عظة غبطة البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق في قداس وجناز الأب بيشوي عبد المسيح

١٤ يناير ٢٠٢٦
“جاهدتُ الجهادَ الحسنَ، أكملتُ السعيَ، حفظتُ الإيمان والآن ينتظرني إكليل البر الذي سيكافئني به الرب الديان العادل” (٢ تيموثاوس ٤ :٧).
الإخوة الأحباء في المسيح، العائلة الكريمة، عائلة الأب بيشوي – الزوجة، الأبناء، الأحفاد، الأقارب – والأصدقاء، وجميع أبناء الكنيسة التي أحبته واحبها وخدمها أمانة والتزام.
اليوم نجتمع وقد ثقلت قلوبنا بألم الفراق، ممزوجا بالشكر والتسبيح لله على وديعة الاب بيشوي الذي لم يعرف الكلل، وقد أكمل سعيه الأرضي. وكما كتب بولس الرسول من سجنه، مدركًا اقتراب نهايته، اليوم يهمس لنا الأب بيشوي من السماء بتلك الكلمات التي تمس الروح في أعماقها: “جاهدتُ الجهادَ الحسنَ، أكملتُ السعيَ، حفظتُ الإيمان والآن ينتظرني إكليل البر الذي سيكافئني به الرب الديان العادل.
ليس هذه الكلمات بعيدة أو مجردة، بل هي صرخة حياة عاشها حتى آخر نفس، بفرحها وتعبها وصراعاتها اليومية. كتبها بولس حين شعر أن دمه سيُسكب سكيبًا. ونحن اليوم نسمعها ترن في صمت هذه الكنيسة، ونحن نتأمل حياة الأب بيشوي وحياتنا نحن أيضًا.
أولًا: حفظ الإيمان – ليس كنزًا يُخبأ في صندوق، بل نارًا تُوقد كل يوم. يتحدث بولس عن فرح هادئ: حفظ حقيقة الإنجيل سليمة، دون أن ينحني لأذواق العالم، مستندًا إلى نعمة الله وحدها. إنه يقظة دائمة، كيقظة الأب أو الأم على أولادهم.
أما نحن، فيعني ذلك لنا إبقاء الإنجيل حيًا في حياتنا اليومية: من خلال الصلاة معًا في العائلة حتى حين يثقل التعب، الصوم حتى لو سخر العالم منا، نقل وديعة الإيمان إلى أبنائنا. فلا نتكاسل في الإيمان، بل نجعله يعطي معنى لأيامنا وكفاحنا وفرحنا البسيط.
ولكاهن متزوج كالأب بيشوي، يصبح هذا الحفظ أكثر وضوحًا: الإيمان لا يُعلن من على المذبح فحسب، بل يُعاش في البيت. لقد أظهر أن العائلة يمكن أن تكون كنيسة صغيرة، مدرسة قداسة يسند فيها الزوج زوجته والعكس، ويرى الأبناء والديهم يصلون ويخدمون فيتعلمون بمثلهم الصالح. واليوم، ونحن ننظر إلى حياته، نسأل أنفسنا: هل نحفظ إيماننا بهذه الثبات؟
ثانيًا: الجهاد الحسن – ليس ضد الآخرين، بل من أجل المحبة، كل يوم، دون ادخار لم يكن جهاد بولس عنيفًا ولا سعيًا للسلطة: إنه الشهادة اليومية لمن يعلن الإنجيل «في وقته وغير وقته»، يثبت في المحبة حتى في سوء الفهم والتعب والآلام. إنه النهوض السريع لخدمة الآخر المحتاج، والسعي بلطف في جهاد الرحمة.
هذه دعوتنا أيها الإخوة: لا نبخل بجهدنا في عائلاتنا وفي مجتمعنا، المليئة بالتوترات، بين العمل الشاق وهموم الأبناء، نحن مدعوون للثبات في المحبة. محبة لا تستسلم، تغفر سبعين مرة سبع مرات، تزور المريض، تعزي الفقير، تسمع الوحيد.
عاش الأب بيشوي هذا بتميز: كان يعلن المسيح دون ادخار، يحتفل بالأسرار بفرح، يزور البيوت، وفي الوقت نفسه يربي أولاده على الإيمان المسيحي، يساند زوجته شريكة حياته. صارت عائلته شريكة له في خدمته وشهادته للمسيح. واليوم نحتفل بهذه المحبة التي لم تبخل ابدا بي عطاءها.
ثالثًا: السعي حتى النهاية – إبقاء الإيمان حيًا حين يتغير العالم من حولنا.
تشمل المعركة الحسنة اليوم حفظ كرامة كل إنسان وسط تحولات هائلة: التكنولوجيا السريعة، الهجرات، التغيرات الاجتماعية. تعني تكييف اللغة لإعلان المسيح للشباب، دون تشويه الإنجيل: ثبات ونبوة محبة في أزمنة معقدة.
أما نحن فيعني لنا ذلك أن عيش جوهر الإيمان في عالم متغير: استخدام الهواتف والإنترنت للبشارة بالإنجيل حفظ كرامة الانسان المعرض لآلاف الإغراءات، والسعي حتى النهاية دون تصلب القلب ولا خيانة الإيمان.
كان الأب بيشوي متجذرًا في تقليد آباء الكنيسة، واستطاع أن يكون جسرًا: أعلن المسيح في سياقات جديدة، محافظًا على الإيمان ككنز حي. السعي حتى آخر نفَس، والآن يستريح في سلام الرب.
أيها الإخوة الأعزاء، هذه الأبعاد الثلاثة – حفظ الإيمان، الجهاد بالمحبة، اسعى حتى النهاية – هي سر حياة لا تنتهي ابدا في القبر، بل تتفتح في إكليل البر الموعود لمن يحبون ظهور الرب.
كانت حياة الأب بيشوي، شهادة حية بذلك.
ليمنحنا الرب النعمة أن نقول يومًا، بتواضع وقلب ممتلئ، كلمات بولس: “جاهدتُ الجهادَ الحسنَ، أكملتُ السعيَ، حفظتُ الإيمان”.
نصلي من أجل راحة نفسه، من أجل عزاء العائلة، ومن أجل كل الذين وضعهم الرب في طريقه. هنيئا لك إكليل البر. وداعا ابونا بيشوي واذكرنا امام عرش النعمة.




















