stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عقائدية

عقيدة المطهر- الأنبا/ يوسف ضرغام

844views

porعقيدة المطهر- الأنبا/ يوسف ضرغام

مقدمة:

حياتنا على الأرض مسيرة، سفر، تتخللها ساعات صعبة، يكتب خلالها الإنسان تاريخه بتحرّر تدريجي من كل ما يعوقه. إنّها نشوء بطيء تعترضها مصاعب وتتطلّب عدّة اختبارات وإمكانيات وتطورات. فالوجود وعر يفرض التزاماً شخصياً وجهداً للتخلّص من عبوديات كثيرة كالفقر والجهل والمرض…

هذا يعني أن الإنسان منفتح على إمكانيات واكتمالات. فهو ليس كاملاً بل يسير نحو الكمال. وهذا الانفتاح لا يقوم بدون التأثّر بالآخرين. فالإنسان لا يحقّق مشروع حياته بدون مساعدة الآخرين. لكن هذه المساعدة لا تعفيه من الجهد والمسئولية كما أنها لا تستعبده بل تسنده في مسيرته نحو التحرّر والاكتمال.

هذا على الصعيد الإنساني. وهذا ما نراه أيضاً على الصعيد الديني، أي في علاقة الإنسان بالله وبمصيره بعد الموت. هناك قيّم تنمو في حياة المؤمن عندما يحاول أن يعيش مع المسيح. أهم هذه القيّم: المحبة بدون شرط، حريّة العطاء، نبذ الأنانيّة والتكرّس لخدمة الله والناس… إنها شريعة الطريق التي لا مفرّ منها. لأن القيّم الدينيّة تتطلّب الكمال إذ تدعو إلى الاتّحاد بالله الكامل والمكمِّل، أي تدعو إلى التزام جذريّ لا لبس فيه ولا مساومة.

السؤال:

لو أنّ الإنسان، في ساعة موته، لم يكن قد بلغ الكمال وبقي في جهاده بعض النقص بالرغم من محبته وتوبته، فهل يخسر كل استحقاق؟ هل تذهب ثمار جهاده أدراج الرياح! ألا يوجد طريقة للحفاظ على ما اكتسب؟

الإيمان وحده يجيب على هذا السؤال كالآتي: كل هذه القيّم والفضائل والمكاسب لا تزال قابلة للاكتمال كما أن هذا الاكتمال يستفيد من صلوات المؤمنين واستحقاقاتهم كما يستفيد من صلوات وشفاعة اخوتنا القديسين الذين لا يزالون أعضاء في جسد المسيح السريّ، إذ كنيسة المسيح تتألّف من فئة وصلت إلى السماء وتُدعى الكنيسة الظافرة ومن فئة الأنفس المطهرية وتُدعى الكنيسة المتألّمة وفئة مَن لا يزالون يعيشون على الأرض وتُدعى الكنيسة المجاهدة. وبين هذه الفئات الثلاث علاقة حيويّة رباطها يسوع المسيح بالذات. كما أن هذا يفرض أيضاً على كل مؤمن أن يعمل لاكتمال إخوته وبخاصة الموتى منهم، هذا الاكتمال هو ما نسمّيه “المطهر”.

المطهر:

مما تقدّم، نقول أن المطهر يتخطّى الزمان والمكان. فهو ليس سجناً أو مكاناً تُشعل فيه نار تلهب الإنسان ولا تنطفئ. ولا مقر ظلام تكثر فيه الحيّات والعقارب… وما إلى هنالك من تصوّرات كثيراً ما توقّف عندها الفنّانون والوعّاظ. كما أنّ فكرة “الزمان” لا تنطبق مطلقاً عليه. فزمانه غير الزمان البشريّ. فنحن لا نعلم كيف يتمّ اكتمال الإنسان في المطهر الذي هو حالة لا مكان كما قلنا. وقساوة العذابات لا نعرف عنها شيئاً- فليس المطهر جهنّماً صغيرة. والفرق بين جهنم والمطهر كبير جداً. إذ بينما عذاب جهنم أبدي لا يتخلّص منه المعذّبون، نرى أن عذاب المطهر مؤقت. مصير المعذّبين في جهنم اليأس، بينما مصير الأنفس المطهريّة الخلاص وإن بألم هو ألم الحبيب الذي ينتظر حبيبه.

ويطرحون سؤالاً آخر: هل التطهير أو الاكتمال قصاص أو تقديس؟ يشدّد اللاهوت الغربي على القصاص والتعويض، فهذا موقف القانوني. بينما اللاهوت الشرقي يتكلّم عن التقديس وهذا مظهر أكثر إيجابيّة وغنى روحي. اللاهوت الغربيّ يتكلّم عن عقوبة لبلوغ الكمال واللاهوت الشرقيّ يتكلّم عن الغفران لبلوغ النضج والملء. الموقفان يتكاملان وإن دلّ كل موقف على عقلية معيّنة. فالتكفير والتقديس يقودان إلى اكتمال الإنسان لكي يبلغ الحياة السعيدة. فالمطهر هو نهاية المسيرة التي سمحت للإنسان أن يبلغ اكتماله.

لا شك في أن التقديس قبل الموت هو الطريق الفضلى. إنما التطهير بعد الموت هو برهان على محبة الله غير المحدودة نحو هذا الإنسان الذي هو صورته ومثاله كم أنّه يفهمنا غنى التعاضد بين المؤمنين وجماله.

إثبات المطهر من خلال الكتاب المقدس والتقليد:

الكتاب المقدس:

– هناك نصّ أساسي في سفر المكابيين الثاني حيث نرى يهوذا المكابي يطلب أن تُقرب ذبيحة من أجل الأموات في حرب دينيّة، وقد وُجد على جثمانهم أشياء مكرّسة للأوثان (وهذا أمر تحرّمه الشريعة)، لكي يُحدّوا من هذه الخطيئة (2مك 12/39-46).

– يتكلّم الرسول بولس على الذين تظهر، يوم الدين، قيمة عملهم، فيقول: “من بقي عمله الذي بناه على الأساس، نال أجره. ومن احترق عمله كان من الخاسرين. أما هو فيخلص ولكن كمن يخلص من النار” أي بجهد جهيد (1كور 3/13-15).

– “سارع إلى إرضاء خصمك مادمت معه في الطريق لئلا يسلّمك الخصم إلى القاضي والقاضي إلى الشرطي فتُلقى في السجن. الحق أقول لك: لن تخرج منه حتى تؤدي آخر فلس” (مت 25:5-26). أي بإمكانك تأديّة آخر فلس والخروج من السجن الدائم.

– “من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له. أما من قال على الروح القدس فلا يُغفر له لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة” (مت 32:12). أي أن هناك إمكانية غفران في الآخرة وأن الله يبقى سيّد مغفرته.

إن لم يبرهن كل نصّ على حدة على وجود المطهر، فمجملها، مع غيرها، مثل: نبذ الأصنام والحب حتى بذل الذات على مثال السيد المسيح… هكذا تعني كل هذه النصوص أن الاتحاد بالله، وإن لم يكتمل على الأرض، فسوف يكتمل بعد الموت. هكذا قرأت الكنيسة هذه النصوص في ليتورجيتها ونجاحه في ليتورجية الأموات حيث نصلي لأجل الأموات الذين لم يتطهّروا تماماً ولم يكفّروا عن خطاياهم حتى بعد أن اعترفوا بها. وقد قيل “شريعة الصلاة شريعة الإيمان”.

التقليد:

– أغسطينوس: “قد يستطيع بعض المؤمنين، بفضل نار مطهّرة وبحسب قدر تعلقهم بالخيرات الزائلة، أن ينالوا الخلاص في زمن طويل او قصير”

– دسقولية الرسل: “في التذكارات، اجتمعوا واقرأوا الكتب المقدسة… وأما الخبز الطاهر الذي طهّرته النار (نار الروح القدس) والذي يقدّسه الرعاة، فقدّموه في الصلاة من أجل الأموات”.

– كيرلس الأورشليمي: “نثق بأننا نقدّم عوناً كبيراً لنفوس الأموات… نقدّم بوجه خاص المسيح المذبوح بسبب خطايانا، وبذلك نستعطف الله المحبّ للبشر من أجلهم”.

المجامع:

– مجمع ليون 1274: “إن مات المؤمنون التائبون حقاً في المحبة قبل أن يكفّروا، بثمار تليق بالتوبة، عمّا ارتكبوه أو أهملوه، فستُطهّر نفوسهم بعد الموت بعقوبات مطهّرة، هذا وإن تشفعات المؤمنين الأحياء وبخاصة ذبيحة القداس، ستفيدهم للتخفيف عن هذا العقوبات.

– مجمع فلورنسا 1433: التعليم ذاته.

– مجمع ترنت 1545: التعليم ذاته.

خاتمة:

القول بوجود المطهر يقود إلى حقيقتين:

1) الخلاص النهائي بفرض أن يكون المؤمن قد أصبح شبيهاً بالمسيح. وإن كان يشوب هذا الشبه شائبة أو نقص فهناك إمكانية تطهير حتى بعد الموت.

2) هذا التطهير تسنده صلوات الإخوة، أعضاء الجسد السرّي الواحد، وبخاصة ذبيحة القدّاس.

عن مجلة صديق الكاهن العدد الثاني2004