stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابات القراء

كيف أقرأ الكتاب المقدس؟ جزء أول -ترجمة وتنسيق أشرف ناجح

965views

download (18)كيف أقرأ الكتاب المقدس؟ جزء أول -ترجمة وتنسيق أشرف ناجح

مُقدِّمة المُترجم

لقد احتل الكتاب المقدَّس دائماً “نصيب الأسد” في جميع قراءت وتفاسير آباء الكنيسة والقديسين واللاهوتين على مرِّ العصور. فيحكي لنا تاريخ الكنيسة، على سبيل المثال لا الحصر، أن أوريجينوس، العلامة المشهور (185- 255)، كان يعرف عن ظهر قلب أجزاء كثيرة جداً من الكتاب المقدس. ولا غرابة في ذلك، «فكل ما كُتب [في الكتاب المقدس][1] هو مِن وحي الله، يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر، ليكون رجل الله كاملاً معداً لكل عمل صالح» (2طيم 3/16). وقد خصّص المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني[2] وثيقة كاملة من بين الستة عشر وثيقة التي قدمها لنا هذا المجمع الأخير (الحادي والعشرون) من مجامع الكنيسة، تدعي “كلمة الله”؛ وقد تحدث فيها عما يتعلّق بالوحي والإلهام وكل الموضوعات المتعلّقة بكلمة الله. وقد أوصى بإلحاحٍ كل المؤمنين أنْ يُقبلوا كثيراً على قراءة الكتاب المقدس[3] وفي إحدى وثائقه الأخري، طالب بأن يصبح الكتاب المقدس «روح كل اللاهوت»[4].

إننا نتطلع_ من خلال ترجمتنا لهذا المقال_ أنْ نحث جميع المسيحين بالعودة إلى قراءة الكتاب المقدس يومياً، لأننا فيه نجد كلام الحياة الأبدية والغذاء الضروري لمسيرتنا في برية هذا العالم والنور لسبيلنا في ظلمة الأيام القاحلة. إننا ندعو مِن صميم قلوبنا جميع المؤمنين إلى إتباع نصيحة البابا بندكتوس السادس عشر الذي أعطها في أحد لقاءته العامة الأخيرة (28 أكتوبر 2009): «إنه لمِن الأهمية، مِن ناحية أخرى، تخصيص وقتاً معيناً كلّ يوم للتأمل في الكتاب المقدس، حتى تصبح كلمة الله مصباحاً يضيء مسيرتنا اليومية على هذه الأرض».[5] ولنتذكر القول المشهور الذي تركه لنا القديس إيرنيموس (جيروم): «يوجد أعظم رجاء لأعظم خاطيء يقرأ الكتاب المقدس، ويوجد أعظم خطر يهدد أعظم قديس يهمل قراءة الكتاب المقدس» ! أخيراً، هذا المقال عبارة عن ترّجمة لمقال باللغة الإيطاليّة، وهو بدوره عبارة عن ترجمة لفصلٍ مِن كتاب مُكتوب باللغة الإنجليزيّة تحت عنوان “الدراسة الأرثوذكسيّة للكتاب المقدّس”؛ وفي هذا الكتاب، يرد هذا المقال الذّي هو عبارة عن محاضرة ألقاها أسقف يُدعى “كاليستوس”.[6] كلّ الكتاب المقدّس مُلهم من الله (2تيمو 3/16)[7] يكتب القديس “تيكون تسدونسكي” Tikhon di Zadonsk]: «إذا ملكٌ أرضي، الإمبراطور مثلاً، يكتب لك رسالة! ألن تقرأها بفرحٍ؟! قطعاً ستقرأها بفرح غامر واهتمام وانتباه».

ثمَّ يتساءل: ما هو موقفنا نحن تجاه الرسالة التي أُرسلتْ لنا مِن الله نفسه؟! فيؤكّد قائلاً: «لقد أُرسلتْ لك رسالة، ليست مِن أحد مِن الأباطرة الأرضيين، إنما مِن ملك السموات ذاته؛ ومع ذلك، فأنت تزدري بمثل هذه العطية ولا تبالي بهذا الكنز الذّي لا يُقَدَّر بثمن». يقول أيضاً هذا القديس: «افتح وأقرأ هذه الرسالة، أعني أدخل في محاورة شخصيّة وجهاً لوجه مع الله الحيّ. ففي كلّ مرة تقرأ فيها الإنجيل، المسيح نفسه يتحدّث معك. وبينما أنت تقرأ، تدخل في صلاة وحوار معه». إنّ هذا بالتحديد هو الموقف الأرثوذكسي [ليس المقصود هنا المعني الضيق للكلمة “كطائفة”، إنما المقصود بها “أصحاب الإيمان القويم”؛ وكلّ مرة ستذكر هذه الكلمة في هذا المقال ستعني دائماً هكذا] أمام قراءة الكتاب المقّدس، فيجب علينا أنْ نري الكتاب المقدّس كرسالة شخصيّة مِن الله، أُرسلتْ بنوع خاص مِن أجل كلٍ منَّا. فإنّ كلماته لا تهمّ الأخرين فقط، أو أنها مجرد كلمات عيشتْ منذ زمن طويل بعيد مضى، وإنما هي كلمات كُتبتْ مِن أجلي أنا هنا والآن. وفي كلّ مرة نفتح كتابنا المقدّس، ندخل في حوار خلاّق مع المخلّص، وبينما كلّ واحد منا يسمعه يتضرّع إليه قائلاً: «تكلّم، فإن عبدك يسمع» (1صموئيل 3 :10)[8]، وبعدها يجيب: «هأنذا» (1صموئيل 3: 16).

عُقد في “موسكو” مؤتمر بين الروس الأرثوذكس والإنجيليكان في عام 1976، بعد القديس “تيكون” بقرنين، وفيه قد تمَّ التعبير عن الموقف الحقيقيّ تجاه الكتب المقدّسة في أشكال مختلفة ولكن بتعبيرات كلّها صحيحة ومتشابهة. وهذا التصريح الموحّد والموقّع مِن قِبل ممثلين مِن كلا التقليدين يشكّل خلاصة رائعة للرؤية الأرثوذكسية، وهي: «إنّ الكتاب المقدّس يبيَّن إتحاداً وثيقاً بين أسفاره جميعاً. فهذه الأسفار مُوحاة مِن الله، ومكتوبة بكلمات بشرية في آنٍ واحد؛ وهي تقدّم شهادة حية وأكيدة لله الذّي يوحي بذاته في الخليقة أولاً، ثمّ في تجسّد الكلمة، وفي قصة الخلاص بكاملها. ولذلك فالكتاب المقدّس يقدَّم كلمة الله بلغة بشريّة. وإننا نعرف ونستلم ونفسّر كلمة الله مِن خلال الكنيسة وفي الكنيسة. واقترابنا واتصالنا بالكتاب يجب أنْ يكون اقتراباً مطيعاً، أيّ متصفاً بالطاعة».

إنْ قمنا بترتيبٍٍ وتجميعٍٍ لكلمات القديس “تيكون” مع “تصريح موسكو” سيتضح لنا أربعة مميزات بمثابة مفاتيح جوهريّة يشكّلون “العقليّة الكتابيّة” الأرثوذكسيّة. فأولاً: قراءتنا للكتاب المقدّس يجب أنْ تكون قراءة مطيعة، وثانياً: قراءة كنسيّة، أيّ في اتحاد مع الكنيسة، وثالثاً: قراءة مسيحانيّة، ورابعاً: قراءة شخصيّة.

أولاً: قراءة الكتاب المقدس بطاعة 

نؤكّد، أولاً وقبل كلّ شىء، أنّ الكتاب المقدس مُلهم مِن الله، فلذا علينا أنْ نقترب منه بروح الطاعة لمِن ألهمه. إنَّ الإلهام الإلهي للكتاب المقدّس يشير إليه ويؤكّده القديس “تيكون” والمؤتمر السابق ذكره، الذّي عُقد في “موسكو” عام 1976. فيكتب هذا القديس: «إنَّ الكتاب المقدّس هو رسالة تأتيك مِن السموات… والمسيح نفسه يتحدّث إليك من خلاله». ويصرّح مؤتمر “موسكو” بأنّ الكتاب المقدس هو «شهادة صادقة يعطيها الله عن نفسه ويعلنها بلغة بشريّة». إنّ تجاوبنا مع هذه الكلمة الإلهيّة يجب أنْ يكون بحق تجاوب مطيع منفتح، وحينما نقرأها نضع أنفسنا في خدمة الروح القدس. وحيث إنّ الكلمة إلهياً هي ملهمة، فهي تمتلك وحدة أساسيّة وترابطاً متكاملاً، ولذلك نجد الروح القدس يتكلّم في كلّ صفحة. وعندما نتحدّث عن الكتاب المقدّس فإننا لا نشير إليه بصيغة الجمع، كما وكأنه مجموعة كتب متنوعة وُضعوا معاً، إنما ندعوه بحق “الكتاب المقدّس”، أيّ بصيغة المفرد؛ فهو يُعامل ككتاب واحد، كتاب مقدّس، له نفس الرسالة الواحدة، فهو قصة مركبة جامعة وفريدة شخصيّة في آنٍ واحد، بداية مِن التكوين حتى كتاب الرؤيا. إنّ الكتاب المقدّس، مع ذلك وفي نفس الوقت، هو أيضاً كلمة الله المُعبّر عنها بشرياً بتعبيرات متنوعة، ولذلك فهو بحق مكتبة كاملة لكتب متميزة، هذه الكتب قد انُجزت في أزمنة متنوعة ومتباعدة، ومِن أشخاص مختلفة، وفي مواقف مختلفة. فيظهر هنا الله الذّي «كلّم الآباء قديماً بالأنبياء مرات كثيرة بوجوه كثيرة» (عبرانيين1/1).

ولذا فكلّ كاتب مِن كُتّاب الكتاب المقدّس يروي خاصية العصر الذّي كُتب فيه، ويُظهر أيضاً ملامحه الشخصيّة العمليّة. فالله حقاً لا يلغي شخصيتنا أو فرادتنا، إنما يجّلها ويحترمها كلّ الاحترام. إنّ النعمة الإلهيّة تتعاون مع الحرية البشريّة، فنحن «عاملون معاً في عمل الله» (1كورنثوس3/9)، أيّ شركاء ومعاونيين لله. وقد جاء في كلمات الرسالة إلى”ديونيتوه”[9]، في القرن الثانيّ الميلاديّ: «إنّ الله يُقنع ولا يُجبر، فالإجبار في الواقع يتعارض مع الطبيعة الإلهيّة». إنّ هذا بالتحديد هو ما حدث في تأليف الكتاب المقدّس، فإنّ المؤلف لم يكن مجرد أداة أو آلة تسجيل تقوم بتسجيل الرسالة السماويّة، إنما كلّ مؤلف مِن مؤلفيه اشترك أو شارك بمواهبه البشريّة الخاصة، فالعنصر البشريّ إذاً يوجد ملازماً للعنصر الإلهيّ في تأليف الكتاب المقدّس، فيجب إذاً أنْ نعطي قيمة لكلّ مِنهما. لنأخذ مثالاً، إنّ كلَّ كاتب مِن كُتّاب البشائر الأربعة له رؤيته الخاصة وخاصيته في رواية الأحداث. فالبشير متى أكثرهم نزعةً إلى “الكنيسة”، وأكثرهم مِن ناحية الأصالة العبرانية، وذلك لاهتمامه الخاص بإظهار العلاقة بين الإنجيل والشريعة اليهوديّة، ولفهمه للمسيحيّة على أنها “الشريعة الجديدة”.

أمّا البشير مرقس فهو يكتب بلغة يونانيّة قليلة التنسيق، لغة قريبة مِن الحياة اليوميّة، تتضمن روايات مُفصّلة مُفعّمة بالحيويّة، لا نجدها في البشائر الثلاثة الأخرى. أمّا لوقا فهو يركّز على “شمولية حبّ المسيح”، فيؤكّد أنّ رأفة المسيح تصل إلي كلّ مِن العبرانيّ والأمميّ بنفس المقدار والمثيل. أمّا البشارة الرابعة فهي تقدّم مقاربة أو اتصالاً أكثر باطنية وتصوّفاً، وقد وصفه جيداً القديس إكليمنضس الأسكندري بقوله عنه “إنّه إنجيل روحيّ”. فليتنا نكتشف هذا نحن أيضاً، ونتذوّق جيداً هذه الحقيقة الحيّة الواردة في الكتاب المقدّس. فالحقيقة إذاً واضحة، ألا وهي أنّ الكتاب المقدّس بهذا الشكل هو كلمة الله المكتوبة بلغة بشريّة. ومِن ثمَّ، فعندما يُدرس الكتاب المقدس هناك مساحة لبحث نقديّ مطلوب ومستقيم . إنّ عقلنا وقدرته على التفكير هما مِن عطايا الله، فلا يجب أنْ نخاف مِن استخدامهما كاملةً عندما نقرأ الكتاب المقدّس. وكمسيحيين أرثوذكسيين [الكنيسة البيزنطية]، نحن نتغاضى، لعدم الوقوع في المخاطر والأخطار، عن نتائج البحث الأكاديميّ غير المعتمدة على الجذور، ولا على التأريخ، ولا على مؤلفي الكتاب المقدّس؛ هذا حتى وإنْ كنا نرغب في أنْ نضع دائماً هذه النتائج تحت الاختبار على ضوء التقليد المقدّس.  

وبجانب العنصر البشريّ يجب أنْ نرى دائماً الوجه الإلهيّ، فهذه النصوص ليست مجرد عمل مُؤلفين بشريين متميزين، فكلّ ما نقرأه في الكتاب المقدّس ليس مجرد كلمات بشريّة كُتبتْ بفضل مهارة وإدراك كبيرين أو صغيرين؛ وإنما هي كلمة الله نفسه الأزليّة غير المخلوقة، كلمة الآب الذّي “خرج مِن صمته”، حسب تعبير القديس أغناطيوس الأنطاكي، فهي الكلمة الإلهيّة لخلاص البشر.فلنقترب إذاً مِن الكتاب المقدّس، ليس انطلاقاً مِن فضول وحب استطلاع محض، أو مِن أجل الحصول على معلومات تاريخيّة، إنما لنقترب إليه وبداخلنا التساؤل الجوهريّ: «كيف يمكنني أنْ أخلص؟». إنّ الانفتاح المطيع على كلمة الله يعني أولاً وقبل كلّ شيء أمرين بالتحديد: الشعور بالدهشة، والرغبة في الاستماع.

1.  الدهشة

إنّ الدهشة تُخمد بسهولة، ونحن لا نجرّب بتواتر أنْ نختبر قراءة الكتاب المقدّس بدهشة وتعجب، فأصبح الكتاب مألوفاً لنا كثيراً، لدرجة أنه أصبح مملاً بالنسبة لنا. ويبدؤ وكأننا في هذا العصر قد فقدنا يقظتنا وقيمة الانتظار والترقّب. فلذلك يجب علينا باستمرار أنْ نُعيد تنظيف أبواب أدراكنا الحسيّ وبصيرتنا الروحيّة، لكي نري بعيون جديدة وبخوف ودهشة عظيمتين هذه المعجزة الإلهيّة، أيّ “كلمة الله للخلاص” المكتوبة بلغة بشريّة، فياليتنا نفهم تماماً ما كان يلفت الانتباه إليه أفلاطون بقوله: «إنّ بداية الحقيقة هي الدهشة أمام الأشياء». لقد حلمتُ منذ سنين قليلة مضتْ حلماً، أتذكره جيداً ولم أنسْ منه شيئاً. لقدت حلمتُ بأنني عدتُ ذات مرة إلي بيت الطلبة الذّي سكنت فيه لمدة ثلاث أعوام عندما كنتُ فتى. وإذ بصديقٍ يأخذني مِن يدي ويمر بي في تلك الحجرات التي كانتْ مألوفة جداً لي ولها ذكريات عزيزة على قلبي؛ وبعدها دخلنا في ثلاث حجرات لم أذكر أنني رأيتهم مِن قَبل، كانوا فسيحات ومُنظمات وممتلئة بالأنور. وفي النهاية، وصلنا إلى كنيسة صغيرة مُظلمة مُزينة بالفسيفساء الذّي كان يلمع تحت ضوء الشموع؛ وعندئذٍ قلتُ لرفقي مندهشاً: كم هو غريب أنني عشتُ هنا سنين عديدة بدون أنْ ألاحظ وجود كلّ هذه الحجرات الجميلة؟! وعندها أجابني صديقي باندهاش فاق اندهاشي: ولكنها كانتْ دائماً موجودة هنا وبنفس الوضع الذّي تراه الآن! وعند هذه اللحظة استيقظتُ مِن نومي، وأدركتُ أنني كنتُ أحلم. ونحن بالأحرى، ألا يجب علينا أنْ نعامل الكتاب المقدّس بهذا الشكل، فنقرأه تماماً بمثل هذه الدهشة وهذا الفرح الذين اختبرتهما في الحلم الذّي حلمته؟! ففي الكتاب المقدّس في الواقع توجد حجرات كثيرة لم ندخلها بعد، وهناك بالفعل الكثير الذّي لم نكتشفه بعد.

2.  الاستماع والطاعة

إنْ كانتْ الطاعة تعني الدهشة، فهي تعني أيضاً الاستماع، فإنّ كلمة “طاعة” باللغة اليونانيّة واللغة اللاتينيّة تعني حقاً الاستماع. إنَّ المشكلة التي نعاني منها جميعاً اليوم هي أننا قادرون على الكلام أكثر بكثير مِن الاستماع. ويشرح هذا جيداً حلقة إذاعيّة استمعتها في برنامج يذاع عبر الراديو، وهذا البرنامج كنتّ أتابعه بانتظام في أيام دراستي كطالب. تبدأ الفقرة بأنْ يدق جرس التليفون، فيقوم واحد برفع السماعة ويهتف بصوت عالٍ: “آلو..آلو..آلو..”، ويزداد صوته ارتفاعاً وصياحاً: ” مَن يتحدث؟ لا استطيع الاستماع جيداً! آلو..آلو.. مَن يتكلم؟! فيأتيه صوت مِن الناحية الأخرى قائلاً: “إنه أنتَ مَن يتحدث!”، فيرد صاحبنا الأول ويقول: “آه..الآن فهمت، لماذا يبدو الصوت مألوفاً لي؟!”، وعندها يعيد السماعة إلى مكانها!! إنْ أردنا أنْ نمتلك “عقليّة كتابيّة”، فهناك مطلب أساسيّ لتحقيق ذلك، ألا وهو: أنْ نكفّ عن الكلام ونبدأ في الاستماع! عندما ندخل في أحدى الكنائس المؤسسة على الطراز التقليديّ القديم، وننظر إلى أعلى ناحية الهيكل سنرى على قبة المذبح أيقونة لـ “والدة الله”، نرى فيها مريم العذراء رافعة يديها إلى السماء، وهو الوضع الكتابيّ للصلاة، ويستعملونه حتى الآن كثيرون مِن المؤمنين. فعلى هذا المنوال يجب أنْ يكون موقفنا تجاه الكتاب المقدّس، أيّ موقف منفتح ويقظ وواع، وتكون أيادينا غير المرئية ممدودة نحو السماء. فلكي نقرأ الكتاب المقدّس، يجب علينا أنْ نتشكّل على مثال العذراء الطوباويّة مريم، تلك المؤمنة التي كان استماعها على مستوى عال جداً. فها هي عند البشارة تسمع كلام الملاك جيداً، وبعدها تجيب بطاعة: «أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك» (لو1/38). فهي إنْ لم تكن قد استمعتْ أولاً كلمة الله واستقبلتها روحيّاً في قلبها، لما استطاعتْ أنْ تحمل جسدياً في أحشاها كلمة الله المتجسّدة. إنَّ الاستماع اليقظ كان موقفها باستمرار في كلّ النصوص الإنجيليّة؛ فعندما ولدتْ يسوع، وبعد سجود الرعاة له، يدوَّن البشير لوقا: «وكانتْ مريم تحفظ هذه الأمور، وتتأملها في قلبها» (لو2/19)؛ وبعد زيارة أورشليم عندما كان يسوع في الثانية عشر مِن عمره، يكتب نفس البشير: «وكانتْ أمه تحفظ تلك الأمور كلّها في قلبها» ( لو2/51).

إنّ الأهمية الحيويّة للاستماع أُعلنتْ بوضوح في الكلمات الأخيرة التّي قالتها والدة الله في الكتاب المقدّس، فعندما كانتْ في حفل عرس قانا الجليل توجّهتْ إلى الخدم وقالتْ لهم: «مهما قال لكم افعلوه» (يو2/5). إنّ مريم العذراء، في كلّ هذا، تبقى مرآة وأيقونة حيّة لكلّ مسيحيّ كتابيّ محب الكتاب المقدّس. فالاستماع لكلمة الله يعني أنْ نكون على مثالها، أيّ نتأمل ونحفظ كلّ هذه الأمور في قلوبنا، ونعمل بكلّ كلمة يقولها لنا السيد الربّ، فعلينا أنْ نسمع بطاعة عندما يكلّمنا الله.

—————————————

[1]  كلّ الملاحظات الموضوعة بين قوسين بهذا الشكل […]وكل الحواشي الموضوعة في أسفل الصفحة هي مِن وضع المُترجم.

[2]  المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثانيّ (1962- 1965): «دعا إليه البابا بوحنا الثالث والعشرون. إهتمّ هذا المجمع بـ”تحديث” الكنيسة الكاثوليكيّة فأصدر عدداً من الدساتير والمراسيم والقرارات والبيانات والتصريحات. وهذا المجمع يكمّل ما لم يستطع المجمع الفاتيكانيّ الأوّل أن يُنجزه، ولا سيّما ما يختص بجماعيّة الأساقفة». صبحي حموي اليسوعيّ، معجم الإيمان المسيحيّ، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1998، 349- 350.

[3] راجع وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثانيّ المسكونيّ، المكتبة الكاثوليكيّة، السكاكيني، القاهرة، 2000، دستور عقائديّ في “الوحي الإلهيّ”، بند 22.

[4]  المرجع السابق، مرسوم في “التكوين الكهنوتي”، بند 16.

[5]http://www.vatican.va/holy_father/benedict_xvi/audiences/2009/documents/hf_ben-xvi_aud_20091028_it.html

[6]هذا الأسقف وُلد في إنجلترا عام 1934، وقد انضم للكنيسة الأرثوذكسيّة البيزنطية في عام 1958، ونال الرسامة الكهنوتيّة في عام 1965، وقدّم نذوره الرهبانيّة في ديرٍّ باليونان، ثمَُّ مُنح الدرجة الأسقفيّة في عام 1982. وكان عضواً في الحوار اللاهوتيّ بين الأنجيليكان والأرثوذكس البيزنطيين، وقد لعب أدواراً أخرى كثيرة، وله عدة مؤلفات باللغة الإنجليزيّة.

[7]  القديس “تيكون تسدونسكي”: هو راهب وأسقف روسيّ أرثوذكسيّ، قد لبس الثوب الرهبانيّ في عام 1758، وُسيّم أسقف في عام 1763. ولكنه في عام 1768، وبعد خمس سنوات فقط مِن سيامته أسقفاً تخلّى عن الأسقفيّة واعتزل في دير موجود في “تسدونسكي” حتى نياحته في عام 1784. وقد كرّس نفسه في هذه الفترة السابقة لموته لدراسة الكتاب المقدّس، وقام بتأليف العديد مِن المؤلفات الغنيّة في محتوها ومتنوّعة في مواضيعها؛ وتعتبره الكنيسة الروسيّة الأرثوذكسيّة واحداً مِن القديسين المتمتّعين بميزات ومواهب خاصة.

[8]  كلّ الاستشهادات الكتابيّة مأخوذة مِن الطبعة اليسوعيّة:  بيروت، دار المشرق، 1991.

[9]  هي رسالة مسيحيّة قديمة، مكتوبة باللغة اليونانيّة، ومكتوبة بإسلوب دفاعيّ؛ تعود إلى ما بين القرن الثاني والثالث الميلاديّ؛ وهي على شكل خطاب، مبعوث إلى شخص لا يُعرف عنه الكثير، يُعرف فقط أنّ اسمه “ديونيتوه”. هذه الرسالة تنتمي إلى كتابات “الآباء الرسوليين”.