stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

قراءة تفسيرية لمرسوم نشاط الكنيسة الإرسالي “إلى الأمم Ad Gentes “

970views

mis

يسعدني أن أقدم على صفحات مجلة “صديق الكاهن”، الغراء، البحث التالي، الذي يتناول دراسة لاهوتية متواضعة تبحث في نشاط الكنيسة الإرسالي، على ضوء وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وخاصة لمرسوم نشاط الكنيسة الإرسالي: “إلى الأممAd Gentes -“.  

قمت بتقديم هذا البحث في ندوة الشباب والشابات الإرسالية، التي قام بتنظيمها نيافة الأنبا يوسف أبو الخير وحضرات الآباء الكومبونيان والراهبات الكمبونيات، يوم 2 أغسطس 2007،  بمدينة طهطا، وقد طلب مني كثير من المستمعين القيام بنشره لكي تعم الفائدة الجميع، ولكي ينتشر الوعي والمفهوم الإرسالي  بين أبناء كنيستنا.

تمهيد:

يعتبر المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أعظم حدث تاريخي كنسي في القرن العشرين، وعلامة مميزة في تجديد وتنشيط رسالة الكنيسة الكاثوليكية. لو تم فهم قراراته وتحقيق توصياته، وخرجت كل وثائقه من حيز التحبير والتخطيط إلى حيز العمل والتطبيق، فهي جديرة بأن تعيد وحدة الكنيسة والمسيحيين، وتُحْسّن العلاقات بين الأفراد والبشر، وتقود الأوضاع الإنسانية للأفضل، وتعطي عالمنا المضطرب سلامًا حقيقيًا. 

في أربع دورات متتالية (1962-1965)، اجتمع قرابة الألفين والأربعمائة أسقف، وفدوا من كل بلاد وقارات العالم، لدراسة ومناقشة أوضاع الكنيسة، الداخلية والخارجية، والعلاقة مع العالم المعاصر.

تتلخص أهداف المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، كما عبّر عنها الطوباوي قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين، الذي دعا لانعقاد المجمع، وطيب الذكر  قداسة البابا بولس السادس، الذي أكمل اجتماعات المجمع، في تحقيق ما يلي:

01 تعرّف الكنيسة على ذاتها، لتجديد فعالية رسالتها وخدمتها تجاه العالم المعاصر، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، واستقلال معظم بلاد العالم الثالث، وتنشيط رسالة العلمانيين للمشاركة في الخدمة وأعمال الرسالة.

02 التجديد الداخلي الروحي لأنشطة الكنيسة في أبعادها المختلفة رعويًا وطقسيًا وإرساليًا، مع العلم بأن هذا التجديد لا يتضمن أية تغييرات في أصول العقيدة وتعاليم الإيمان.

03 فتح باب الحوار والتعاون مع الآخرين، على المستوى المسكوني مع الكنائس المسيحية المختلفة، وعلى المستوى الديني مع الديانات غير المسيحية، وعلى مستوى الثقافات والحضارات العالمية والأفكار الإنسانية. 

أسفرت أعمال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني عن ست عشرة وثيقة، موزّعة في الفئات الثلاث التالية: 

1- أربع وثائق رئيسية- دساتير: 

للتعمّق في معرفة سر الكنيسة والوحي الإلهي والخدمة الطقسية والرعوية، وهي: دستور عقائدي في الكنيسة، دستور عقائدي في الوحي الإلهي، دستور في الطقوس المقدسة، ودستور رعوي حول الكنيسة في عالم اليوم. 

2- تسعة مراسيم أو قرارات: 

لتنظيم وتنشيط الخدمة بالكنيسة، وهي: مرسوم في مهمة الأساقفة الرعوية، مرسوم في خدمة الكهنة وحياتهم، مرسوم التكوين الكهنوتي، قرار في تجديد الحياة الرهبانية، قرار في رسالة العلمانيين، مرسوم في نشاط الكنيسة الإرسالي، قرار في الحركة المسكونية، مرسوم في الكنائس الشرقية، ومرسوم في وسائل الإعلام الاجتماعي. 

3- ثلاثة تصريحات أو بيانات: 

تتضمن بيانًا عن الحرية الدينية، وتصريحًا عن علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية، وبيان عن التربية المسيحية. 

ساهمت هذه الوثائق، ومازالت تساهم، في تجديد الكنيسة الروحي، داخليا وخارجيا، ومواجهة المطالب والاحتياجات الخاصة بعصرنا الحديث، كما تركت بصماتها المتنوعة على أنشطة وخدمات الكنيسة. 

دراسة وثيقة “مرسوم في نشاط الكنيسة الإرسالي”

موضوع هذه الدراسة هو الخدمة الإرسالية والنشاط الكرازي الكنيسي، من خلال قراءة تأملية لهذا المرسوم، بهدف إعادة التعريف والتذكير به، بعد مرور 42 سنة على تحريره، وإحياء الوعي الإرسالي وتنشيط النشاط التبشيري بين أبناء الكنيسة الكاثوليكية في منطقة الشرق الأوسط.  

في كنائس الشرق الأوسط،، يسود معظم الأبحاث والدراسات اللاهوتية البعد العقائدي والجانب التاريخي، ذلك تحت تأثير عمق وقدم تاريخ هذه الكنائس، وثراء تراثها الآبائي في الكتابات العقائدية والروحية و المقالات الكتابية والطقسية، بينما تقل جدًا الدراسات التي تهتم باللاهوت الإرسالي، والبحث في نشاط الكنيسة التبشيري والكرازي. بالرغم من أن هذه الكنائس، في الماضي العتيق، كانت رائدة في مجال النشاط الرسولي، فقد نشرت كنيسة الإسكندرية رسالة الإنجيل في أثيوبيا بقلب أفريقيا، ونشرت كنيسة أنطاكيا رسالة الإيمان في الهند والصين بقلب آسيا. 

من الضروري أن نذكر بأن كنائس الشرق الأوسط لا تستطيع أن تستغني عن النشاط الإرسالي والكرازي، مهما كانت أقدميّتها في التاريخ المسيحي، فالنشاط الإرسالي هو تكليف ملزم وفعّال ومباشر من المسيح للكنيسة، وهو بالغ الحيوية لوجود واستمرارية الكنيسة، وخاصة استمرارية وجود الكنيسة في منطقة الشرق الأوسط، التي تموج بصراعات إقليمية عنيفة، وتيارات دينية وسياسية وقومية مختلفة، تهدّد أمنها واستقرارها، وتؤثّر بشدة علي الوجود الكنسي والمسيحي، كما نرى في بعض البلاد حولنا.

لا يهتم النشاط الإرسالي بالتبشير بالإنجيل بين غير المؤمنين فقط، ولكنه أيضًا بين المؤمنين بالمسيح، بهدف تقوية إيمانهم وعزيمتهم ومواجهة كل ما يزعزع معتقداتهم المسيحية، وكل ما يعمل على تشكيكهم وفتورهم وابتعادهم عن الكنيسة، وفي بعض الأحيان يجعلهم يفقدون إيمانهم. لذلك فتفعيل النشاط الإرسالي يعمل على تجديد حيوية إيمان شعب الله، وينشّط ويقوي الكنيسة، ويجعل كلمة الله تنمو وتنتشر بين الناس، ويفتح الطريق أمام كل إنسان ليعرف ويؤمن بمحبة وخلاص الرب يسوع المسيح.

من بين الموضوعات الهامة، التي اهتم بدراساتها ومناقشاتها أساقفة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، موضوع نشاط  الكنيسة الإرسالي، وكان ثمرة مناقشتهم تحرير وثيقة أساسية، من بين وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، تحمل عنوان:”مرسوم في نشاط الكنيسة الإرسالي”، وتسميّ بأول كلمتين يبدأ بهما نص الوثيقة باللغة اللاتينية: “إلى الأمم- Ad Gentes”، وذلك على حسب العادة المرعية في تسمية الرسائل البابوية والوثائق الكنسية. 

من يتتبع المراحل الأولي لتكوين وتحرير هذه الوثيقة، والصعوبات والتعديلات الكثيرة التي لاقتها، حتى مرحلة التصويت عليها وإقرارها، يعي جيدًا الاهتمام الشديد، الذي خصّصه أساقفة المجمع لموضوع نشاط الكنيسة الإرسالي. لذلك اعتبر بعض المراقبين المسيحيين، الذين شاركوا في جلسات المجمع، أن هذه الوثيقة هي من أهم وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، لطابعها المسكوني المتميز، وتشديدها على ضرورة التعاون بين المسيحيين جميعًا، لاسيما في مجال وحدتهم في الشهادة للمسيح. 

هنا يجب التذكير، بأن من بين الصعوبات الكبرى التي تعترض عمل الإرساليات، مشكلة الانقسام والتنافس بين المسيحيين. نتمنى أن تكون هذه الوثيقة هي بداية لعهد جديد، ليس في مجال تطوير خدمة الإرساليات فقط، ولكن أيضًا في تجديد علاقات المحبة بين المسيحيين، وباعثًا يدفعهم إلى الأمام لتحقيق وحدة الكنيسة. جدير بالملاحظة، أنه قبل انعقاد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، اهتمت الكنيسة بدراسة موضوع الإرساليات والتأكيد على أهميتها، في الكثير من الرسائل البابوية، والعديد من الوثائق الكنسية، وعلى سبيل المثال نذكر الرسائل الحبرية التالية: 

 البابا لاون الثالث عشر، مدينة الله المقدسة، رسالة عامّة تتحدث عن أعمال جمعيات نشر الإيمان والطفولة المقدسة، 3 ديسمبر 1880؛ 

 البابا بنديكتوس الخامس عشر، تلك المهمة العظمى، رسالة عامّة تتحدث عن انتشار الإيمان في العالم، 30 نوفمبر 1919؛ 

 البابا بيوس الحادي عشر، شئون الكنيسة، رسالة عامّة تتحدث تقدم عمل الإرساليات ونمو الإكليروس الإيبارشي؛ 28 فبراير 1926؛ 

 البابا بيوس الثاني عشر، دعاة الإنجيل، رسالة عامّة تتحدث عن نشاط الإرساليات وتخطي العقبات التي أمامها، 2 يونيه 1951؛ 

 البابا بيوس الثاني عشر، هبة الإيمان، رسالة عامّة تتحدث عن أوضاع الإرساليات في العالم وخاصة في أفريقيا، وتوجّه نداء للمرسلين لتلبية احتياجات الرسالة، 21 أبريل 1957؛  

 البابا يوحنا الثالث والعشرون، رأس الرعاة، رسالة عامّة تتحدث عن أهمية التعاون بين الاكليروس الإيبارشي والمرسلين والعلمانيين في النشاط الإرسالي، 28 نوفمبر 1959.  

يتميز نص “مرسوم في نشاط الكنيسة الإرسالي”، أنه يرتكز على التعاليم الكتابية والأسس اللاهوتية والعقائدية، التي تتعلق بنشاط الكنيسة الإرسالي، حتى عندما يتناول بعض المعلومات الإدارية والتطبيقية. ويتناسب هذا التشبّع العقائدي مع ما جاء في وثيقة “دستور عقائدي في الكنيسة”، فيقوم بتأصيل العمل الإرسالي علي أساس الثالوث الأقدس، الذي يرسل الكنيسة لكي تواصل رسالة الابن، فتشهد للمحبة وتدعو البشر للإيمان بالمسيح. 

جدير بالذكر، أن هذا المرسوم يضع نشاط الكنيسة الإرسالي في مكانة ترتبط بطبيعة تأسيس الكنيسة، فالكنيسة هي مرسلة من السيد المسيح إلى شعب الله المنتشر في عالم غير كامل يستلزم التبشير والرسالة، لذلك فواجب الرسالة هو من جوهر واجب الكنيسة، وهو واجب حتمي وملزم، لا تستطيع أن تتنصل منه، أو تجد له بديلاً، فهي بطبيعة تأسيسها إرسالية، وبدون النشاط الإرسالي لا توجد الكنيسة.

يرتكز النشاط الإرسالي، أساسًا، على الاهتمام بالكرازة بإنجيل المسيح، ونشر نعمة الإيمان بين غير المؤمنين، لأن كافة البشر مدعوون لنوال وقبول الخلاص، الذي حققه المسيح بموته وقيامته، والكنيسة، بصفتها حاملة لهبات الخلاص المجانية المعطاة من الله للعالم بواسطة المسيح، يجب عليها أن تقدم لكل البشر هذه النعم وهذه الهبات، ومن هنا يتضح لنا، أن أعمال الإرساليات ليست نشاطًا هامشيًا، أو خدمة زائدة، ولكن هي من صميم عمل ورسالة الكنيسة.  

يبيّن القديس بولس الرسول أهمية وضرورة خدمة التبشير والكرازة، في صيحته النابعة من صميم إيمانه، ومن كل وجدانه: “التبشير ضرورة فُرضت علىّ، والويل لي إن كنت لا أبشر” (1كور9: 16).     

يقدم لنا هذا المرسوم تأملاً روحيًا عميقًا، ومفهومًا متجدّدًا حول الخدمة الإرسالية، فالعمل الإرسالي لا ينبع من دافع الرغبة في التوسّع والانتشار، إنما مرده إرادة الأب السماوي، “الذي يريد أن يخلص جميع الناس، ويبلغوا إلى معرفة الحق” (1تيم 2: 4). 

لا يهدف هذا العمل إلى زيادة عدد المسيحيين، أو اتساع الرقعة الكنسية في العالم، كما لا تبغي الكنيسة من وراء هذا العمل منفعة خاصة، أو اكتساب فئة الفقراء، أو استثمار بلاد العالم الثالث، أو استغلال الناس، بل ترجو خلاصهم وخدمتهم، لأن رسالتها روحية تهدف إلى سعادة وسلام الإنسان.

يعيد هذا المرسوم للإرساليات أهميتها ورونقها، ويوضح مفهومها، ويقدم مبادئ وتوجيهات لتجديد وتنظيم وتفعيل الخدمة الإرسالية، كما يشجع أبناء الكنيسة على المشاركة في أعباء رسالة التبشير والكرازة بالإنجيل، ويدعو للاهتمام بالدعوات الإرسالية، ومساعدة الكنائس الجديدة الناشئة في أفريقيا وآسيا وبلاد العالم الثالث. 

لا يقتصر واجب النشاط الإرسالي على فئة المكرّسين من خدام الكنيسة، ولكنه يقع على عاتق كل المؤمنين بالكنيسة، إكليروسًا وعلمانيين، وينبغي على كل مؤمن، حسب طاقته ومواهبه، أن يشارك في هذا النشاط، ويتحمل مسئولية الخدمة، بروح رسولية، متقدة بالحماسة والغيرة الإنجيلية. ليست الكنيسة جماعة متجمدة، منطوية ومنغلقة على ذاتها، بل هي شعب الله الجديد، رسالته ومسئوليته هي أن يبشر الآخرين بمحبة الله، ويضم إليه خلال مسيرته الأرضية بني البشر أجمعين. علاوة على هذا المرسوم، هناك الكثير من وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، التي ناقشت موضوع نشاط الكنيسة الإرسالي، نذكر منها ما يلي: دستور عقائدي في الكنيسة، بند 17، 23؛ دستور عقائدي في الوحي الإلهي، بند 7-8؛ دستور رعوي حول الكنيسة في عالم اليوم، بند 42-45، 58، 76؛ مرسوم في مهمة الأساقفة الرعوية، بند 6؛ مرسوم في خدمة الكهنة وحياتهم، بند 10؛ مرسوم التكوين الكهنوتي، بند 20؛ قرار في تجديد الحياة الرهبانية، بند 8؛ قرار في رسالة العلمانيين، بند 6، 20-22، 31-32؛ بيان عن الحرية الدينية، بند 13-14. 

بعد ختام أعمال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، ونشر وثائقه وقراراته، على ضوء تعليم وتوصيات المجمع، وخاصة مرسوم نشاط الكنيسة الإرسالي، تمت مراجعة وتجديد القوانين الكنسية. في عام 1983، صدرت “مجموعة قوانين الكنيسة اللاتينية” (CIC)، التي خصصت في الكتاب الثالث، الباب الثاني، القوانين 781- 792، لتقنين وتشريع وتنظيم النشاط الإرسالي، وفي عام 1990، صدرت “مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية” (CCEO)، التي خصّصت الباب الرابع عشر، القوانين 584-594، أيضا لتقنين وتشريع وتنظيم النشاط الإرسالي. كما ذكر كتاب “تعليم الكنيسة الكاثوليكية” (1997) في بنوده أرقام 1-10، 849-865، 2044-2046، التعاليم والإرشادات الكنسية الخاصة بالنشاط الإرسالي.

مازالت الكنيسة تواصل دراسة موضوع الإرساليات، وتصدر الوثائق والرسائل التي تهتم بكل أبعاد النشاط الإرسالي، ففي أكتوبر 1974، في الذكري العاشرة لاختتام أعمال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، انعقدت بروما الدورة الثالثة لسينودس الأساقفة العام، لدراسة موضوع البشارة الإنجيلية، وعلي إثر هذه الدورة، في 7 ديسمبر 1975، أصدر قداسة البابا بولس السادس، الإرشاد الرسولي “واجب التبشير بالإنجيل”، أعلن فيه عن ضرورة البشارة بالإنجيل لسائر البشر في العالم المعاصر، ونشر فيه خلاصة قرارات وتوصيات الأساقفة في أعمال هذا السينودس. وفي 7 ديسمبر 1990، أصدر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، رسالة عامة، رسالة الفادي، تحدث فيها عن تجديد التزام الكنيسة بالعمل الإرسالي، وستواصل الكنيسة نشر تعاليمها وإرشاداتها التي تهتم بالعمل والنشاط الإرسالي وإعلان الإنجيل.

 

من وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني