روحية ورعويةموضوعات

فى حضور العريس يبطُل الصيام

فى حضور العريس يبطُل الصيام

إن التحول من العهد القديم الذى كان تحكمه الشريعة الموسوية إلى العهد الجديد الذى جاء به يسوع المسيح ‏خلق تواتورات عاتية بين حراس العهد القديم و المقبلين على العهد الجديد. ظل الفريسيون و الكتبة يدافعون ‏بإستماتة عن النظام القديم للصوم. فالصوم التى فرضته شريعة موسى كان الهدف منه التقرب إلى الله و ‏تطهير النفس و حينما ظهر الله في الجسد فى إبنه يسوع فإن طبيعة الصوم اختلفت لم يعُد صياماً مفروضاً ‏بالقوة من الخارج و أصبح وسيلة للحياة و ليس وسيلة للموت كما كان يُمارس على يد الفريسيين، لم يعد سبباً ‏للظهور و استجداء المجد الباطل. و لم يعد الصوم منفصلاً عن بقية سلوك المؤمن.‏
و أخذ يسوع مثلاً ليشرح للفريسيين هذا التحول الجذرى لمعنى الصيام. هل يصوم الناس حينما يقيمون ‏عُرساً لإبنهم أم يفرحون و يأكلون ويشربون فإذا جاء العريس وهو المسيح فإن الصيام يبطل و لكن هيهات ‏أن يعترف الفريسيون بأن العريس هو يسوع المسيح. لقد عميت عيونهم و يصرون على البقاء تحت ناموس ‏العهد القديم.‏
و تعليم المسيح عن الصوم الجديد “وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ ‏يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ‎.‎وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ ‏وَجْهَكَ،لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”‏
عبثاً تحدث المسيح عن الصوم و عن السبت و عن الشريعة و عن الآب و عن الابن و عن الكرم و الكرامين ‏القتلة، و لكن ساعة التغيير جاءت بمجيئ الابن إلى الأرض و أقبل عليها ضحايا الفريسيين من كل نوع ‏نساء و رجالاً و أطفالاً و تحرير هؤلاء من نيرالعبودية التى فرضه رجال الدين من الفريسيين و الكتبة على ‏صغار المؤمنين قد بدأ و تحول كثير من الباحثين عن الصورة الحقيقية لله إلى إتباع الناصرى.‏
و تقاطر المرضى و البرص و العميان و العرجان و الصيادون و الرعاة للقاء من وجدوا فيه ضالتهم ‏‏”فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ: «وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي ‏مِنَ النَّاصِرَةِ‎«‎‏. و بطريقة لا تخلو من الدعابة “فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ ‏صَالِحٌ؟‎« ‎
و فيما يشير يوحنا المعمدان إلى تلاميذه ليتبعوا المسيح “هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ‎!‎‏” ، ويسأل ‏الناصرى إندراوس اخو سمعان حينما رآه يسير خلفه فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: «مَاذَا ‏تَطْلُبَانِ؟» فَقَالاَ: «رَبِّي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَيْنَ تَمْكُثُ؟‎»‎فَقَالَ لَهُمَا: «تَعَالَيَا وَانْظُرَا‎«.‎
إن ديناميكية حضور العريس الناصرى جعلت الحياة تسرى من جديد فى أمة أنهكها صلف الفريسيين و ‏الكتبة و الصدوقيين و غيرهم من الشيع اليهودية التى عاصرت تجسد المسيح.‏
و هكذا أعلن عن ملكوت الله الذى اقترب، كما أعلن عن غروب شمس سدنة تجار الدين و مشوهى صورة ‏الخالق عند الصغار، لذلك تنهد يسوع بالروح و قال متوجهاً إلى الآب : “أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ ‏وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ”‏‎.‎
و إستخدم الإنجيليون صورة العريس ليعبروا عن يسوع مرات عديدة فى الإنجيل، كما استخدمت في العهد ‏القديم لتصور الله بصفته عريس الشعب اليهودى، فنجد مثلاً في نشيد الإنشاد كيف يتغزل العريس فى ‏عروسته و هى الشعب اليهودى على امتداد السفر . و في نص العذارى الحكيمات و العذارى الجاهلات ‏الجميع ينتظرن قدوم العريس. وفى عرس قانا الجليل يتجلى يسوع و مريم أمه مصدراً للفرح و البهجة بعد ‏أن كاد الخمر أن ينفذ.‏
إن أحزاننا اليوم بسبب الحروب و العنف و القهر الذى نعيشه لن تهزمنا روحياً أو نفسياً طالما شمس العريس ‏تشرق في قلوبنا و عقولنا و لن يفيدنا الصيام و لا الصلاة إذا لم يكونا مقرونين بمجد القيامة و انتصار ‏الصليب عربون القيامة على الظلام الدامس الذى يفرضه فرسيو القرن الواحد والعشرين مهما تجبروا . إن ‏فرسي عصرنا فى مصر مازالوا يحتكمون لشرائع العهد القديم ، يتفننون في التقتير على المؤمنين يعدونهم ‏بالثبور و عظائم الامور إن لم يصوموا على الطريقة القديمة البالية التى رفضها المسيح. و نسوا كلام أشعياء ‏النبى “أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ ‏نِيرٍ‎. ‎أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ ‏لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ ” و ينسفون من الأساس قول معلمنا و ربنا يسوع “لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، ‏بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ” كالحقد و الضغينة و الحسد و الزنى و القتل، “أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ! ‏الَّذِينَ يُصَفُّونَ عَنِ الْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ الْجَمَلَ‎.‎‏” هكذا قال يسوع لفريسى عصره و كل عصر.‏
يقضون الصيام على الفقراء الصائمين أصلاً من قلة الموارد و يتمتعون هم بالجاتوه الصيامى و اللحمة ‏النباتى و السمن المستخرج من فول الصويا، بئس الفريسيين في عصرنا و كل عصر. هلموا فلنفرح و نهلل ‏فقد حررنا المسيح من النفاق و الرياء و الخوف ، فلنفرح و لنبتهج لأن مخلصنا آت بمجد عظيم ‏