ليس هذا فقط، إذ لم يرد الله أن يكون ناسوت ابنه عشوائياً كنقطة في الفراغ، ولا مظهرياً، بتجنب كل بؤس البشر ووصماتهم. التجسّد مخاطرة ليست دائماً مشرفة إذ يكفي أن نستعرض بعض أسماء النساء التي يتضمنها نسب يسوع:

• تامار (مت1: 3): بالخداع حبلت بابن من أبي زوجها (تك1:38-26).

• راحاب (مت1: 5): امرأة وثنية، زانية مشهورة (يش 2: 1).

• راعوث (مت1: 5): امرأة موآبية وثنية (را 1: 4).

• بتشابع أرملة أوريّا الحثيّ (مت6:1): زنى بها داود الملك (2صم4:11). كم يخجل الإنسان منا إذا اتسخ اسم عائلته بفضائح من هذه النوعية، ولكن تواضع الله يفوق كل تصور، فقد كان يمكنه أن يتجنب كل هذا باختيار أشخاص لا تشوبهم شائبة. علاوة على ذلك، ففي سلالة كان يجب أن تكون بكمالها من نسل إبراهيم بحسب الجسد، دخلت ثلاث نساء غريبات، بينما كان اليهود يطلقون على الوثنيين لقب “الكلاب” (فل3: 2). لقد شرب الله كأس التجسّد حتى الثمالة.

5 – البشارة 

اختار الله فتاة بسيطة من الناصرة ليتجسّد منها ابنه الوحيد. حسب إيمان الكنيسة، وقاها الله من كل أدناس الخطيئة منذ لحظة تكوينها في بطن أمها. هو إذن صاحب فضل عليها، وأي فضل! فليكن! أترى، والحال هذا، يتوجب عليه – وهو الخالق والمبرِّر – أن يحصل على موافقة تلك المخلوقة؟ هل يعقل أن تعارض مشروعاً كهذا يعرضه عليها من جاد عليها بالحياة الطبيعية وبالبرارة فائقة الطبيعة؟ مهما كان الأمر، الله نفسه هو خير من يعرف أن الحب لا يُفرض، ولا الزواج. عليه إذن أن يقوم “بطلب يدها”، والرد على أسئلتها، وفقط حين تعرب عن موافقتها، يستطيع ملاكه الانصراف من محضرها (راجع لو1: 38).

6 – الميلاد 

رغماً عن عمق التواضع في حدث البشارة، إلاّ أنه لن يكون آخر محطات تواضع الله. يقول يوحنا الحبيب: “جاء إلى بيته، فما قبله أهل بيته” (يو1: 11). نعرف كلنا ظروف مولد الرب يسوع. حينما ولد الإله المتجسد، الذي لا تسعه السموات ولا سماء السموات (راجع 1مل8: 27)، لم يسترعي شيء انتباه الشعب المختار، الذي كان يعرف أنه سيولد في بيت لحم (راجع مت 2 : 5-6).

• يا لتواضع الله الذي لا يريد أن يزعج أحداً بحضوره، فلم يدعو إلاّ الرعاة (راجع لو 2 : 8-12)! 

• من أقاصي الشرق أتي المجوس الوثنيون (راجع مت 2 : 1-2)، ومن الشعب المختار لم يهتم أحد: لا سكان بيت لحم (راجع لو 2 : 7)، ولا الكهنة ولا الكتبة (راجع مت 2 : 4-5)، 

• أخيراً، الوحيد الذي تحرك كان سافك الدماء، “هيرودس الملك السفاح، الذي قتل كل أفراد أسرة امرأته مريمتا المكابية، وقد أتبع ذلك بقتلها، وقتل ابنيه منها: الإسكندر وأرسطوبولس، لظنه أنهم يتآمرون عليه للاستيلاء على عرشه. هذا الطاغية، الذي قبيل وفاته بخمسة أيام فقط أمر بقتل ابن ثالث له أيضاً يُدعى انتبطرس! وأمر بأن يحشد في قلعة أريحا عدد من أشراف الأمة، ليقتلوا ساعة يلفظ أنفاسه الأخيرة، فيكون في البلاد من يذرف عند موته الدموع” .  اهتم هيردوس فقط ليذبح هذا الطفل ضمن مجزرة عامة لأطفال بيت لحم، “من ابن سنتين فما دون” (مت 2 : 16-17). يالها من حفاوة بمن “تجرد من ذاته متخذاً صورة عبد، وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان” (فل 2 : 7). 

• “ذلك السعيد القدير وحده، ملك الملوك ورب الأرباب، الذي له وحده الخلود، ومسكنه نور لا يُقترب منه” (1طيم6: 15-16) الذي لا يكف القديسون والملائكة عن تسبيحه، الذي ترك بهاء مجده وضياء لاهوته، لا تكترث البشرية بوصوله.

• الذي يشمل حنانه الكل وتسع رحمته الجميع، لا يجد من يتعرّف عليه ويعترف به فيستقبله ويستضيفه.

• الذي خلق السماء والكواكب والنجوم والأرض وما عليها، ليس له موضع في منزل (راجع لو 2 : 7). • الذي خلق الشمس وكل أنواع الطاقة، تدفئه أنفاس الحيوانات. • الذي خلق الحرير وريش النعام، لم يجد إلا تبن المذود وبعض الأقمطة.

7 – الختان والتقدمة فى الهيكل 

“وإذا أدخلك الرب أرض الكنعانيين، كما أقسم لك ولآبائك، وأعطاك إياها، تعزل للرب كل فاتح رحم وكل أول نتاج من البهائم التي لك: الذكور للرب (…). وكل بكر من بنيك تفديه. وإذا سألك ابنك غداً قائلاً: ما هذا ؟ تقول له: بيد قوية أخرجنا الرب من مصر، من دار العبودية. ولما تصلّب فرعون عن إطلاقنا، قتل الرب كل بكر في أرض مصر، من بكر الإنسان إلى بكر البهيمة، ولذلك أنا أذبح للرب كل فاتح رحم من الذكور، وكل بكر من بنيَّ أفديه” (خر 13: 11-15؛ راجع خر 13 : 2؛ 34 : 19-20). حتى لا يشكّك أحد، يسوع يخضع للشريعة ، “يتمّ كل بر” (مت 3 :15): 

• إنه رب الشريعة ، إنه الطرف الأول في العهد، فهو غير ملزم بشرط متعلق فقط بالطرف الثاني (= الإنسان)، فلماذا إذن ينصاع ويختن؟ 

• إنه رب الهيكل ، فلِمن يُقَدّم فيه؟ 

• إنه “عظيم الكهنة” (عب4: 14و15؛ راجع5: 5 و10)، الكاهن الأبدي- الأزلي الوحيد (عب5: 6)، فلماذا يَسمح أن يقدمه سمعان، شيخ تقي نعم، ولكنه لا يدرك أن بين يديه الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس؟ 

• مانح كل خير روحي وأدبي ومادي، يقدم أفقر فدية “زوجي يمام أو فرخي حمام” (لو2: 24)، ولكن لماذا يُفتدى؟ هل يُفتدى من سيُقدَّم ذبيحة؟ وهل لا تكفي ذبيحته الإرادية على الصليب؟ 

8 – الهروب الى مصر 

جاء الكلمة المتجسّد لرسالة معينة، ولكن الخطر محدق به وبها. هناك أكثر من احتمال للحل: 

• “أو تظن أنه لا يمكنني أن أسأل أبي، فيمدني الساعة بأكثر من اثنى عشر فيلقاً من الملائكة ؟” (مت 26 : 53). 

• هناك إذن هذا الدفاع المشروع عن الذات وعن الكرامة وعن الحق، ولكنه لا يخلو من خيانة واضحة فاضحة للناسوت: الهرب يناسب بالأكثر مصداقيته، ويتناغم بطريقة أفضل مع تواضعه.

9 – الحياة الخفيّة 

بعد أن بدأ يسوع رسالته العلنيّة، عاد يوماً من الأيام لزيارة قريته. وما إن علَّم في مجمعها (مت13 :54)، حتى تصاعد التهكّم عليه: “من أين له هذا ؟ وما هذه الحكمة التي أعطيها حتى أن المعجزات المبينة تجري عن يديه ؟ أليس هذا النجار ابن مريم، أخا يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان ؟ أوليست أخواته عندنا ههنا؟ وكان لهم حجر عثرة. فقال لهم يسوع: لا يُزدرى نبي إلا في وطنه وأقاربه وبيته. ولم يستطع أن يجري هناك شيئاً من المعجزات، سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم. وكان يتعجب من عدم إيمانهم” (مر6: 2-6). 

• قضى في الناصرة حوالي ثلاثين عاماً (راجع لو3: 23)، فماذا كان ينتظر؟ السرمدي يخضع لنظام الفلك، لعقارب الزمن، لتقلبات الفصول والمواسم، لتتابع الأيام والشهور والسنين، لاختلاف الليل والنهار، لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس! لقد تعامل يشوع بن نون بطريقة مختلفة: من أجل معركة حربية، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة في تاريخ شعب إسرائيل، يخبرنا الكتاب أنه، “أوقفت الشمس في كبد السماء، وأبطأت عن الغروب نحو يوم كامل” (يش10: 13). لماذا انتظر يسوع كل هذا الوقت لينجز رسالته ؟ 

• ماذا كان يفعل طيلة ما يقرب من ثلث قرن غير المحراث والنورج، المذراة ويد الفأس، الباب والنافذة، المقعد والمائدة؟ هل يحتاج هذا العمل اليدوي لكامل اللاهوت والناسوت؟ 

• لماذا لم تشفع له ممارسة هذه الحرفة وصداقة الخشب والمسمار، حتى يكونا وسيلة موته: مصلوباً ومسمراً ؟ 

• ألم يدر هذا المصير بخلد الباريء وهو يأمر بخلق الشجر والمعدن؟ يا لطول وعرض وعمق وارتفاع التواضع !

10– العماد في الأردن والتجربة في البرية 

“في تلك الأيام، ظهر يوحنا المعمدان ينادي في بريّة اليهودية فيقول: توبوا ، قد اقترب ملكوت السموات (…) وكانت تخرج إليه أورشليم وجميع اليهودية وناحية الأردن كلها، فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم” (مت3: 1-6).

• الجمهور غفير، الانتظار طويل، الخطأة من كل الأنواع، والمعمدان يعنِّفهم قائلاً: “يا أولاد الأفاعي، من أراكم سبيل الهرب من الغضب الآتي؟ فأثمروا إذاً ثمراً يدل على توبتكم” (مت3: 7-8). لقد التقطت أذنا يسوع هذه الكلمات، ولكنه لم يترك فئة الخطأة التي يقف فيها، والتي جاء ليتضامن معها فعلاً لا قولاً.

• يوحنا المعمدان، السابق، يمنح معمودية توبة؛ عن ماذا تتوب يا يسوع؟ ألست أنت القائل: “مَن منكم يُثبت عليّ خطيئة ؟” (يو 8 : 46). 

• ألا يكون ذلك لأن “ذاك الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا كيما نصير فيه بر الله”؟ (2كور 5: 21).  دونما أدنى احتقار للإنسان، فلا يمكن تصور المواجهة السافرة بين ملك وصعلوك كحدث عادي، خصوصاً إذا كان الأخير مغضوب عليه. ومع ذلك:

• “الشياطين هي أيضا تؤمن وترتعد” (يع 2 : 19)، وهي لا تجهل هوية المسيح: “ما لنا ولك، يا ابن الله؟ أجئت إلى هنا لتعذبنا قبل الأوان ؟” (مت8: 29؛ راجع مر3: 11؛ 5 : 7)، اذن فعامل الجهل هو غير وارد، مما يعني أن تواضع المسيح لا يمكن أن يكون إلا إرادياً. 

• من الممكن تصور حيثيات تجربة تحويل الحجارة إلى خبز لإطعام صائم، وتفهُّم منطق تجربة الاتكال على حماية العناية الإلهية (مت4: 1-7). إلاّ أن وقاحة الشيطان: “أعطيك هذا كله إن جثوت لي ساجداً” (مت4: 9) لا يمكن إدراكها إلاّ من باب الاتضاع الإلهي الذي سمح أساساً بتلك التجربة.

11 – رسوليات 

خبرة يسوع مع رسله ليست استثناءً لعمق تواضعه. يقول: “لم تختاروني أنتم، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم” (يو15: 16). ليس فقط لكونه بملء حريته اصطفاهم، ولكن لأن هذا الاختيار سبقه فعل مقدس ومميّز كماً ونوعاً: “وفي تلك الأيام ذهب إلى الجبل ليُصلّي، فأحيا الليل كله في الصلاة لله. ولما طلع الصباح دعا تلاميذه، فاختار منهم اثنى عشر سمّاهم رسلاً”(لو6: 12-13). سهر يسوع شخصياً أيضاً على تنشئتهم بمعيّته طيلة أكثر من ثلاث سنوات يشهد عنها أحدهم قائلاً: “ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعينينا، ذاك تأملناه ولمسته يدانا من كلمة الحياة” (1يو1: 1-2). ومع ذلك فالنتائج ليست دائماً مدعاة للفخر:

• أول سخرية من المعلم الجديد ستأتي من نتنائيل، من سيكون يوماً أحد رسله: “أمن الناصرة يمكن أن يخرج شيء صالح ؟ ” (يو1: 46). 

• “أما أنا اخترتكم أنتم الاثنى عشر؟ ومع ذلك فواحد منكم شيطان”(يو6: 70). كيف انحط يهوذا الإسخريوطي إلى هذا الدرك الدنيء، رغماً عن أن يسوع أعطاه، كباقي الرسل، القدرة على طرد الشياطين (راجع مر6: 13)؟ وثق يسوع فيه إلى درجة تسليمه “أمانة صندوق الجماعة”، بينما يقول عنه يوحنا الحبيب إنه “كان سارقاً وكان صندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يلقى فيه” (يو12: 6). وقد دفعه حبه للدراهم إلى المبادرة بعرض خدماته على خصوم يسوع دون أن يخفي نواياه الحقيقية: “فذهب أحد الاثنى عشر، ذاك الذي يقال له يهوذا الإسخريوطي، إلى عظماء الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟ فجعلوا له ثلاثين من الفضة. وأخذ منذ ذلك الحين يطلب فرصة ليسلمه” (مت26: 14-16). مع يهوذا تأخذ الأمور مفاهيماً مختلفة: “وكان الذي يسلمه قد جعل لهم علامة إذ قال: هو ذاك الذي أقبله، فأمسكوه وسوقوه محفوظاً” (مر14: 44). “فقال له يسوع: يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟” (لو 22: 48).

• وبطرس أيضاً، ولو في حدث عارض، كانت له رؤية مخالفة لمعلمه بخصوص الآلام: “انفرد به بطرس  وجعل يعاتبه. فالتفت فرأى تلاميذه فزجر بطرس قال: انسحب ! ورائي!، يا شيطان، لأن أفكارك ليست أفكار الله ، بل أفكار البشر” (مر8: 32-33). رغم التحذير المسبق، سيتفنن بطرس في نفي صلته بمعلمه قبل صياح الديك: إنكار بسيط، قسم مغلّظ، وأخيراً اللعن المصحوب بالحلفان (راجع مت26: 69-74).

• صغر نفس الرسل: أثناء السير في منطقة الجليل، أنبأ يسوع رسله بموته: “إن ابن الإنسان سيسلم الى أيدي الناس، فيقتلونه وبعد قتله بثلاثة أيام يقوم. فلم يفهموا هذا الكلام، وخافوا أن يسألوه. وجاءوا إلى كفر ناحوم. فلما دخل البيت سألهم: فيم كنتم تتجادلون في الطريق ؟ فظلوا صامتين، لأنهم كانوا في الطريق يتجادلون فيمن هو الأكبر” (مر9: 31-34). شتّان الفرق بين هموم المعلم وطموحات التلاميذ!

• النعاس يثقل عيون الرسل سواء تعلق الأمر بمجد التجلي (راجع لو9: 32)، أو بنزاع جتسماني (راجع مت26: 40-43)، رغماً عن توسّل يسوع المتكرر بأن يسهروا معه “ولو ساعة واحدة” (مت26: 40)، ولما يأس من الاستجداء قال: “ناموا الآن واستريحوا” (مت26: 45). كل هذا، بينما، حين تظاهر يسوع بالنوم في مؤخرة السفينة، كان للرسل موقف مغاير تماماً: “أيقظوه وقالوا له: يا معلم ، أما تبالي أننا نهلك ؟”(مر4: 38). 

• كما لو كان هروب الرسل لا يكفي (راجع مت26: 56)، حتى جلالة الموت لم تفلح في إثارة نخوتهم: سيقوم يوسف الرامي ونيقوديموس بتكفين يسوع، في غياب رسله. لقد وجد يوحنا المعمدان حظوة أكثر في أعين تلاميذه: “وأتى تلاميذ يوحنا فحملوا الجثة ودفنوها، ثم ذهبوا فأخبروا يسوع” (مت14: 12).

• بطء فهم الرسل قبل القيامة: “أو أنتم حتى الآن لا فهم لكم؟” (مت15: 16؛ راجع مر4: 13)، وحتى بعد القيامة: “يا رب، أفي هذا الزمن تعيد الملك إلى إسرائيل؟” (أع1: 6؛ راجع لو24: 25). كم مرة لامهم يسوع على قلة إيمانهم: “ما بالكم خائفين، يا قليلي الإيمان؟” (مت8: 26؛ 14: 31؛ مت16: 8؛ 17: 20). 

• توما يرفض أن يصدق ما شهادة الآخرين، ويضع الشرط تلو الشرط ليؤمن بالقائم من بين الأموات. لقد رضخ يسوع حرفياً لشروطه، رغماً عن كونه الذي “لا يغلط ولا يغش”. 

• الله هو الذي يحاول إقناع بطرس بدخول الوثنية إلى الإيمان بيسوع: “رأى السماء مفتوحة، ووعاء كسماط عظيم نازلاً يتدلّى إلى الأرض بأطرافه الأربعة. وكان فيه من جميع ذوات الأربع وزحّافات الأرض وطيور السماء. وإذا صوت يقول له: قم يا بطرس فاذبح وكل. فقال بطرس: حاش لي يا ربّ، لم آكل قطّ نجساً أو دنساً. فعاد إليه صوت فقال له ثانياً: ما طهره الله، لا تنجسه أنت. وحدث ذلك ثلاث مرات. ثم رُفِعَ الوعاء من وقته إلى السماء” (أع10: 11-16).

12 – الحياة العلنية 

إلى أين ساق التواضع يسوع، في حياته العلنية؟

• سخرية الأقارب: “إنه ضائع الرشد” (مر3: 21). 

• تهكّم المضيف: “لو كان هذا الرجل نبياً، لعلم من هي المرأة التي تلمسه، وما حالها: إنها خاطئة” (لو 7 : 39).

• وقاحة اليهود: “ألسنا على صواب في قولنا إنك سامري، وإن بك مسّاً من الشيطان” (يو 8: 48، 52).

• ضحك من يفترض أنهم “حزانى”، عند إقامة ابنة يايرس: “انصرفوا ! فالصبية لم تمت، وإنما هي نائمة. فضحكوا منه” (مت 9: 24). 

• استهزاء الكتبة”إن فيه بعلزبول، وإنه بسيد الشياطين يطرد الشياطين”(مر3: 22). 

• ألاعيب الصدوقيين الذين لا يؤمنون بالقيامة، فيحبكون قصة معقدة، كما لو كان لا يفقه: “ثم ماتت المرأة من بعدهم جميعاً. ففي القيامة لأي من السبعة تكون المرأة ؟ فقد كانت لهم جميعاً” (مت 22: 27-28). 

• مماحكات الفريسيين لمجرد التلذذ “بالإيقاع به” (مت22: 18)، “لإحراجه” (مت22: 35)، “لاصطياده بكلمة من فيه” (مت22: 15). 

• خبث الهيرودسيين: “ثم أرسلوا اليه تلاميذهم والهيرودسيين يقولون له (…). فشعر يسوع بخبثهم فقال: لماذا تحاولون إحراجي؟” (مت22: 16-18؛ راجع مر 3: 6 ؛ 12: 13). 

• حيل رؤوساء الكهنة وشيوخ الشعب: تُطلب منه آية من السماء، إثباتاً لمصداقية إلهية (راجع لو11: 16)، فيقيم ميتاً “قد انتن فهذا يومه الرابع” (يو11: 39). فبدلاً من الإيمان به، كان قرار الموت مزدوجاً: “فعزموا منذ ذلك اليوم على قتله” (يو11: 53)، و “عزم عظماء الكهنة على أن يقتلوا لعازر أيضاً، لأن كثيراً من اليهود كانوا ينصرفون عنهم بسببه ويؤمنون بيسوع” (يو12: 10-11).

13 – الأسبوع المقدّس والعنصرة 

أحد الشعانين: لقد طالت حفاوة جمهور الشعانين حتى تكريم الطريق الذي يسير عليه الحمار الذي ركبه رب المجد: “بسط كثير من الناس أرديتهم على الطريق، وفرش آخرون أغصاناً قطعوها من الحقول” (مر11: 8) وشهاداتهم لمعجزاته إذ “كان الجمع الذي صحبه، حين دعا لعازر من القبر وأقامه من بين الأموات، يشهد له بذلك. وما خرج الجمع لاستقباله إلا وقد سمع أنه أتى بتلك الآية” (يو12: 17-18). أين من تلك الحفاوة مهازل تهكّم غوغاء الجمعة العظيمة بشخصه إلى حد المطالبة بسفك دمه: “اصلبه ! اصلبه !” (يو 19 : 6)؟ يا لتقلبات البشر! 

خميس الأسرار: في زمن يسوع، حيث كان اليهود ينتعلون الصنادل، تفتقت أساليب الضيافة عن وسيلة جديدة: غسل الأرجل. ولكن سرعان ما أصبح لهذا التعبير أصوله وقواعده: يقوم عادة الخدم بصب الماء، ولكن يقوم به أيضاً رب البيت عند استقبال ضيف، كتعبير عن الحفاوة به. لذلك سيعتب يسوع على مضيفه هذا الإهمال: “إني دخلت بيتك فما سكبت على قدميَّ ماءً” (لو7: 44). ولكن يسوع، أثناء الأكل، سيقوم بهذا العمل الذي يقوم به التلميذ لمعلمه وليس العكس، كما يدل رفض بطرس: “لن تغسل قدميّ أبداً” (يو 13 : 8). 

الجمعة العظيمة : كيف سينتهي المطاف بمن “مضى من مكان إلى آخر يعمل الخير ويُبرئ جميع الذين استولى عليهم إبليس” (أع10: 38) ؟

• عُومِل معاملة اللصوص: قُبِض عليه كلص “أعلى لص خرجتم تحملون السيوف والعصي لتقبضوا عليّ؟” (مت26: 55)، و”صلبوا معه لصين” (مر15: 27)، وفضلوا عليه برأبا: “وكان برأبا هذا لصاً” (يو18: 40)، وعيّره لص: (لو23: 39). بينما يسوع كان قد سبق وعبر عن استيائه من “مغارة اللصوص” (مت21: 13).

• تناقض واضح في الموقف: كيف يعاملونه من لحظة وضع اليد عليه في بستان الزيتون إلى لحظة وضعه في القبر، وكيف يعامل عبد رئيس الكهنة الذي قطع بطرس أذنه: “ولمس أذنه فابرأه” (لو 22: 51). 

• بكى على أورشليم (راجع لو19: 41)، ورفض أن تبكي بناتها عليه (لو23: 28). 

• شتائم المارة: “يا أيها الذي ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام، خلص نفسك إن كنت ابن الله، فانزل عن الصليب” (مت27: 40). 

• كسى العراة (تك 3 : 21)، فعروه من ثيابه (يو 19: 23-24). 

• نفخ من روحه، في الإنسان، نسمة الحياة (راجع تك2: 7)، فعاقبه الإنسان بالآلآم حتى “صرخ يسوع صرخة شديدة ولفظ الروح” (مر15: 37). 

• وضع الإنسان في جنة صداقته (راجع تك2: 8)، فحمّله الإنسان صليب العار ليزهق روحه خارج مدينته (راجع عب13: 13). 

• من صنع المياه، فوق الأرض وعليها وتحتها، يقول: “أنا عطشان”، فيسقى خلاً ومراً (راجع مر15: 36؛ يو19: 29؛ مت27: 34). 

• شفقته على الجموع “لأنهم كانوا كغنم لا راعي لها” (مر6: 34)، ولم يشأ أن يصرفهم “صائمين لئلا تخور قواهم في الطريق” (مت15: 32)، لم يقابلها سوى الإصرار على القسوة: “ليصلب! قال لهم: فأي شر فعل؟ فبالغوا في الصياح: ليصلب !(…) دمه علينا وعلى أولادنا” (مت27: 22-23، 25). 

• رزالة العسكر: “فمضى جنود الحاكم بيسوع إلى دار الحاكم وجمعوا عليه الكتيبة كلها، فجردوه من ثيابه وجعلوا عليه رداءً قرمزياً، وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه، وجعلوا في يمينه قصبة، ثم جثوا أمامه وسخروا منه فقالوا السلام عليك يا ملك اليهود. وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وجعلوا يضربونه بها على رأسه. وبعدما سخروا منه نزعوا عنه الرداء” (مت27: 27-31). لقد تناسى هؤلاء العسكر أن من يتطالون عليه هو “رب القوات” (أش1: 24). 

• هناك أيضاً تطاول الخدم: “وانهال الخدم عليه باللّطم” (مر14: 65) على “ملك الملوك ورب الأرباب” (1طيم6: 15).

• جبن بيلاطس: رغماً عن تحذير زوجته له: “دعك وهذا البارّ، لأني عانيت اليوم في الحلم آلاماً شديدة بسببه” (مت27: 19)، وإعلانه ثلاث مرات عن عدم وجود أدنى سبب لتقديمه للمحاكمة: “لا أجد في هذا الرجل سبباً لاتهامه” (لو23: 4)، “ها قد حققت في الأمر بمحضر منكم، فلم أجد على هذا الرجل شيئاً مما تتهمونه به، ولا هيردوس، لأنه رده إلينا. فهو إذاً لم يفعل ما يستحق به الموت” (لو23: 14-15)، “أي شر فعل هذا الرجل؟ لم أجد سبباً يستوجب به الموت” (لو23: 22)، ومع ذلك فقد تركه ينال عقوبتين بدلاً من واحدة: الجلد والصلب (مر15: 15)، “وأطلق من كان قد ألقي في السجن لفتنة وجريمة قتل، ذاك الذي طلبوه، وأسلم يسوع إلى مشيئتهم” (لو23: 25).

• سخرية رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ: “خلص غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه! إن كان هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. اتكل على الله، فلينقذه الآن، إن كان راضياً عنه، فقد قال: أنا ابن الله” (مت27: 42-43). 

• شناعة النهاية: “ملعون من علق على الخشبة”(غل3: 13؛ راجع تث27: 26). 

• وأخيراً: “إلهي إلهي، لماذا تركتني؟” (مر15: 34). 

• من مهزلة الافتراء إليه، إلى مهزلة المحاكمة وجبن الحاكم، ومن مأساة العقوبة الظالمة المضاعفة (جلد وصلب)، إلى مأساة نكران الجميل، من الألم الجسماني إلى الألم النفسي، من هروب الأصدقاء إلى إحتجاب اللاهوت، يتتابع تواضع الفادي ليصل إلى هذا الموت المهين: “أجرة الخطيئة هي الموت” (روم6: 23)، حتى لو كان الموت لخالق الحياة. القيامة: تواضع المخلص يستمر أيضاً إلى ما بعد الموت والدفن، وكأن سخرية البشر لم تشبع: 

• القائم من بين الأموات، يخضع لتنفيذ شروط تلميذه توما المتشكك، بما يقتضيه ذلك من الظهور له من جديد: “هات إصبعك إلى هنا فانظر يديّ، وهات يدك فضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل كن مؤمناً” (يو20: 27).

• تضليل رؤساء اليهود يستمر إلى ما بعد موت الفادي: “جاء بعض رجال الحرس إلى المدينة، وأخبروا عظماء الكهنة بكل ما حدث. فاجتمعوا هم والشيوخ، وبعدما تشاوروا أعطوا الجنود مالاً كثيراً، وقالوا لهم: قولوا إن تلاميذه جاءوا ليلاً فسرقوه ونحن نائمون. وإذا بلغ الخبر إلى الحاكم، أرضيناه ودفعنا الأذى عنكم. فأخذوا المال وفعلوا كما لقنوهم” (مت28: 11-15). العنصرة : الخلط بين الصلاة العميقة والسُكر جعل عالي الكاهن يوبخ ، عن جهل، حنة التي كانت تسكب نفسها في لجاجة التضرع إلى الله: “إلى متى أنتِ سَكْرى؟ أفيقي من خمرك” (1صم1: 14)، ولكن هذه الحالة الفردية، مع كل ملابساتها، لا تقاس بما قيل عن الرسل يوم العنصرة: “على أنّ آخرين كانوا يقولون ساخرين: قد امتلأوا من النبيذ” (أع2: 13)، حتى أن بطرس دافع قائلاً: “ليس هؤلاء بسكارى كما حسبتم، فالساعة هي الساعة التاسعة من النهار” (أع2: 15). مع العلم بأن من حلّ عليهم هو الأقنوم الثالث، “روح الحق” (يو16: 13)، روح الحكمة الالهية اللامحدودة (راجع أف1: 17).

14 – الوجود الدائم 

قد يظن البعض أنه بالحديث عن موت الرب وقيامته، وعن العنصرة على أقصى تقدير، يكون التأمل في تواضع الله قد وصل إلى نهاية عرض تاريخي ليس من مجال لتجاوزه. ولكن الواقع يكذّب مثل هذا الحد. الله غير محدود، وكمالاته غير محدودة، أيعقل أن يكون الاتضاع الإلهي استثناءً من هذه الكمالات؟ ثم أن الاتضاع الإرادي نتيجة حتميّة للمحبة الأصيلة، والمحبة جوهر الله (راجع1يو4: 8)، أيُعقل أن يكون الاتضاع الإلهي موقفاً عارضاً؟ ولكن إذا افترضنا استمرارية هذا الاتضاع، يبقى أن نحدد أين نجده: إنه في الوجود الدائم في سر القربان المقدس: 

• عرضة لعدم التصديق: “كيف يستطيع هذا أن يعطينا جسده لنأكله؟ (…) هذا كلام عسير، من يطيق سماعه؟” (يو6: 52 و60). 

• عرضة للتهكم والاحتقار واللامبالاة: من جانب غير المسيحيين الذين لا يفهمونه، ومن جانب المسيحيين الذين لا يؤمنون به كما يجب، ومن جانب من لم يعودوا يتعاملون معه بكامل الاحترام بسبب الروتين، ومن جانب من يدنسون المقدسات. 

• حينما يوجد من يزعم أن يسوع غير موجود فعلاً وحقيقة في سر القربان المقدس، فالله متواضع فعلاً وحقيقة لأنه يحتمل أن يكون موضع شك ونفي، وهو “الحق الذي لا يغلط ولا يغش”، كما نقول في فعل الإيمان. 

خاتمة 

رغماً عن طول هذا التأمل، إلا أنه لم يستند إلا إلى وحي الله عن ذاته، والقليل منه. وما كثرة ما ورد فيه من آيات الكتاب المقدس. من الخلق إلى الوجود الدائم، من روح الله الذي يرفرف على الغمر، إلى ابن الله سجين بيت القربان، إلا اختيار مجتزء للحظات فقط من محبة الله الأب السرمدية التي تفوق كل تصور إلى حد جعل هذا الثالوث القدوس المحب أضعف من أحبائه البشر، “تتلمذوا لي فإني وديعٌ متواضع القلب، تجدوا الرّاحة لنفوسكم” (مت11: 29).