stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعويةموضوعات

شفاء المولود أعمى ( أحد التناصير ) – الأب/ أنطونيوس فايز

1.3kviews

” يسوع يرى الأعمى… لأنه نــور الــعــالم، ما دام في العالم. اذهب وأغتسِل ( اعترف بخطاياك)…أتُؤمِن أنتَ بابن الإنسان؟ ومن هو ..فأومن به؟.. أنت رأيته، هو الذي يكلمك.. آمنتُ، يا رب.. وسجد له” ( يو 9: 1- 38).
يرتحل بنا قطار قراءات الصوم الأربعيني لنصل إلى المحطة قبل الأخيرة، محطة الأحد الخامس وهو أحد التناصير. لقاء يسوع وتلاميذه مع المولود أعمى. تتدرج قراءات آحاد الصوم الأربعيني المقدس، من منظور الموقف الإنساني، لتصل إلى القمة في نصوص أحد التناصير، والذي نجد خلّفيته في نص يوم السبت السابق له، أي نص شفاء أعمى أريحا – برطيماوس الشحاذ (مر10: 46- 52). في نفس الوقت، تتدرج هذه القراءات، من منظور الموقف الإلهي من قضية الخلاص، لتصل إلى قمتها في قراءات أحد الشعانين والقيامة.
في الواقع، إنطلاقاً من نص التجارب ( مت 4: 1- 11)، يواجه الإنسان التجارب المتنوعة، في علاقته بذاته، والآخر، والله. تتمحور الخطية الأساسية في رغبات الإنسان الجامحة، والتي تغضّ النظر عن علاقاته بالآخرين، أو على حساب الآخرين، حيث يعتبرهم منافسين له وليسوا شركاء. هذا نراه متجسدا في نص مثل الأب الرحيم ( لو 15: 11- 32)، صراع علاقات الأخوّة. يتضح هذا، بقوة، في نص المرأة السامرية ( يو 4: 1- 42)، حيث توتر العلاقة بين الرجل والمرأة، بين السامريين واليهود، صراعات عرقية، دينية…الخ. هذا يصل إلى قمته في نص المفلوج منذ ثماني وثلاثين عامًا ( يو 5: 1- 14)، والذي يطلق عليه نص” الوحيد”، إنطلاقًا من رد المفلوج على سؤال يسوع له “أتريد أن تبرأ؟” فأجاب ” ليس لي إنسان!”. إجابة تؤكد وتُظهر مأساة فقدان التواصل بين البشر، حيث الانغلاق على الذات، التعصّب، هذا ما نحياه الآن في جميع مجالات الحياة . حيث يعتبر الإنسان – الفرد، مركزًا للكون ( أنا وبعدي الطوفان). يقودنا كل هذا إلى القمة في نص إنجيل أحد التناصير، حيث يقدم لنا وضع الإنسان الحقيقي: ” أعمى منذ مولده”، إنه عمى الخطيئة التي سيطرت على انسانٍ. الذي يجسد حالة الإنسان، عمومًا، وخبرته اليومية، بمعزل عن الله والأخوة.
في الواقع، تٌمثل الخطيئة حجابًا مُعْتِمًا يغطي وجهنا ويمنعنا من رؤية أنفسنا، العالم، والله. يقدم لنا إنجيل اليوم غاية الصوم الأربعيني، وما يصحبه من تقشّفات وإماتات، بجانب الصلوات المكثفة التي تقدمها الطقوس بغناها. فغاية الصوم هو أن يكتشف الإنسان، من خلال هذه المسيرة ، حقيقته الخاطئة، والتي تتمثل في خلّل العلاقات، إنه العمى الذي يسيطر على رؤيتنا ويُعتّم قلوبنا ويقسّيها. فقط عندما يلتقي هذا الإنسان، ونلتقي نحن أيضًا، مع الرب يسوع” نور العالم”(الآية 5)؛ النور الذي ينير ظلماتنا، يكتشف ويعترف، ونحن معه، بحالته وحالتنا الخاطئة. إنها حالة برطيماوس عندما شعر بمرور يسوع بجانبه أعلن وجهر بحقيقته “إنه أعمى”. أمام نور المسيح العابر، اكتشف واعترف بعماه، كما يعلن ذلك مزمور اليوم ” بنورك يا رب نعاين النور”. إنها نعمة العماد، التي قد نسيناها عبر الزمن، إنها حالة الإنسان المولود من الروح، الإنسان الجديد ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة “. فالإنسان المولود من الله، يرى كل شيء بعيون الله، عيون الإيمان، عيون المحبة الغافرة. يُظهر نص برطيماوس مبادرة الإنسان وانتباهه العجيب ويقظته، إنه ثمرة الصوم الحقيقي الذي ينمي فينا روح الانتباه واقتناص الفرصة، إنه روح التمييز. ثم الصلاة بلجاجة: ” يا بن داود ارحمني”، صلاة لا تعرف اليأس أو التراجع، صلاة ملئها الثقة. هكذا علّق القديس أغسطينوس على نص أعمى أريحا قائلاً:” أخاف أن يمرُ يسوع عليَّ دون أن أدركه”. أنا بدوري أقول:” ليس فقط أُدركه بل أيضًا أن أُدركُ عماي بقوة نوره الساطع عليَّ من خلال كلمته .أخيراً، يمثل برطيماوس الإنسان الذي يعرف خطيئته ويطلب الشفاء منها: ” أن أبصر”. طوبى لهذا الرجل الذي يدرك احتياجه الحقيقي. أما نص اليوم” شفاء المولود أعمى” يؤكد على مبادرة يسوع ” يسوع يرى”، ثم يصف طبيعة الخطيئة التي يصعب شفائها ” مولود أعمى”، حالة ميؤوس منها. ثم يُظهر مراحل الاغتسال كتعبير عن مراحل المصالحة والاعتراف والمسؤولية الشخصية عن الخطيئة.
في الواقع، لا يكفي ذلك لاكتشاف يسوع الشافي، يجب أن يواجه الأعمى، وكل مؤمن معمد، أشكال العمى الداخلية والخارجية المحيطة به، والتي تتجلّي في موقف كل من: الأصدقاء والجيران، الوالدان، والرؤساء والفرّسيين، وأنماط أخرى من العمى الذي يسيطر على المناخ الذي يعيش فيه…. الخ. هكذا بدأ الأعمى مسيرة قادته تدريجًا إلى اكتشاف هوية الشخص الذي فتح عينيه، وإلى الاعتراف والإيمان به. في البداية اعتبره نبيّ (الآية 17)، ثم اعترف به أنه رجل من عند الله (آية 33)؛ وأخيرًا قَبِله على أنه المسيح وسجد له (الآيات 36- 38). وفهم أن يسوع، إذ منحه البصر، ” أظهر فيه أعمال الله” (الآية 3). بعد أن واجه وتغلب على هذه المخاوف والعمى الحالك، يتم اللقاء مع يسوع في الهيكل، هنا يطرح يسوع السؤال ” أتؤمن أنت بابن الله؟”. لايزال الإنسان في المرحلة الضبابية، لا يميز النور الحقيقي ” ما دمت في العالم فأنا نور العالم”. يجيب المولود أعمى” ومن هو يا سيدي لأؤمن به؟”، هذا ما نختبره جميعاً بعد ممارسة سرّ المصالحة أو الاعتراف. هنا يُظهرُ يسوع ذاته الشافية قائلاً :” قد رايته وهو الذي يكلمك”، هنا تتجلى تمام الرؤية، تسقط القشور الضبابية عن عيوننا كما سقطت عن عيني شاول الذي صار بولس الرسول، ووضحت الرؤية الإيمانية ” يؤكد ذلك يوحنا الرسول في رسالته الأولى قائلاً:” الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا، الذي تأملناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة…. الآن نشهد لها ونبشركم بالحياة الأبدية”. هكذا تقودنا قرأت الصوم الأربعيني إلى إعلان الإيمان، أي تجديد سرّ العماد بممارسة سرّ المصالحة، والذي لا ينحصر فقط في الإقرار بالخطايا الفعّلية، بل يتعدى ذلك بإعلان الإيمان بشخص يسوع الذي حررنا من كل خطيئة، ونردد مع المولود أعمى قائلين:” أؤمن، يا سيدي”، وسجد له. الإيمان هو فعل سجود دائم. هذا كله يؤهلنا للدخول في صلاة القنديل العام يوم الجمعة القادم، حيث يصل قطار الصوم إلى محطته الأخيرة.

الأب/ أنطونيوس فايز