stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابية

مثل حجج المترددين – د. الأب / كميل وليم

499views

download (11)

لعب أطفال (مت11: 16-19)

يتخذ مثل الأطفال، الذين يرفضون اللعب، شكل قصة يتطور شكلها: هناك مجرد إشارة إلى الموضوع. يبدو وكأن الكاتب قد استعجل النهاية فتجاهل التفاصيل. قافزاً إلى خاتمة القصة. ربما كان يعتقد أن الخاتمة تفي بالغرض التعليمي، إذ يستطيع أي مستمع أو قارئ أن يتخيل ويستنتج أحداث القصة. ولكن قارئ اليوم يجد صعوبة كبيرة في ذلك. إننا نحاول الآن، دون أن ندخل في تفاصيل دقيقة، أن نعيد بناء أحداث المشهد، بشكل تقريبي. نعرف أن لعب الأطفال هو، عادة، محاولة تقليد مشاهد ومواقف من حياة وعالم البالغين الجادين، بطريقة هازلة ضاحكة ومضحكة. كانت هناك مجموعة أطفال تلهو في السوق أو الميدان أو الشارع. أرادت هذه المجموعة أن تقلد مشهداً من احتفالات الزواج. فكان عليها أن تنقسم إلى فريقين، يبدأ الفريق الأول بترديد أغاني وأهازيج الأفراح، ويرد عليه الفريق الثاني. لكن المجموعة لم تتفق ولم تنجح في لعبها: الأغاني واللعب مرحان أكثر من اللازم. حينئذ قررت المجموعة أن تقلد مشهداً جنائزياً. ويقتضي هذا أيضاً أن تنقسم المجموعة إلى فريقين، يبدأ أحدهما بترديد المراثي والبكاء والعويل، ويرد عليه الفريق الآخر. ولكن تفشل هذه المحاولة أيضاً: اللعبة والكلمات كئيبة أكثر من اللازم. إنها لعبة مرحة (ماجنة)، إنها لعبة كئيبة: إنها كلها أعذار. السبب الحقيقي لفشل الأطفال في لعبهم ولهوهم هو عدم رغبتهم في اللعب. رفض الشعب كلاً من يوحنا، الذي كان يدعو إلى التوبة والتقشف، ويسوع المسيح، ابن البشر، الذي بشر بفرح الملكوت.

قص يسوع المثل وأعطى شرحه: “جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فقالوا: لقد جُنّ، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فقالوا: هوذا رجل أكول شريب الخمر صديق للعشارين والخاطئين” (مت 19:11أ). لذلك يلوم يسوع هذا الجيل ويشبههم بالأطفال العنديين المتقلبين. وقد لا يكون مجرد صدفة أن يتناول المثل أطفالاً وليس بالغين: هذا الجيل مازال، من حيث الدين والإيمان، في طور الطفولة أي لم يصل بعد إلى سن البلوغ. إنه جيل عاجز عن قراءة واكتشاف علامات حضور الله. بالأكثر هو جيل متردد في الاختيار. ولكنه جيل بارع في اختلاق الأعذار والمبررات. وربما استطعنا أن نضع هذا العنوان للمثل: “حجج المترددين”. تم تفسير هذا المثل بطرق مختلفة، وأبسط التفاسير، وربما أدقها وأفضلها، هو التفسير الذي كتبه أوريجانوس. إنه تفسير بسيط وواضح للغاية: “لقد أعلنّا لكم معرفة ملكوت السموات، المعرفة التي تولد الفرح وتمنحه، ولكنكم لم تقبلوها بفرح، لقد هددناكم بالعقاب بكلمات شديدة قاسية، ولكنكم لم ترجعوا عن خطاياكم”. لنخرج قليلاً عن المثل: الأطفال العنيدون المتقلبون هم “هذا الجيل” ترد عبارة “هذا الجيل” سبع مرات في إنجيل القديس متى وكلها بمعنى سلبي: 16:11 فبمن أشبه هذا الجيل؟ يشبه أولاداً قاعدين بالساحات يصيحون بإخوانهم… 41:12 رجال نينوى يقومون يوم الدينونة مع هذا الجيل ويحكمون عليه. 42:12 ملكة التيمن تقوم يوم الدينونة مع هذا الجيل وتحكم عليه. 45:12 .. وهكذا يكون مصير هذا الجيل الفاسد. 36:23 الحق أقول لكم: إن هذا كله سيقع على هذا الجيل. 34:24 الحق أقول لكم: لن يزول هذا الجيل حتى تحدث هذه الأمور كلها. هذا الجيل هم الكتبة والفريسيون الذين يطلبون من يسوع آية باهرة مقنعة، بذلك فاقت طلباتهم ومتطلباتهم حالة سكان نينوى، الذين قبلوا ببساطة وسهولة وإيجابية رسالة يونان (راجع مت 41:12)، كما أنهم فاقو ملكة التيمن التي “جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان” (مت 42:12).

إن مصير هذا الجيل هو مصير الإنسان الذي خرج منه الروح النجس… “فيذهب ويستصحب سبعة أرواح أخبث منه، فيدخلون ويقيمون فيه، فتكون حالة ذلك الإنسان الأخيرة أسوأ من حالته الأولى” (مت 45:12أ). هذا الجيل هم الذين يرفضون دائماً الأنبياء ويضطهدونهم: “حتى يقع عليكم كل دم ذكي سفك على الأرض، من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن بركيا..” (تث 35:23). هذا الجيل هم كل من يتظاهرون بعدم رؤية علامات الله ويتجاهلونها، ولكنهم سيجبرون على مشاهدتها: “لن يزول هذا الجيل حتى تحدث هذه الأمور كلها” (مت 34:24).

وفي هذا المثل، رجال هذا الجيل هم رجال ذلك الزمان ورجال اليوم، الذين لا يريدون التمييز والاختيار، بالرغم من وضوح علامات الله: إنهم يرفضون الشيء ويرفضون عكسه. إذا كان هؤلاء صرحاء ومستقيمين لاعترفوا إنهم لا يريدون شيئاً، لا يقبلون شيئاً بل يرفضون كل شيء. يختم يسوع تأنيبه لهذا الجيل بعبارة قد تبدو غامضة: ألا أن الحكمة زكتها أعمالها (مت 19:11ب). الحكمة هي يسوع ذاته: فهو بالفعل مكان تجلي وتجسد الحكمة الإلهية؛ إنه ضياؤها وحداثتها وقوتها المخلِّصة. يرفض هذا الجيل، بعناد شديد، يسوع، كما سبق ورفض يوحنا المعمدان. ولكن يسوع تزكيه وتبرره أعماله: إنها هي التي تتكلم عنه، وليست آراء البشر المتغيرة، المتناقضة، المتضاربة. لا تستند حقيقة ومصداقية يسوع وأعماله وتعاليمه على قبول البشر، ولكنها تستند على الأعمال التي يقوم بها.

هناك ارتباط وثيق بين الكلمات الأخيرة في هذا المثل وبين المقطع الذي يسبقه مباشرة وبالتحديد مت 2:11-6. أرسل يوحنا المعمدان إلى يسوع من يسأله عن هويته: “أأنت الآتي، أم ننتظر آخر؟” (مت2:11)، لم يعط يسوع جواباً مباشراً بل أجاب: “اذهبوا فأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون…” (مت4:11). بهذه الطريقة فقط يمكن للبشر أن يتعرفوا على يسوع. يذكر يسوع عدداً من أعماله من بينها أيضاً إقامة الموتى. ولكن العمل الأخير “الفقراء يبشرون”، ليست معجزة ولكنه، في ذات الوقت، وبالرغم من كل شيء، هو العلامة الأكثر دقة وحسماً، وهو الذي يحدد الاتجاه الموحد لباقي الأعمال ويضعها في ضوء المفهوم المسيحاني: “طوبى لمن لا أكون له حجر عثرة” (مت 6:11). تشهد أعمال يسوع له بأنه مرسل الآب، ولكن حبه الخاص للفقراء هو الذي يكشف جدّة اختياره المسيحاني.

عن مجلة صديق الكاهن