stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابية

فانفتحت أعينهما وعرفاه-الأب/ توما عدلي

860views

emma

فانفتحت أعينهما وعرفاه  ( لوقا 24 / 13 – 35 )

 

تحليل روائي  

 

التمهيد

 

13وإِذاباثنَينِ مِنهُم كانا ذَاهِبَينِ، في ذلكَ اليَوم نفسِه، إِلى قَريَةٍ اِسْمُها عِمَّاوُس، تَبعُدُ نَحوَ سِتِّينَ غَلوَةٍ مِن أُورَشَليم. 14وكانا يَتحدَّثانِ بِجَميعِ هذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت.

 

لحظة بداية العقدة  15وبَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسوعُ نَفْسُه قد دَنا مِنهُما وأَخذَ يَسيرُ معَهما،

 

العقدة في الرواية  16على أَنَّ أَعيُنَهُما حُجِبَت عن مَعرِفَتِه.

 

التعقيد في الرواية  17فقالَ لَهما: ((ما هذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَينَكُما وأَنتُما سائِران ؟ )) فوَقفا مُكتَئِبَين. 18وأَجابَه أَحَدهُما واسمُه قَلاوبا: ((أَأَنتَ وَحدَكَ نازِلٌ في أُورَشَليم ولا تَعلَمُ الأُمورَ الَّتي جرَتَ فيها هذهِ الأَيَّام؟ )) 19فقالَ لَهما: ((ما هي؟ )) قالا له: ((ما يَختَصُّ بِيَسوعَ النَّاصِريّ، وكانَ نَبِيّاً مُقتَدِراً على العَمَلِ والقولِ عِندَ اللهِ والشَّعبِ كُلِّه، 20كَيفَ أَسلَمَه عُظَماءُ كَهَنَتِنا ورُؤَساؤُنا لِيُحكَمَ علَيهِ بِالمَوت، وكَيف صَلَبوه. 21وكُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل ومعَ ذلكَ كُلِّه فهذا هوَ اليَومُ الثَّالِثُ مُذ جَرَت تِلكَ الأُمور. 22غيرَ أَنَّ نِسوَةً مِنَّا قد حَيَّرنَنا، فإِنَّهُنَّ بَكَرنَ إِلى القَبْرِ 23فلَم يَجِدنَ جُثمانَه فرَجَعنَ وقُلنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ في رُؤيةٍ مَلائكةً قالوا إِنَّه حَيّ. 24فذهَبَ بَعضُ أَصحابِنا إِلى القَبْر، فوَجَدوا الحالَ على ما قالَتِ النِّسوَة. أَمَّا هو فلَم يَرَوه )). 25فقالَ لَهما: ((يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. 26أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه ؟ )) 27فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه. 28ولمَّا قَرُبوا مِنَ القَريَةِ الَّتي يَقصِدانِها، تظاهَرَ أَنَّه ماضٍ إِلى مَكانٍ أَبَعد. 29فأَلَحَّا علَيه قالا: (( أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار )). فدَخَلَ لِيَمكُثَ معَهما. 30ولمَّا جَلَسَ معَهُما لِلطَّعام أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهما.

 

حلُّ عقدة الرواية  31فانفَتَحَت أَعيُنُهما وعرَفاه فغابَ عنهُما. 32فقالَ أَحَدُهما لِلآخَر: ((أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِداً في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لنا الكُتُب ؟ ))

 

الخاتمة  33وقاما في تِلكَ السَّاعَةِ نَفْسِها ورَجَعا إِلى أُورَشَليم، فوَجَدا الأَحَدَ عشَرَ والَّذينَ مَعَهم مُجتَمِعين، 34وكانوا يَقولون إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَقاً وتَراءَى لِسِمْعان. 35فرَوَيا ما حَدَثَ في الطَّريق، وكَيفَ عَرَفاه عِندَ كَسْرِ الخُبْز.

 

شرح النص التمهيد  يحاول الراوي فيما نسميه التمهيد للرواية، أن يعطي بعض المعلومات التي يراها ضرورية للتعريف بشخصيات الرواية والمكان الذي تتواجد فيه هذه الشخصيات وحالتها. وهذه معلومات ضرورية لإدخال القارئ في جو الرواية كي يعيش الأحداث مع الشخصيات. الشخصيات هنا هما اثنان من الرسل، فالضمير “منهم” (لو 24 : 13) يعود على كلمة “الرسل” (لو 24 : 10). وكذلك كلمة “اليوم نفسه” (لو 24 : 13) تعود على كلمة “فجر يوم الأحد” (لو 24 : 1).  أما بخصوص حالة الاثنين، فيخبرنا الراوي أنهما كانا ذاهبين من أورشليم إلى قرية اسمها عِمَّاوس تبعد عن أورشليم نحو ستين غلوة، والغلوة هي وحدة طول يونانية تساوي تقريبا 185 متر طولي، أي أن المسافة حتى عِمَّاوس تساوي تقريبا 11,1 كيلومتر.  نعرف أن إنجيل لوقا هو رحلة ذهاب نحو أورشليم، فهي مركز البشارة، لذا فإنّ الخروج منها يعني ترك الرسالة، وهذا ما سوف يعبّر عنه الإنجيلي بقوله إن التلميذين مكتئبان، فهما تركا أورشليم لأنه لم يعُد لهما رجاء في تبعيّة يسوع الذي انتهت رسالته بموته

map

لحظة بداية العقدة  هذه اللحظة هي دائما اللحظة التي يحدث فيها شيءٌ معيّنٌ من شأنه أن يكون سببا لتغيير الحالة الأوليّة التي يقدمها الراوي في التمهيد. فالتلميذان في نصّنا هذا، يسيران معا يتحدثان في كل ما جرى من أمور، يتحدثان وهما في حالة اكتئاب وضيق كما ستخبرنا الآية 17 فيما بعد. وفي لحظة معيّنة يدخل يسوع في المشهد مقتربا منهما ويتجاذب أطراف الحديث معهما. ويخبرنا الراوي من البداية أن الشخص الذي اقترب منهما هو يسوع نفسه، بينما أُخفي هذا عن التلميذين ذاتهما.

 

العقدة   العقدة في فن الرواية هي نوعان: عقدة الفعل، ويكون فيها تغيُّر الأوضاع في الرواية ناتج عن توالي حدوث مجموعة من الأفعال. عقدة المعرفة: ويكون فيها تغيُّر الأوضاع في الرواية ناتج من المعرفة أو الجهل بشيء معين. ففي (تك 22)، على سبيل المثال، تتغير حالة إبراهيم من الحزن إلى الفرح نتيجة تدخل ملاك الله لإنقاذ إسحق من الذبح، فالعقدة هنا هي عقدة الفعل. أما في (تك 45) تتغير حالة إخوة يوسف بعد أن يكتشفوا أن وزير مصر هو أخوهم يوسف، فالعقدة هنا هي عقدة المعرفة. لذلك فعقدة رواية تلميذي عمّاوس هي عقدة معرفة، لأن أعينهما حُجِبت عن معرفته، فالقارئ وحده هو الذي يعرف الآن أن هذا الشخص هو يسوع بينما التلميذان لا يعرفان ذلك وسيظلّان كلاهما في حالة الاكتئاب حتى تنفتح أعينهما ويعرفا يسوع.   

 

 

 

التعقيد في الرواية   يُقصد بالتعقيد في الرواية الأحداث التي تتوالى وتزيد الموقف شدّا وتعقيدا قبل أن يتمّ حل عقدة الرواية. فلو أخذنا مثل عائلة سعيدة مستقرة تعيش في سلام، لكن يموت ربُّ الأسرة فجأة في حادث سيارة مثلا، ثم تتعقد الأمور أكثر بعدما تكتشف الأم أن ابنها يتعاطي المخدارات، وتتعقد الأمور أكثر فأكثر عندما تمرض الابنة بمرض عضال … إلخ. هكذا أيضا في نص تلميذي عمَّاوس، التلميذان لا يعرفان يسوع مع إنه يكلمهما ويحاورهما، بل ويسألهما عن سر اكتئابهما في حوار من أجمل الحوارات الكتابية. حوار يُظهر النفس الحزينة عندما يتملّكها الحزن ولا تَعُدْ تعرف صوت الله ولا تتعرّف على تدخلاته في حياته، بل أكثر من ذلك إنها قد تتهم الله ذاته بأنه الوحيد الغريب الذي لا يعرف شيئا عنها. فالسخرية هي أن التلميذين –اللذين لم يعرفا يسوع- يتهكّما على يسوع لأنه لا يعرف. ويتقمص يسوع دور الشخص الغريب الذي لا يعرف ما حدث حتى يبدأ معهما حوار، فيعطينا القديس لوقا على لسان التلميذين ملخصا لحياة وآلام وموت يسوع، وأيضا أحداث قيامته التي لم يصدقها التلاميذ حتى تلك اللحظة. ثم يقوم يسوع بدوره التعليمي والتفسيري لكل الكتب مبتدأ بقوله: ((يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. 26أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه ؟ )). وبعد تفسيره لما تقول الكتب عنه، يُعيد يسوع أمامهما مشهد العشاء الأخير ليذكرهما بكل ما قاله لهم وقتها.

 

حلّ عقدة الرواية وعند كسر الخبز انفتحت قلوبهما من جديد على شخص يسوع وعلى معنى كل ما تمّ في أورشليم من أحداث تخصه. ويلوم التلميذان نفسيهما لأنهم لم يعرفوه قائلين: ((أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِداً في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لنا الكُتُب ؟ )). ومعرفتهما له عند كسر الخبز تُعيد الرسل إلى العشاء الأخير في الماضي، وتُعيد الجماعة المسيحية إلي لقاء كسر الخبز في سفر أعمال الرسل. لكن يسوع كان قد غاب عنهما من جديد، ولكن بعد أن عادت إليهما قلوبهما. غاب عنهما يسوع ولكنه تركهما من جديد على طريق دعوتهما ورسالتهما. وكأن القديس لوقا يصور يسوع بعد القيامة يجري على الطرقات ليجمع التلاميذ من جديد بعد كل ما أصابهم من إحباط واكتئاب نتيجة موته.

 

الخاتمة   يختم القديس لوقا هذه القصة بفرح التلميذين بعدما عرفا يسوع. فرح عجيب غيّر نظرتهما للحياة، فبعد أن كانا يقولان ليسوع “قد حان المساء ومال النهار”، نجدهما يأخذان طريق العودة من جديد إلى أورشليم في الحال وقد نسيا تماما أن النهار قد مال. يعودان من جديد إلى أورشليم مركز الرسالة، فيسوع صعد من الجليل إلى أورشليم لأنها مركز رسالته، وهكذا التلاميذ ينبغي أن يعودوا إلى أورشليم لأن منها سوف تنطلق رسالتهم التي سيحكي عنها القديس لوقا أيضا في سفر أعمال الرسل. ليت قيامة يسوع تفتح من جديد عيون قلوبنا على سر يسوع وسر حضوره في حياتنا. تفتح عيون قلوبنا على معنى حياتنا، وعلى ماهيّة رسالتنا في تدبير الخلاص، وعلى ضرورة مشاركتنا في تدبير ملكوت السموات الذي يُستعلن بكامله في موت وقيامة يسوع.

 

الأب/ توما عدلي