stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابية

مثل الزارع وتفسيره- د. الأب / كميل وليم

3.1kviews

imagescad5tnk0

المثل

يبدو أن رواية مثل الزارع في إنجيل القديس متى تسير على نهج رواية في إنجيل القديس مرقس؛ حتى في اختيار الألفاظ: مت 3:13 هوذا الزارع خرج ليزرع وبينما هو يزرع وقع بعض الحَبّ على جانب الطريق. مر هوذا الزارع خرج ليزرع. وبينما هو يزرع وقع بعض الحَبّ على جانب الطريق. مت فجاءت الطيور فأكلته. (5) ووقع بعضه الآخر على أرض حَجِرة لم يكن له فيها تراب كثير. مر فجاءت الطيور فأكلته. (5) ووقع بعضه الآخر على أرض حَجِرة لم يكن له فيها تراب كثير. مت فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقاً.

(6) فلما أشرقت الشمس احترق، ولم يكن له أصل فيَبُسَ. مر فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقاً. (6) فلما أشرقت الشمس. احترق، ولم يكن له أصل فيَبُسَ. مت (7) ووقع بعضه الآخر على الشوك فارتفع الشوك وخنقه. (8) ووقع بعضه الآخر على الأرض الطيبة فأثمر، بعضه. مر (7) ووقع بعضه الآخر في الشوك فارتفع الشوك وخنقه فلم يثمر. (8) ووقعت الحبات الأخرى على الأرض الطيبة. مت مائة وبعض ستين وبعض ثلاثين فمن كان له أذنان فليسمع. مر فارتفعت ونمت وأثمرت، بعضها ثلاثين وبعضها ستين وبعضها مائة وقال من كان له أذنان فليسمع.

مثل القديس مرقس واضح. اكتفى القديس متى ببعض التعديلات الطفيفة. لم يستعمل في مقدمة المثل، الفعل علّم “فعلمهم بالأمثال أشياء كثيرة” (مر3:4أ) ولكنه يحتفظ بخاتمة المثل التعليمية: “فمن كان له أذنان فليسمع” (مت 9:13). إنها عبارة تدعو إلى اليقظة ولكنها مغلّفة بنوع من التهديد: احذروا ربما يفوتكم شيء. يتفق القديس متى تماماً مع تقليد القديس مرقس ومضمونه هو أن كلمة الملكوت حاضرة الآن وهي في هذه اللحظة بين الفشل والنجاح، فعّالة. وهذا ما كان سبق وأعلنه كتاب أشعيا النبي: “كما تعلو السماء عن الأرض كذلك طرقي تعلو عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجع إلى هناك دون أن يروي الأرض ويجعلها تنتج وتنبت لتؤتي الزارع زرعاً والآكل طعاماً فكذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي: لا ترجع إليّ فارغة بل تتمم ما شئت وتنتج فيما أُرسله لها”(أش9:55-11).

كما يخصب المطر والندى الأرض كذلك كلمة الله فعّالة على طريقتها الخاصة. وتستطيع، بالذات لأنها كلمة الله، أن تسير في طرق ليست طرقنا: “فإن أفكاري ليست أفكارهم ولا طرقكم طرقي يقول الرب” (أش 8:55)، إنها تصل دائماً إلى هدفها، وإن كنا لا نعرف ما هو هذا الصوت وأين هو أو كيف يتحقق. ما على الإنسان إلا أنه يزرعها بثقة.

التفسير

إن تفسير المثل، في إنجيل القديس متى مقارنة بتفسير إنجيل القديس مرقس، يشمل اختلافات ذات مغزى. إنه يتجاهل تماماً عتاب المسيح لتلاميذه: “أما تفهمون هذا المثل؟ فكيف تفهمون سائر الأمثال” (مر 13:4). يبدو أن الكاتب رأى أن في هذا العتاب تناقضاً مع تأكيد يسوع السابق. “لأنكم أعطيتم أنتم أن تعرفوا أسرار ملكوت الله” (مت 11:13أ).

ويبدأ يسوع، في إنجيل القديس متى، تفسير المثل قائلاً: “فاسمعوا أنتم مثل الزارع” (مت18:13). يبدو أن اهتمام الإنجيلي مركّز على الزارع وليس على الزرع أو على أنواع التربة. ولكن في الواقع ليس هذا إلا انطباع خاطئ، إذ يوجّه إنجيل القديس متى كل الاهتمام إلى أنواع التربة مثله مثل إنجيل القديس مرقس.

استعمل إنجيل القديس مرقس صيغة الجمع للحديث عن أنواع التربة، مهتماً بالفئات أكثر من اهتمامه بالأفراد. أما إنجيل القديس متى فإنه يستعمل صيغة المفرد مخاطباً ضمير كل فرد وهدفه الأساسي هو أن يراجع كل فرد ضميره ويفحصه. يحدد إنجيل القديس متى نوع التربة الأولى بـ “كل من سمع كلمة ملكوت ولم يفهمها” (مت 19:13أ) وعندما يذكر نوع التربة الثالث فإنه يهمل عبارة “سائر الشهوات” (مر19:4) مكتفياً بذكر “هم الدنيا وفتنة الغنى” (مت 22:13). وعند تفسيره لنوع التربة الرابع فإنه يركّز على السماع والفهم أي العمل: إنه بذلك يذكّرنا بمثل البيتين القائمين على الصخر أو الرمال (مت24:7-27).

ويذكّر تحذيره من الهموم وأخطار الغنى بالنص الذي يدعو للطمأنينة والاتكال على عناية الله التي تُسد احتياجات الإنسان من مأكل من ملبس اهتمامه بطيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن (راجع مت 25:6-34). كما أن الحديث عن الثمر أو الثمار الوافرة ليس موضوعاً جديداً في إنجيل القديس متى، فقد سبق وتناوله في توسُّع وتفصيل كافيين في 17:7-23. الشجرة الطيبة التي تثمر ثمراً طيباً والشجرة الفاسدة التي تثمر ثمراً فاسداً والتي مصيرها هو القطع والنار. من الواضح أنه يجب قراءة مثل الزارع في إنجيل القديس متى على ضوء الجزء الأخير من العظة على الجبل (مت5). كثيرة هي الأسباب التي تعوق الكلمة فلا تؤتي بثمار. فهناك من السطحي: إنه يسمع بلا اكتراث ولا يحتفظ بالكلمة ولو للحظة واحدة. كما نقول: يسمع من الأذن الواحدة ويخرج ما سمع من الأخرى، والمتحمس ولكنه متساهل، متقلب، بلا جذور. لا يستمع هذا للكلمة فقط بل يتذوقها ويتذوق جمال ولذة فهمها. إن ما ينقصه هو المثابرة والثبات. كلمة الله ملزمة ومتطلبة ولذلك فإنها تقتضي مواجهة الصعوبات والاضطهادات. لا يقصد الإنجيلي هنا الصعوبات العامة ولكن يحددها بالصعوبات الناتجة عن اتباع الكلمة ذاتها.

إن الاضطهاد في إنجيل القديس متى ليس الحالة النادرة بل هو حالة المؤمن الاعتيادية: “طوبى لكم إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من أجلي” (مت 11:5). وسبب آخر هو هموم الحياة وإغراءات الغنى: إنهما اتجاهان يحاولان دائماً الغلبة والسيطرة على الإنسان فيجتاحانه ويخنقان كل مُثله العليا. وسبق أن أعلن يسوع المسيح بوضوح شديد: “ما من أحد يستطيع أن يعمل لسيدين” (مت 24:6أ). إنها عبارة عامة قابلة لتطبيقات وتفسيرات عديدة. ولكن يسوع المسيح يحدد السيد القوي: المال: “لا تستطيعون أن تعملوا لله وللمال” (مت 24:6). الانطباع هو أن كلمة الله التي ألقيت في هذه التربة المليئة بالحشائش، استطاعت أن تنبت وأن تنمو لدرجة معينة. لكن مع الوقت أعوزتها المساحة اللازمة لمزيد من النمو حتى  النضوج. ذلك هو عدم إيمان من يرغب أن يعيش بموجب الكلمة، دون أن يدفع جزية ذلك من تضحيات وصعوبات. يصف إنجيل متى، أخيراً التربة الجديدة بأربعة أفعال: يسمع، يفهم، يثمر ويعطي إنها المراحل الأربع اللازمة لمسيرة الكلمة من البداية حتى إعطاء الثمر.

عن مجلة صديق الكاهن