stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

دور العاطفة في الصلاة-الأب/أوليفر

409views

ca8u1vasدور العاطفة في الصلاة-الأب/أوليفر

أود، في مقالي هذا، أن أتكلم عن دور العاطفة الأساسي في الصلاة فأحد أهم المبادئ الأساسية في مدرسة الصلاة، والذي يسمح لنا بالدخول في الصلاة بعمق والمثابرة فيها، هو أن العبرة “ليست في الكم وإنما في النوعية”. فليس المهم أن نستعرض العديد من الأشياء بطريقة سطحية وإنما أن ندخل إلى عمقها فلا نشتت انتباهنا وطاقتنا على مساحات وموضوعات متعددة، بل نركز على عنصر واحد ونسمح له بأن يتغلغل فينا حتى أعماق القلب. ليس بكثرة المعلومات:

يُجمع أغلب المعلمين الروحيين، كل حسب طريقته، على أنه “ليست كثرة المعلومات والمعارف هي التي تملأ النفس وتسرها، وإنما يملأ النفس ويسرها أن تستشعر الحقيقة وأن تتذوقها باطنياً”.

وخير مثال لتوضيح ما قيل هو حالة تتكرر غالباً في الرياضات الروحية. فكثيراً ما نلتقي بمرافقين روحيين يعتقدون أن واجبهم الأول هو أن يوفروا للمرافق أكبر قدر ممكن من المعلومات أثناء التأمل، ويبدو أن ذلك يظل شاغلهم الأول فهم يريدون، لو استطاعوا، التحدث عن كل شيء وربما أكثر من ذلك. وكل ما يهمهم هو تقديم أكبر عدد ممكن من الموضوعات.

وكما يوجد مثل هؤلاء المرافقين، فهناك أيضاً من المتريضين والمرافقين- بفتح الفاء- لا يريدون من مرشد الرياضة أن يعطي أكبر قدر ممكن من الموضوعات فحسب، بل إنهم يريدون أن يروا كل شيء في صلاتهم وأن يتناولوا فيها كل نقاط التأمل، دون التغاضي عن أدق التفاصيل.

لنعلنها بصراحة، فطالما ظل الشخص يبحث في الصلاة عن أفكار كثيرة وأحاسيس رائعة وخارقة للعادة، فهو لم يدخل بعد في الصلاة وليس على مستوى الصلاة بعد. فليس جمال الأفكار ولا حجم الموضوعات المتناولة هما ما يشكل الصلاة ويسر النفس ولكن ما يسرها هو أن تشعر الحقيقة وتتذوقها باطنياً وبعمق. وعلينا أن نعي ذلك تماماً، لأن خبرتنا في المرافقة الروحية تجعلنا نلتقي بأشخاص لهم حياة صلاة تبدو وكأنها توقفت في منتصف الطريق نحو الله، تبدو وقد ظلت فقيرة لأنهم لم يفهموا بعد هذا المبدأ: “أن الصلاة تنمو وتترعرع بالتوجه نحو العمق وليس في الامتداد على السطح”.

الهدف من الصلاة

مما سبق أريد تناول المعنى الجوهري الذي هو الهدف من الصلاة. ليس هدف الصلاة كما سبق القول، هو الحصول على أفكار مدهشة أو عقلانية للأسرار المسيحية، إنما الهدف من الصلاة هو الحصول على السلام، سرور وتذوق لحضور الله وتتميم مشيئته الإلهية، إني استخدم تلك الكلمات عن قصد وبوعي. فأتكلم عن سلام، عن سرور وعن تذوق وتتميم مشيئة الله ويقودنا هذا مباشرة إلى القضية الملتهبة وهي الوجدان في الصلاة وفي كل مجالات الحياة الروحية. أعرف أنني أتعرّض لموضوع حساس وساخن- فليس من السهل الكلام عن العاطفة في الصلاة أو في الحياة الروحية، ومن جانب آخر أرى أنه ليس من الجدية، من الوجهة التربوية، أن نلزم الصمت أو نحاول تفادي الكلام عنها لمجرد أنها موضوع حساس.

أعتقد أننا نتعرض بسبب نشأتنا إلى نوع من رد الفعل الآتي: ماذا! القلب، العاطفة، الحب، الأفضل ألا نتحدث عنها. ومن الحرص أن نخبئها.

كم من وقت طويل نحتاج لحل العقد التي سببها الخوف من العاطفة، وكم من طاقة يجب أن نصرف لمساعدة الناس على قبول عاطفتهم الإنسانية ومعايشتها.

القلب هو مكان الصلاة

يجب علينا أن نردد دون توقف، أن القلب هو مكان الصلاة وطالما لم تمس الصلاة القلب فهي ليست بعد صلاة. ربما تكون استعداد للصلاة أو عمل تحضيري للصلاة ولكنها ليست صلاة بعد.

ولكن ماذا نعني بقولنا أن القلب هو مكان الصلاة، استخدام كلمة “قلب” هنا بمعناها الوارد في الكتاب المقدس وليس مجرد المعنى الفيزيولوجي البيولوجي. والقلب في الكتاب المقدس هو مركز كل الشخصية حيث ذاتية الشخص بمعنى الكلمة إذ فيه يمكن للكائن أن يحقق عمق وحدته ويكون قادراً أن يهب ذاته أو يرفض. القلب إذن هو المركز الأساسي للاختيارات الحياتية مع أو ضد الله، هذا هو معنى أن القلب مكان الصلاة.

لماذا؟

لأنه لا يمكن أن يحدث أي تغيير ما لم تمس الحقيقة القلب. ولن تصل الحقيقة إلى القلب إلا عن طريق عملية تمثيل واستيعاب بطيء. ربما نكون قد تعلمنا ذلك جميعاً عن طريق خبرتنا الشخصية؛ فمن شأن أمر تذوقناه في الباطن أن يفتح قلبنا على أمر آخر فتذوق نقطة أو حقيقة ما يفتح الطريق على آفاق أخرى. ولذلك يذكرنا أغناطيوس دي لويولا بالمبدأ الأساسي: “ليس الكم ولكن النوع” فقد تكفي نقطة واحدة تذوقناها بعمق لتفتحنا على أخرى، وبالتالي وجب علينا أن نركّز صلاتنا على أمر واحد فقط ونسمح له بالتغلغل حتى القلب وحينئذ يفتحنا على نقاط تالية.

يحلو لي أن أكرر أن الصلاة، وأيضاً الحياة الروحية، تنمو وتترعرع بشكل لولبي عميق أكثر منه في خط مستقيم، وتتجه أكثر فأكثر نحو العمق.

صميم العاطفة

إن ذلك كله يحملنا إلى الكلام عن صميم العاطفة ذاتها. ويجب علينا أن نؤكّد فوراً أنه ليس من الطبيعي مطلقاً ألا يحدث شيء ما في الصلاة لمدة طويلة. وفيما يتعلق بفترة الصلاة، يقول لنا أغناطيوس: “إذا لاحظ المرشد أن نفس المتروض خالية من الانفعالات الروحية… وجب أن يسأله كثيراً عن الرياضات هل يمارسها بأوقاتها المعينة وكيف يمارسه، وكذلك عن الملحقات هل يقوم بها بدقة…” (تم6).

إن حالة الهدوء التي هي نقص الانفعالات الروحية، هي حالة مشبوهة. وأريد أن أدرسها بشيء من التعمق. ماذا يعني القول أنه من الطبيعي أن تكون الصلاة ولفترة طويلة من منطلق الواجب فقط؟ وأكرر مرة أخرى، إن اليبوسة أثناء الصلاة ولفترة طويلة، بمعنى غياب أي انفعال باطني، أمر غير طبيعي تماماً. لو أن هذه الحالة استمرت لفترة ما على أن أسجلها وعلى المرشد أن يأخذها في الاعتبار ويسأل المتريض الذي يصلي بجدية أن يبحث عن الأسباب وأن يحدد الدواء.

هل تعتقدون أن الله يريد أن أواصل اتصالي به وحواري معه وعلاقتي به كحمل ثقيل ورهيب؟ لو أنكم حقيقة تؤمنون بذلك وسعداء به! فهنيئاً لكم. أنا شخصياً لا أستطيع أبداً أن أرى الله هكذا؛ إلهي يريد أن أجد سروري وسلامي في اتصالي به وحواري معه. يريدني أن أحصل على خبرات عاطفية في صلاتي وفي حواري معه؛ هذا لا يعني أن صلاتي ستكون دائماً سهلة فالسلام والفرح الذين نتكلم عنهما لا علاقة لهما بال “عواطفية” التي هي تكلف العاطفة، ولا بال”انفعالية” السطحية.

 إن الطبيعي هو أن نطلب العطايا الروحية التي تساعدنا على الشعور وتذوق حضور الله في الصلاة. ومتى تحدثنا عن الصلاة فالكنيسة هي قائدتنا في ذلك. هل قرأتم صلوات الكنيسة؟ سآخذ مثالاً من الليتورجيا اللاتينية (لجهلي بالليتورجيا الشرقية) “اسكب، يارب، في قلوبنا اللذة العاطفية لحبك وهبنا التلذذ ببيتك، وأسكرنا بغنى بيتك الفياض”.

يمكنكم الآن تفهموا لماذا استخدمنا أسلوباً مملوءاً بالعاطفة عند كلامنا عن الصلاة، فهذا ما تحثنا الكنيسة على طلبه، فهل تخطئ الكنيسة في صلاتها؟ لا، لأن الكنيسة والمعلمين الروحيين يستقي كلاهما تعليمه من الكتاب المقدس المملوء بالخبرات والاختيارات الوجودية الفياضة بالعاطفة.

فلنأخذ مثالاً آخر يعتبر بصفة خاصة صلاة الكنيسة، هو المزامير. لنذكر مزامير 42، 63، 84.

“كما يشتاق نفس إلى الله، إليك يا الله

ظمئت نفسي إلى الله، الإله الحي.

متى آتي وأحضر أمام الله؟” (مز43: 2-3)

أي نوع من التعبير هذا إن لم يكن حديث الحب، حديث الوجدان المشحون بالعاطفة؟ فلنأخذ أيضًا مزمور 63 الذي نردده في أيام الأعياد. لاحظوا مرة أخرى التعبير في الحديث، الذي هو نفس التعبير المستخدم بين المحبين.

“اللهم أنت إلهي إليك بكرت، إليك ظمئت نفسي وتاق جسدي. كأرض قاحلة مجدبة لا ماء فيها… أطيب من الحياة رحمتك، … إذ ذكرتك على مضجعي تمتمت بك في الهجعات، لأنك كنت لي نصرة فأهلل في ظل جناحيك، علقت بك نفسي ويمنك ساندتني” (مز2:63، 4، 7-8).

هناك مثال آخر هو حديث المحبين مأخوذ من المزامير التي كان إسرائيل يحب ترنيمها في صعوده إلى أورشليم نحو هيكل الرب. وهو ضمن المزامير المتدرجة، مزامير الحج والتي كانت تعبر دائماً عن رغبة عميقة نحو الرب الساكن في هيكل أورشليم. إنه المزمور 84 الذي يقول:

“ما أحب مساكنك يارب القوات تشتاق وتذوب نفسي إلى ديار الربويهلل قلبي وجسمي للإله الحي… إن يوماً في ديارك خير من ألف كما أشاء”. (مز2:84-3، 11) إنه حديث حب مشحون بالعاطفة.ولم أعط سوى الأمثلة المأخوذة من المزامير. ولكن الكتاب المقدس مملوء بهذا الأسلوب في التعبير، وهذا التعبير ناتج عن اختبار، وجودي، مملوء بالعاطفة حتى النهاية.

فلماذا إذن نخاف هكذا من هذه التعبيرات وهذا الحديث؟

مماذا نخاف حقيقة؟ هل في هذا الحديث شر، حديث الله؟

التوازن في الحب وهبة الذات

لنفترض القضية التالية: لا يجد الإنسان توازنه الحقيقي إلا في الحب وهبة الذات. واليوم، بفضل التقدم الهائل في علم النفس الحديث، نبدأ في الاعتراف بأن الحب هو الينبوع الرئيسي لكل نشاط إنساني وإن الإنسان لا يجد توازنه إلا في الحب وهبة الذات.

هل لاحظتم أننا نتكلم اليوم أكثر فأكثر عن الاتزان والنضج العاطفي كتعبير عن صميم النضج الإنساني؟

عند اختبار العناصر المتقدمة للانخراط في الحياة الرهبانية أو الكهنوتية، نتجه بالبحث مباشرة نحو العنصر الأساسي للنضج الإنساني والذي نسميه بالاتزان أو النضج العاطفي.

لا يمكن إطلاقاً الوصول إلى اتزان عاطفي وبالتالي إلى نضج إنساني حقيقي بعقلانية جافة حاسبة أو بالتركيز فقط على الإرادة وحدها دون مرونة ولا حياة. هناك عبارة جميلة جداً لبسكال في كتابه “أفكار” يقول فيها:

“الإنسان ليس ملاكاً ولا حيواناً. فإذا حاول تقمص دور الملاك فسينتهي بأن يكون حيواناً، لأن من يلعب دور الملاك يُظهر بلاهة الحيوان”.

فطالما لم أقبل عاطفتي، التي هي قلب إنسانيتي، فسأخلق لنفسي عديداً من المشاكل العميقة. وإذا ما تركت قلبي وعاطفتي يتضوران جوعاً، فآجلاً أم عاجلاً، لن يلبثا علي بكل عنف وقوة.

وهنا نصل إلى النقطة المركزية للدور الرئيسي للعاطفة في الصلاة والحياة الروحية. إن تذوق الله والشعور الباطني به أمر ضروري في الصلاة من أجل توازن الحياة المسيحية، وأكثر ضرورة وأهمية من أجل توازن حياة مسيحية مكرسة. نقول ذلك لأننا نعرف جميعاً أننا عندما نقدم لله التبتل في الحياة المكرسة، نقدم له أعمق أبعادنا الطبيعية وهو البعد العاطفي، وإلا فسينتقمان عاجلاً أم آجلاً. فمن واجبي، كشخص مكرس، أن أغذي قلبي بالله وفي الله وذلك عن طريق كل ما أقوم به في حياتي وخدمتي الرسولية.

وجدير بالذكر أن هناك خطر كبير ومخاطرة أكبر للمكرس الذي يقوم برسالته دون أن يضع قلبه وعاطفته في الله وفي إخوته وأخواته. إن خطراً ومشاكل جادة تهدد حياته. فالله هو الينبوع الذي منه ترتوي عاطفتنا والطعام الذي به لابد أن يتغذي قلبنا. فهو محور ومعنى حياتنا.

هناك نتيجة أخرى وهي أنه كلما كان الشخص موهوباً على المستوى الإنساني ويتمتع بكفاءات كثيرة، كلما كان احتياجه إلى غذاء القلب أكثر وأشد.

ما أريد قوله هو إن الأشخاص الذين يتمتعون بميزات عقلية فائقة والغارقين في عالمهم العقلي هؤلاء مهددون بخطر عدم الوصول إلى تحقيق كيانهم الشامل. فرغم انهم ينمون بطريقة رائعة في جانب معين، تظل هناك فجوات في جوانب أخرى. وقد يفتقدون الاتزان حقيقي في نموهم،وفي تحقيق التكامل بين الجسد والروح والنفس. وغالباً ما يكونون عباقرة على المستوى العقلي فقط، ولكنهم يظلون أطفالاً على المستوى الروحي والنفسي. ليسوا “أطفال” بالمعنى الإنجيلي للكلمة، وإنما بمعنى “الصبيانية” وذلك لأنهم لم يغذوا ولم ينموا عاطفتهم.

لماذا نخاف من القلب؟

علينا الآن أن نسأل أنفسنا بجدية لماذا نخاف من قلبنا، من عاطفتنا، من خبرة الحب؟ لماذا نهرب من مواجهتها؟ هل تعرف لماذا؟ أعتقد لأننا نخشى أن يصبح كل ذلك محض أحاسيس ومشاعر سطحية. ونحن لا نريد أن يحدث ذلك في علاقتنا مع الله ومع إخوتنا وأخواتنا. ولكننا نريد أن تكون علاقتنا مؤسسة وقوية.

وهنا نصل إلى نقطة محورية في مجال العاطفة. سبق أن تكلمنا عن الدور الرئيسي للعاطفة في الصلاة والحياة الروحية. وأود هنا أن أشدد على أهمية وجود تربية متينة فيما يتعلق بالعاطفة. لا تظنوا أنني أدعو هنا إلى ترك الزمام للعاطفة دون تحكم، إطلاقاً! إن ما أقصده هو أننا بحاجة إلى أن نقرّ ونختبر ضرورة التربية السليمة لعاطفتنا. إننا بحاجة إلى نوع من التطهير لعاطفتنا.

ويلزمنا الآن أن نشرح ماذا يعني بهذه التربية وهذا التطهير هذا ما سنعرضه في العدد القادم.  

عن مجلة صديق الكاهن 2/1994