stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عقائدية

خواطر في لاهوت الأديان-أب فاضل سيداروس

402views

imagescabrc4zxخواطر في لاهوت الأديان-أب فاضل سيداروس

المُقدِّمة

إنّ بُشرى العهد الجديد تُبيِّن بوُضوح البون الشاسع بين إله إسرائيل/ آلهة الوثنيّين، وكذلك تحقيقَ يسوع المسيح نبوءات العهد القديم في ارتباط عُضويٍّ به، ولكن بوحدانيّتِه وفرادتِه، كونه وحدَه “الطريق والحقّ والحياة” (يو 14/6)، ما لا يقبل على الإطلاق وُجود أيِّ  “مُخلِّص” غيره (رُسل 4/12//)، ولا أيِّ “وسيط” آخر (عِب 8/6 //). ومع ذلك، فإنّ وحدانيّة/ فرادة شخص يسوع المسيح لا تتنافى إطلاقًا والاهتمام بالتفاعل مع الأديان المُختلفة، كما يحثُّنا إليه المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني، وكما تدفعنا إليه حضارتُنا المُعاصرة. ولمّا كانت الأوضاعُ الدينيّة والثقافيّة السائدة في أسفار العهد الجديد تختلف اختلافًا كبيرًا عن عقليّتنا المُعاصرة، تظهر صُعوبةٌ حقيقيّة في تبرير تفاعل الدين المسيحيِّ الجديد بسائر الأديان، خاصّة وأنّ عددًا من النُّصوص الكِتابيّة، إذا قُرئت قِراءةً حرْفيّة، قد توحي بأنّ ما مِن حِوار جائز ولا مِن تفاعل مُمكن؛ هذه هي قِراءة المُتشدِّدين والحَرْفيّين. وأمّا النظرة المُنفتحة، فهي لا تتجاهل النُّصوص الكِتابيّة التي تُمثِّل صُعوبة في هذا الشأن، ولكنّها ترى أنّ ثمّة جوًّا عامًّا سائدًا يُظهر قصدَ الله الشامل جميعَ الشُّعوب والأُمم في سبيل خلاصها، تلك النظرة الإلهيّة التي تحثُّ المسيحيّين على الرجاء بخلاص جميع البشر، وتحضُّهم على الحِوار مع “الآخر المُختلف”، والسعيِ لصِياغة خِطاب لاهوتيٍّ مسيحيٍّ يتعلّق بسائر الأديان، وبوضعها مِن تاريخ الخلاص. تجمع إذًا خواطرنا اللاهوتيّة هذه قُطبين لا يقبلان الانفصال: وحدانيّة/فرادة يسوع المسيح، ما يُعبِّر عن هُويّة المسيحيّة مِن جِهة، وغيريّة تفاعلها مع سائر الأديان مِن جِهة أُخرى

وسنتبع المنهج الآتي:

سننطلق، بطبيعة الحال، مِن العهد الجديد، ولاسيّما مِن بعض النُّصوص التي تهمُّ قضيّتنا. وسيدفعنا ذلك إلى إلقاء نظرة على القُرون المسيحيّة الأُولى التي صاغت الصرح العقائديّ، وقد احتكّت بأديان وثقافات أُخرى، ما يهمُّ موضوعَنا بالدرجة الأُولى. وبُناءً على هاتين الركيزتين، سنُوضِّح علاقة تاريخ المسيحيّة بأديان مُختلفة، وبمُعتقدات وفلسفات وثقافات مُتباينة.

أوّلاً ـ العهد الجديد الإشكاليّة

كيف نطرح السؤال؟ لو بحثنا في الكِتاب المُقدّس عن الحُجج التي تؤيِّد أو ترفض حِوار المسيحيّة مع سائر الأديان، لطرحنا سؤالاً لم يطرحه الكِتاب نفسه، كون هذا السؤال يتعلّق بعصرنا لا بعصره، وبإشكاليّتنا لا بإشكاليّته. أمّا السؤال الصائب، فهو: ما كان موقف يسوع مِن دينه اليهوديِّ ومُمارساته وطُقوسه، ومِن غيره مِثل السامريّين والوثنيّين؟ ما يطرح سؤالاً مُرتبطا به ارتباطًا وثيقًا: كيف شهدت الكنيسة الناشئة للإنجيل، وذلك إزاء سائر الأديان مِن يهود وأُمم، وما كان موقفها مِنها؟

نُصوص كِتابيّة

سنكتفي بعرض ثلاثة نُصوص تُفيد مُباشرةً موضوعنا وسنعتمد عليها في تحاليلنا: * “قال يهوذا غير الإسخريوطيّ: “يا ربّ، ما الأمر حتّى إنّك تُظهر نفسك لنا ولا تُظهرها للعالم؟”. أجابه يسوع: “إذا أحبّني أحد حفظ كلامي، فأحبّه أبي، ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مُقامًا” “(يو 14/22 ـ 23). ما الذي يُمكننا استخلاصه من هذا الحِوار البسيط بين يسوع وتلاميذه؟ أوّلاً أنّه يُعبِّر عن رغبة التلاميذ، وربّما غيرهم، في أنّ يسوع يُعلن نفسه للجميع، فلا تقتصر معرفته على الذين تعرّفوا إليه في فلسطين وارتبطوا به مِثل التلاميذ أنفسهم. إنّ سؤال يهوذا في حدِّ ذاته سؤال مشروع، غير أنّه يحمل في طيّاته خطرًا مُتستِّر قد يُهدِّده أو أقلّه  قد يُهدِّد الكنيسة من بعده، وهو فرض السيطرة على الآخرين، بفرض المسيحيّة دينًا للعالم. ولذا، فلا يُجاوب يسوع، على عادته، إجابةً مُباشرة، بل يُحوِّل الموضوع من الاهتمام المُلتبس بالعالم إلى ضرورة الاهتمام أوّلاً بحياة الكنيسة الداخليّة، وهي الجوهر والأساس: حبُّها لربِّها، وحفظُها كلمتَه، وتحقيقُها وصيّتَه في المحبّة. وسينجم عن ذلك أنّ حياة الكنيسة هذه ستُعلن من جرّاء نفسها الربّ، وقد قبلتْه خاصّتُه، كما جاء في سِفر أعمال الرُّسل التي وصف حياة الجماعة المسيحيّة الناشئة، ما كان يجذب الغُرباء إلى الانضمام إليها (رُسل 2، 4، 5). هكذا فإنّ يسوع يُحمِّل جماعته مسؤوليّة الشهادة له عبر حياتها، بدون أيِّ ضغط خارجيٍّ على الغُرباء، بل إشعاعًا مِنها بصفاء حياتها، وشفافيّة أمانتها على وصيّة ربِّها. الأمر الذي لا يُحدُّ الربَّ في أن يُعلن ذاته بطُرق أُخرى، ولكنّ السؤال الحقيقيّ الجوهريّ هو “شهادة” جماعة يسوع لسيِّدها، ولا “سياستها” تُجاه الديانة المسيحيّة، وإمكانيّة فرضها على الآخرين بطُرق غير التي وضّحها الربُّ نفسه.  وإذا عُدنا إلى بعض شُهود عالمنا المُعاصر، جنينا أقوالاً تحثُّ على الشهادة المسيحيّة الحقيقيّة: “العالم بحاجة إلى شُهود أكثر منه إلى مُعلِّمين” (البابا بولس السادس). “إنّ الإنجيل الوحيد الذي يستطيع العديد من إخوتك أن يقرؤوه هو حياتك” (دون هِلْدِرْ كَمارا). “لا تتكلّم في المسيح إلاّ لِمَن يسألك. ولكن عِشْ بطريقة تحثُّ على السؤال ” (الأخ روجيه شوتْزْ).

* “إذا قُضِّبتْ بعضُ الفُروع، وكنتَ أنت زيتونةً برِّيّة فطُعِّمتَ مكانَها، فأصبحتَ شريكًا لها في خصب أصل الزيتونة، فلا تفتخر عن الفُروع. وإذا افتخرتَ، فاذكر أنّك لا تحمل الأصل، بل الأصل يحملك. ولا شكّ أنّك تقول: “قُضِّبتْ فروعٌ لأُطَعَّم أنا”. أحسنتَ! إنّها قُضِّبت لعدم إيمانها، وأنت باقٍ لإيمانك، فلا تتكبّر بل خَفْ. فإذا لم يُبقِ اللهُ على الفُروع الطبيعيّة، فلن يُبقى عليك” (روم 11/17 ـ 21). يتعلّق هذا النصُّ بقبول الوثنيّين البُشرى المسيحيّة، وقد رفضها الشعبُ اليهوديُّ المُختار. لذا وجّه بولس كلامه إلى هؤلاء الوثنيّين الذين أصبحوا مسيحيّين ووقعوا في فخِّ الافتخار باهتدائهم إلى المسيح؛ لذا شدّ انتباهَهم إلى خطر الوُقوع في العُجب والاعتزاز بالنفس والكِبرياء، على حساب الشعب اليهوديِّ الأصليّ. ويُمكننا تطبيق ذلك الوضع على سائر الأديان، لا إلى دين وثنيّي العهد الجديد فقط، ذلك بأنّ التميُّز بالمسيحيّة نعمةٌ مجّانيّةٌ من الله، فلا يجوز إطلاقًا العُجب بالذات، بل ينبغي الوعي أنّ التميُّز هذا مسؤوليّةٌ تقع على عاتق المسيحيّين، على مِقدار نِعمة الله المجّانيّة، وذلك سواء أكانت الكنيسة في موضع أغلبيّة أم أقلِّيّة. ما لا يمنع الجماعات الكنسيّة مِن أن تُحقِّق وصيّة الربِّ في أن تُعلنه للخلق أجمعين، كما هو وارد في خِتام الأناجيل بعد قِيامة يسوع المسيح، وفي بِداية أعمال الرُّسل عِند صُعوده. وذلك ما يظهر بوُضوح في النصِّ الكتابيِّ الآتي.

* خُطبة بولس في آثينة أمام الأرْيوباغُس (رُسل 17/16 ـ 34)

في بِداية الخُطبة، مدح بولس إيمان الأثينيّين الدينيّ: “أراكم شديدي التديُّن مِن كُلِّ وجه”. ثمّ اعتمد على ما رآه من هيكل “إلى الإله المجهول” أملاً مِنهم أن ينالوا رِضى الآلهة المنسيّة أو المجهولة، ما جعل بولس يجرؤ أن يُصرِّح لهم: “ما تعبدونه وأنتم تجهلونه، فذاك ما أُبشِّركم به”. وفي سبيل ذلك، وجد قاسمًا مُشتركًا بينه وبين مُستمعيه، فمدح ما يؤمنون به، لاسيّما بالإله الخالق والقريب مِن البشر وهم مِن سُلالته. وبعد ذلك نقد تمثيلهم اللهَ بـ “الذهب أو الفِضّة أو الحجر”، فدعاهم إلى التوبة، وقد “حدّد الله يومًا يدين فيه العالم دينونة عدل عن يد رجل أقامه”. وعِندما سمعوا بالقِيامة، أخد بعضُ مُستمعيه يهزأون به، وبعضهم ينضمّون إليه ويؤمنون. وتظلّ هذه الخُطبة نموذجًا لأنّها تُبيِّن مِن جِهة ما في الدِّيانات مِن مَحاسن وحقيقة (ما ركّز عليه المجمع الفاتيكانيُّ الثاني في كلامه على علاقة المسيحيّين بالأديان)، ومِن جِهة أُخرى اختلافها عن المسيحيّة، وذلك بكُلِّ وُضوح لا يقبل أيِّ التباس (ما سبّب رفض بعض المُستمعين، وإيمان بعضهم)، ولكنّ تعبير بولس اتّسم بكُلِّ رزانة واحترام لمُستمعيه. وبهذا المعنى تُعتبر خُطبته هذه نُموذجًا ومِعيارًا، كما سيتّضح لنا في سِياق تحاليلنا.

الخُلاصة

تحقّقْنا عِبر عرضنا هذه النُّصوص الكِتابيّة مِن صِحّة افتراضنا المُسبق، وهو وحدانيّة/فرادة شخص يسوع المسيح، بلا أيِّ مُساومة أو تردُّد: ما يُظهر أهمِّيّة الشهادة الحياتيّة لشخصه وإعلانه، وذلك بتواضع مَن نالوا مجّانيًّا نِعمة الاهتداء إليه بدون أيِّ استحقاق منهم؛ وفي الوقت عينه، الانفتاحَ على سائر الأديان، مِنه الاعتراف بمحاسنها وما تتضمّنه مِن حقيقة، ما يجعل التفاعل معها أمرًا مُمكنًا. 

ثانيًا ـ المسيحيّة الناشئة الإشكاليّة

تعود ميزةُ الاعتماد على القُرون الأُولى مِن المسيحيّة إلى أهمِّيّة عصر آباء الكنيسة الذين يُمثِّلون مرجعًا مضمونًا للخِطاب اللاهوتيّ، وإلى أنّ عصرهم قد واجه ـ قبلنا ـ  العديد من المُعتقدات والمُمارسات والروحانيّات. ثُمّ إنّ المسيحيّين في القُرون الأُولى كانوا يُمثِّلون، في داخل الإمبراطوريّة (حتّى الاعتراف الرسميِّ التي تمّ عن يد قُسطنطين)، أقلِّيّة عانت الشدائد والمُعاكسات والاضطهادات، ما جعلهم يُدافعون عن إيمانهم إزاء الخارج العدائيّ. ففي سبيل شهادتهم الإيمانيّة، قد أطلقوا تفكيرهم في مُختلف المُعتقدات المُنتشرة حولهم، فتعدّدت نظرتهم بِحسب الأماكن والظُّروف والمؤلِّفين. ولا ينبغي طرح السؤال: هل كانوا مُنفتحين أم مُنغلقين على الخارج؟ إذ لم يكن ذلك هاجسَهم، بل هو هاجسُنا نحن، بل يجب طرحه بحيث نكتشف كيف نظروا إلى الخارج وتفاعلوا معه وهم يشهدون للمسيح؟ وثمّة فُنون أدبيّة مُتعدِّدة قد استعملوها، نُدقِّق النظر في ثلاثة مِنها: الفنّ الدِّفاعيّ والعقائديّ والروحيّ.

الخِطاب اللاهوتيُّ الدِّفاعيّ

استُعمل هذا الخِطاب إذ دافع المسيحيّون عن إيمانهم؛ ولكن ما يشدُّ الانتباه أنّهم أبدعوا في ذلك الفنِّ إذ استعانوا بتقاليد العالم الوثنيّ. نذكر على سبيل المِثال لا الحصر: أكليمندُس الإسكندريّ الذي أسهب في ذِكر الفلاسفة والشُّعراء اليونانيّين. وإنّ تَرْتُليانُس، بالرغم مِن جِداله الشهير حول آثينة وأورشليم، إلاّ أنّه كان يستند إلى الثقافة القديمة بِقدر ما كانت تُفيد إعلان البُشرى المسيحيّة. وأمّا يوسْـتينُس، فقد اعتبر، مع العديد من الآباء، أنّ الله قد أعلن ذاته بطُرق مُختلفة، فأبدع صيغة أخذت رواجًا عظيمًا إلى اليوم، وهي “بُذور الكلمة” (ٍSemini Verbi)، أو، بتعبيرنا المُعاصر، “آثار الله” إذ بذَر اللهُ كلمتَه بين مُختلف الشُّعوب والحضارات قبل تجسُّد الله الكلمة؛ وقد فرض هذا التعبير نفسه، إذ نظر إلي الأُمم غير المسيحيّة نظرة إيجابيّة. ونُضيف، مِن جِهتنا، ما ذكّر به المجمع الفاتيكانيُّ الثاني مُجدَّدًا، وهو أنّ روح الله يعمل في جميع البشر وجميع الحضارات والأديان، ذلك الروح الذي “يُرِفُّ على وجه المِياه” مُنذ بِداية الخليقة (تك 1/2)، وإن كان “يسكن” في المسيحيّين فقط بِموجب المعموديّة والميرون. ويأتي أوريجانيس الإسكندريُّ الذي اعتمد على سِفر العدد حيث إنّ المُنجِّم الوثنيّ بلْعام قد بارك إسرائيل، لا لأنّ الله يقبل التنجيم، بل لأنّه “يحضر لِمَن يأتي إليه، فيكشف له كلمته”، ما يُنبئ بالمجوس الذين قدِموا مِن بعيد ـ جُغرافيًّا وثقافيًّا ودينيًّا ـ ليسجدوا للطِّفل يسوع، وقد كشفت لهم النجمةُ طريق بيت لحم… عِبر تِلك الأمثلة النُّموذجيّة، نُدرك أنّ مسيحيّي القُرون الأُولى لم يكتفوا بالدِّفاع عن إيمانهم، بل أخذوا بالاعتبار وضعَ غير المسيحيّين، لاسيّما ما تتضمّن عقائدُهم مِن حقيقة، إذ قد بذل يسوع المسيح حياته لأجلهم أيضًا. إنّهم نظروا إليهم بكُلِّ تواضع وجُرأة في آن واحد، مِن مُنطلق محبّتهم الداخليّة المُتّجهة نحو الخارج، كما ذكرناه في النُّصوص الكِتابيّة. 

الخِطاب اللاهوتيُّ العقائديّ

ما لا ريب فيه أنّ الخِطاب اللاهوتيّ العقائديّ قد نشأ في داخل الجماعات المسيحيّة، لاسيّما في إطار طُقوسها وتربيتها المسيحيّة، وذلك من مُنطلق الكِتاب المُقدّس. غير أنّ ما ساعدها على التعمُّق في مضمون إيمانها وفي تحديد معالمه، احتكاكُها الثقافيُّ مع الخارج المُختلف عنها، عِبر المُناظرات والمُناقشات والمُواجهات. فعلى سبيل المثال، إنّ جِدال إيريناوس مع  الغنوصيّين ولاسيّما مَرْقيون، جعله يتعمّق في مفهوم المسيح الذي “يجمع تحت رأسه ويدمج في شخصه” (Recapitulatio) الجميعَ  وكُلّ شيء، اعتمادًا مِنه على ما قاله بولس في أف (1/10) (Anakèphalaioô). وكذلك، أمام سِلْسِيوس الذي، اعتمادًا مِنه على تقاليد بعض الأبطال الوثنيّين الذين اختفوا ثُمّ عادوا، نقد قيامةَ المسيح، ما أدّى بأوريجانيس إلى شرح معنى قِيامة المسيح الحقيقيِّ والتعمُّق فيه. وكذلك الأمر في ما يتعلّق ببعض المُمارسات الوثنيّة التي سمحت لسائر الآباء بشرح الأسرار والطُّقوس والعقائد المسيحيّة على حقيقتها. وخُلاصة القول أنّ الصرح العقائديّ المسيحيّ لم يتشيّد بفضل الداخل فحسب ـ مِن بِدع وهرطقات ـ ، بل بفضل تفاعل الآباء مع الخارج والآخَر المُختلف، وإن كان مُعاكِسًا، مُناهضًا أو عدائيًّا.

الخِطاب اللاهوتيُّ الروحيّ

لا يقتصر الإيمان المسيحيُّ على الدِّفاع والعقائد، بل نما الخِطاب الروحيُّ أيضًا وهو يُعبِّر عن نمط الحياة بالروح، ذلك النمط الذي يقتدي بالمسيح ويعتمد على الكُتب المُقدّسة ويتغذّى بالأسرار، وكلُّ ذلك في داخل الجماعة الكنسيّة. غير أنّ ذلك الفنّ الأدبيّ نشأ هو الآخر بفضل تفاعله مع مُختلف الظُّروف الثقافيّة والدينيّة والسياسيّة التي أحاطت بالمسيحيّين. ففي ظُروف الاضطهادات، نما خِطاب الاستشهاد. وفي ظُروف التعايش السِّلميّ، تحدّدت معالم مُفارَقة الحياة المسيحيّة “في العالم” / “لا مِن العالم”، في وسط الآخرين المُختلفين. وفي ظُروف التأثُّر بالفلسفة الأفلاطونيّة، ظهر التصوُّف وتحدّدت تعبيراته الروحيّة. وفي ظُروف الرخاء القُسطنطينيِّ بعد عصر الاضطهادات، نشأت الحياة الرهبانيّة وهي نمط آخر من الاستشهاد لأنّها موت يوميٌّ عن الذات، عُبِّر عنها اليوم بتشبيه “الخيط الأبيض”، في حين أنّ الاستشهاد هو “الخيط القرمزيّ”… نجد في ذلك المجال أيضًا أنّ الحياة المسيحيّة لم تكن حياة كنسيّة مُنطوية على ذاتها وعلى أبنائها، بل هي تفاعلت مع كُلِّ ما كان يحدث حولها، وإن كان لا يمتُّ إليها بصِلة مُباشرة، بل وكان أحيانًا مُعاديًا لها، وتأثّرت به إذ صبغته صبغتها المسيحيّة الخالصة.

الخُلاصة

ما سبق أن اكتشفناه في الكِتاب المُقدّس مِن ازدواج الشهادة للإيمان / التفاعل مع الخارج، قد وجدناه هُنا أيضًا في قراءتنا السريعة في العُصور الأُولى مِن المسيحيّة. كان بوُسعنا أن نقرأ في سائر العُصور المسيحيّة، لاسيّما في ما بعد الاعتراف الرسميِّ بالمسيحيّة، ولكنّنا نكتفي بهذا القدر، مُصوِّبين نظرنا الآن، من مُنطلق القراءتين السابقتين، وهُما نُموذجيّتان، إلى تفاعل المسيحيّة المُعاصرة مع سائر الأديان.

للمقال بقية – عن مجلة صديق الكاهن العدد الرابع2009