stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عقائدية

ماذا بعد الموت؟- الأب/ شنودة شفيق

756views

شماذا بعد الموت؟- الأب/ شنودة شفيق

هناك تساؤلات عديدة تشوبها الحيرة والغموض داخل كل إنسان حول مصير حياته ماذا بعد الموت؟ فمن جهة لا يمكننا إنكار هذه الحقيقة أو الهروب منها لأنها جزء من الوحي الإلهي وبالتالي مدعوين للإيمان بها. إلا أنه في نفس الوقت لا نستطيع أن نقدّم ونفسّر تفسيراً جازماً هذه الحقائق ولذا لا نجد العديد من الكتابات التي تتناول هذه الحقيقة بطريقة كاملة شاملة… وأحياناً قد يصل المؤمن إلى اقتناع وشبه وضوح لهذه الحقيقة، لكن سرعان ما ينحرف اقتناعه ووضوحه للحقيقة، بسبب أزمة قد يختبرها شخصياً بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة مما يثير من جديد نفس التساؤلات حول الموت وما بعده والعجيب أحياناً قد يطلب الإنسان ضمانات مادية ليؤكّد حقيقة هذه الحياة فهل هذا ممكن؟ أخطئ لو أجبت بنعم ، فالعنصر الأول والأساسي لفهم ذلك هو الإيمان المبني على الوحي الإلهي، والذي عليه تستند كل التعاليم اللاهوتية، ولذا لا يمكننا أن نتغافل دور القراءات اللاهوتية التي تساهم في تنوير وتقوية إيماننا. هذا ما دفعني أن أبدأ في كتابة بعض المقالات التي قد ترد على بعض التساؤلات التي تدور في داخلنا حول مصير الإنسان. هذه المقالات ليست من تأليفي لكنها قد تكون خلاصة بعض القراءات أو ترجمة بتصرف مستنداً في ذلك على مرجعين أساسيين وهما:

 

• VITALINI Saint, Théologie de l’au-delà Fribourg, Suisse, 1980.

 

•  POZO Candido, Teologia dell aldilà, San Paolo, 1994.

 

مقدمة عامة:

قبل أن نخوض في الحديث عن هذا الموضوع أود أن أشير إلى أنه يصعب الكلام عن موضوع الإسكاتولوجية (الحياة فيما بعد الموت أو الحياة الأخرى) بسبب غموضه. فالآباء أنفسهم كانوا يكتفون بالقليل فيما يخصّ المسائل الإسكاتولوجية، فاكتفوا بالحديث عن انتصار السيد المسيح على الموت دون أن يتعمّقوا في شرح كيفية وزمن دخول الأموات في هذا الانتصار.

أمّا في القرون الوسطى فقد اتجّه التفكير المدرسيّ نحو هذه المسائل التي لم يتعمّق فيها عصر الآباء لكن دون التركيز على النواة الأساسيّة لهذه الإسكاتولوجيا التي كان يقبلها الجميع بالإيمان أي البشرى بالحياة الأبدية. من بين هذه المسائل العديدة، مسألة إمكانية الحياة للنفس المنفصلة عن الجسد ومسألة المشاهدة الطوباوية فوراً بعد الموت، ومسألة ماهية السماء ونار جهنم.

محاولة لحل هذه القضايا، كان فكر القرون الوسطى يسير بإلهام الفلسفة الأرسطوطالية وتعليمها في تحوّل الكائنات، فيشرح هكذا حياة النفس بعد انفصالها عن الجسد. بهذا أصبحت العناصر الموحى بها تحيطها عدّة شروح، ضلّت بها بعيداً عن الكتاب المقدس ورسالته، إنما تستند فقط على فكر وحضارة تتبع الفلسفة والأساطير اليونانية.

في العصر الحديث بدأت  السلطة الكنسيّة تركّز وتلّح على أهمية التعليم الإسكاتولوجي في الكنيسة. فالمجمع الفاتيكاني الثاني في دستور الكنيسة “نور الشعوب” الفصل السابع، يعلن بطريقة واضحة حقيقة انتظار الكنيسة على الأرض وهي تسير خطوة خطوة نحو الامتلاء السماوي. وهذا الإعلان هو أساس لعالم اليوم، الذي فيه تكثر الخرافات والسحر ومناجاة الأرواح. هذا يثير فينا تساؤل هام ألا وهو كيف نكرز بالحياة الأبدية في مثل هذا العالم؟

إذا كنّا مقتنعين بضرورة الكرازة بإنجيل الحياة الأبدية، يلزمنا أن نعرف أبعاد هذه الكرازة، فهي في نفس الوقت مثيرة للعثرات، إلاّ أنها ذات جذور في خبرة إيمانية. فالكرازة بالحياة الأبدية لا تستطيع ألاّ تكون مثيرة للعثرات، والويل لنا إن لم تكن فينا الشجاعة للكرازة بالإنجيل كما يقول بولس الرسول: “لأني إذا بشرت فليس لي فخر لأن ذلك ضرورة موضوعة عليّ والويل لي إن لم أبشّر” (1كور 16:9). ويمكننا فهم دهشة غير المؤمنين من الناس الذين يتحدثون عن قيامة الأموات على مثال مستمعي بولس الرسول في أريوباغوس (أع17)؛ وهذا الموقف يتكرّر كثيراً في أيامنا.

ومن المؤسف أن نخون الرسالة التي نحملها وذلك باختراع أقوال تلائم وتناسب رغبة المستمعين. بهذا تنحصر الإسكاتولوجية في محيط يلائم وجهة نظر الماركسية التي تجعل من الفردوس عالم المستقبل الذي سوف يبنيه مجتمع لا طبقية فيه. ويخلد الفرد بحيث أنه يزول كفرد ويساهم في خلق عالم أفضل. لكن الكرازة بالإسكاتولوجية المسيحية، تجد قوتها في الله الحيّ، ولا يمكن إدراكها إلا في الإيمان الراسخ. فإن كنا نؤمن بالله وبالرباط الحيوي الذي يربطنا به سيكون لنا اليقين الكامل أن حياتنا ستستمر فيه، من هنا نحن نكرز باليقين في عالم متشكّك، وبالرجاء في عالم يائس، وبانتصار الحياة في عالم يبدو وكأنه محكومٌ عليه بالموت.

تذكّر الإسكاتولوجيّة دائماً باندماج الإنسان في حياة الله. وكما أن ذاتية الشخص يلزمها أن تتحوّل بقبول الكلمة المتجسد، كذلك إن الذاتية نفسها هي التي تدخل في هذه الشركة العاملة المنفتحة على الأبدية، وعلى الأرض يشعر المرء بأن الاندماج التدريجيّ في حياة الثالوث، لا تلاشي ذاتيته كابن لله، لكنها تلده لحياة تعدّه “للميلاد السماوي”.

يلزم للكرازة بإنجيل الحياة الأبدية أن تكون أمينة لكلمة الله. ففيما يخصّ الإسكاتولوجيّة لابد من بذل مجهود لإبراز مضمون هذه الكلمة الإلهية التي أحياناً تكون غريبة عن إدراكنا برموزها وأسلوبها الأدبيّ مثل أسلوب الرؤى. فكثيراً ما كانت الصعوبات المقدمة ضد التعليم عن جهنم أو السماء ترتكز على آراء لاهوتيّة كانت تخفي حقيقة الإيمان. فجهنم مثلاً كانت تذكر على أنها ميدان فسيح للاعتقال، فيه يُقاسي الهالكون أمرّ العذابات حسب شريعة العين بالعين والسن بالسن. بهذا يكون التعذيب والألم في الحياة الأخرى أقسى مما هو على الأرض. وهذا المفهوم لا يشجّع الإيمان بطيبة الله وجودته حيث أن الإنسان لا يستطيع التوفيق بين هذه العذابات وبين جودة الله وطيبته. ونفس الشيء عن النعيم حيث يتحدثون عنه بأسلوب مجرد يسود عليه مفهوم العالم غير القابل للفساد الذي تذكره القرون الوسطى، والذي لا يحتوي على شيء يجذب الإنسان وبهذا يحدث الشك في واقعيته الموضوعية.

على ضوء قراءتنا للمجمع الفاتيكاني الثاني نرى أنه أكثر المجامع كلامًا في هذا الموضوع، وهذا يعني أننا مدعوين لتعميق فكرنا عن الإسكاتولوجية، ولكن علينا أن نضع في الاعتبار أن هذا يفترض الإيمان العميق والراسخ، لأن قراءة كلمة الله بدون الإيمان لا تكشف لنا عن مضمونها. وهذا يعني أن علم اللاهوت وكرازتنا بإنجيل الحياة يستندان على خبرة إيمان حية. فحدث التجسّد هو واقع له أهميته في حياة الإيمان المسيحي، فلا يمكننا القيام بدراسة لاهوتيّة إلاّ بمشاهدة عمل الله فينا، وذلك بمقارنة كلمته الأزليّة بالمفاعيل التي تحدثها الآن فينا، ولكي نقول كلمة عن حياتنا المقبلة في الله، يلزم من الآن أن تكون لنا خبرة أكيدة عنها. فمنذ الآن يكشف لنا الموت والحياة الأبدية شيئاً عن معانيهما “مَن يؤمن له الحياة الأبدية” (يو 47:6). فليس من المهم أن نقدّم لاهوتاً دفاعياً لإثبات هذه الحقيقة، إنما أن يكون لنا اقتناع إيماني، فلذا نترك كلمة الله تنيرنا لتعمّق خبرتنا الإيمانية والتي من خلالها يمكنا إشراك الآخرين فيها. فعلم اللاهوت دون خبرة إيمانية حيّة لا يقدّم شيئاً لمن يريد أن يتعمّق في أغوار سر الحياة بعد الموت.

حديثنا عن الإسكاتولوجيّة يقودنا إلى التفكير في البعد الفردي والجماعي داخل هذه الحقيقة. كما نعلم أن مفهوم الخلاص في الكتاب المقدس هو جماعي، فالمرء يخلص وهو عضو في شعب، لكن هذا لا يعني أن حقيقة الخلاص تهم الجماعة وليس الفرد، بل بالعكس يندمج الفرد في الجماعة بواسطة إيمانه الشخصي. فإن كان موضوع الإسكاتولوجية في الماضي قد تمّ تناوله على المستوى الفردي، فاليوم يقدم على المستوى الجماعي حيث أن الواحد يرتبط بالآخر. فبدون الإسكاتولوجيّة الفردية لا توجد إسكاتولوجية جماعية. من هنا يتضح لنا أن ما يسمونه إسكاتولوجية فردية لا يزال للبعد الجماعي مكانه الضروري والأساسي فيها ففي حالة الموت حيث يكون الفرد وحيداً، توجد مواجهة للمرء مع الكيان البشري وهذا يعني أن العلاقات بالآخرين تحتفظ بأهميتها الرئيسية. ونفس الشيء يُقال عن السعادة السماويّة والتي فيها يرتبط الفرد بالثالوث، هذه السعادة تربطه بالكنيسة المنتصرة، لذا فهي تبدو لنا كحقيقة جماعية.

انطلاقاً من هذه المقدمة سنحاول في سلسلة لاحقة أن نقدّم بعض الموضوعات المهمة التي تختص بالفرد كما بالجماعة البشرية المدعوة من الله لمصير أبديّ. فسوف نتحدّث على التوالي عن مشكلة الموت والدينونة والتطهّر والسماء وجهنم ثم عن مفهوم آخر الأزمنة وقيامة الموتى والدينونة الأخيرة والعالم الجديد.

عن مجلة صديق الكاهن العدد الأول2005