stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

كتابية

1.2kviews

images3_01

تتكوّن الفقرة (لو35:12-9:13) من مجموعة متنوعة من أقوال وخطب وأمثال توضع على فم يسوع، كانت في الأصل مستقلة بعضها عن بعض. قام الإنجيلي بترتيب هذه الأقوال والأمثال حول موضوع أساسي: جهل ساعة مجيء الرب وبالتالي واجب السهر والاستعداد. يفترض أننا هنا أمام تأخّر مجيء الرب في نهاية الأزمنة. يقود تأخير مجيء الرب، بالتأكيد، إلى التعب وتعرّض الجماعة لفقدان حماسها الأول. تبدأ الوحدة بالإشارة المبهمة إلى ثلاثة أمثال (السيد في العُرس، اللص والوكيل) تدور كلها حول السهر، ثم يختمها مثل شجرة التين غير المثمرة التي تستهل التعليم عن صبر الله.

إنها صور أو تشابيه استعملها يسوع لكي ينبّه لاقتراب الملكوت، وأعادت الجماعة المسيحيّة قراءتها، وطبقتها على مجيء الرب. والنقطة الأساسيّة في الحالتين هي واحدة: “الاستعداد الدائم للحدث العظيم”. ويمثّل البواب واللص والوكيل صوراً عامّة ومنتشرة في العهد الجديد. يذكّر سيدُ المنزل الذي يعود في ساعة متأخرة من الليل، بمثل العشر العذارى في إنجيل متى (مت1:25-13)، وبمثل البواب الساهر في إنجيل مرقس (مر33:13-37).

أمّا مثل الوكيل فيرِد أيضاً في إنجيل متى (مت42:24-51). إنها صورة السيد الذي يعود فجأة مثل اللص والتي ترد في (1تس2:5؛ 2بط10:3؛ رؤ 3:3). يتضح بمقارنة هذه التنبيهات بالسهر في لوقا ومرقس ومتى، أننا أمام ذات الموضوع اللاهوتي والرعوي العام. إن حالة الاسترخاء وفقدان اليقظة التي تعيشها الجماعة هي ذاتها.

كما أن مفهوم السهر الغني والمتنوع هو ذاته: الاستعداد، الصبر، المثابرة والأمانة. يشير السهر إلى حالة (من النقاء والطهر واليقظة لئلا يفاجئ المرءَ أيُّ وضع أو حدث ويجده غير مستعد) كما أنّه يشير إلى حياة الانتظار (تأدية الواجبات المُلقاة على عاتق المرء بأمانة وحكمة). ولكن لوقا يُدخل في هذا الإطار العام بعضَ الملامح التي تظهر نواياه وخصائصه. أوّل هذه الملامح هو السؤال الذي يطرحه القديس بطرس على يسوع: “يارب، ألنا تضرب هذا المثل أم للناس جميعاً؟” (لو41:12).

ولكن يسوع لا يجيب على هذا السؤال. ويكفي أن يطرح السؤال ليوجّه الاهتمام نحو مسئولي الجماعة وقادتها: إن بُعد السيد وتأخّره لا يبرّر لهم أن يتصوّروا أنهم هم السادة. وتظل الموضوعات الأساسيّة الأخرى في إنجيل لوقا: السهر والدينونة، ولكن السياق الذي توضع فيه الدينونة هو مكافأة العبيد الأمناء. والنص كله يدور حول ثلاث تطويبات: “طوبى لأولئك الخدم الذين إذا جاء سيدهم وجدهم ساهرين” (لو 37:12أ)، “وإذا جاء في الهزيع الثاني أو الثالث ووجدهم على هذه الحال فطوبى لهم” (لو38:12)، “طوبى لذلك الخادم الذي إذا جاء سيده وجده منصرفاً إلى عمله هذا” (لو43:12). ولكن المشهد الأروع هو مشهد آخر: السيد الذي يخدم تلاميذه بعد أن يُجلسهم إلى المائدة: “الحق أقول لكم بأنه يشد وسطه ويجلسهم للطعام ويدور عليهم يخدمهم” (لو37:12ب).

 فكونوا مستعدين توضّح صورتان رمزيتان الانتظار الساهر المستعد: “لتكن أحقاؤكم مشدودة ولتكن سرجكم موقدة” (لو35:12). تذكر السرج الموقدة بمثل العشر عذارى في إنجيل متى (1:25-13). أما الحقو المشدود فيذكر عادة العاملين الذين يطوون ثيابهم حول خصرهم لكي لا تعوق حركتهم، أو عادة المسافرين الذين يرفعون ثوبهم قليلاً إلى أعلى لكي يسرعوا في مشيهم. يجب على المؤمن أن يقابل الرب عند مجيئه بثياب العمل أو السفر. كما أن هناك خلفية كتابية لا يجب أن ننساها وهي صورة عشاء الفصح: “هكذا تأكلونه: تكون أحقاؤكم مشدودة ونعالكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم وتأكلونه على عجل، فإنه فصح للرب” (خر 11:12)، تصف الأحقاء المشدودة والنعل بالرجل والعصا باليد شعب الله الذي يسير ويسهر. ويرد الاستعداد مرة أخرى في وصية القديس بطرس “فنبهوا أذهانكم وكونوا صاحين واجعلوا رجاءكم في النعمة التي تأتيكم يوم ظهور يسوع في المجد” (1بط 13:1).

يتصف السهر الإنجيلي بالقناعة والبساطة وبالرجاء: الحرية الباطنية تجاه وفرة الأشياء التي تعوق الروح وتكبله وتجعله متكاسلاً (القناعة)، واعتبار الحياة مسيرة واثقة والأنظار شاخصة نحو الأمام (الرجاء). يدور يخدمهم يبدو المثل في إنجيل مرقس أكثر واقعية إذ ركّزه على البواب: لا داعٍ أن يسهر كل الخدم، يكفي أن يكون البواب يقظاً عند قدوم السيد. أمّا من حيث المضمون فيجب على جميع المسيحيين أن يسهروا. لذلك لا يتكلم إنجيل لوقا عن البواب بل أنتم “كونوا مثل رجال ينتظرون رجوع سيدهم” (لو36:12). إنه بذلك يعطي معنىً جديداً وتوجيهاً خاصاً للمثل.

هناك عاملان آخران يؤكدان أن إنجيل لوقا عدّل صور المثل انطلاقاً من الواقع المقصود. العامل الأول هو التطويب المزدوج، وهو أمر فيه مبالغة بالنسبة لعودة السيد لا بالنسبة لمجيء الرب. والعامل الثاني وهو أهم هو صورة السيد الذي يخدم عبيده (لو 37:12).

يدعو الراوي المستمعين للتوقف أمام هذا المشهد، كما تشهد بذلك التفاصيل الدقيقة التي يوردها ” يشد وسطه ويجلسهم للطعام ويدور يخدمهم” (لو 37:12) ويتضح ذلك من المقدمة الاحتفالية “الحق أقول لكم” هل هو مشهد غريب وغير معتاد؟ بالنسبة للسيد هو كذلك، ولكنه ليس بغريب ولا غير معتاد بالنسبة للرب. وسوف يعود الإنجيلي مرة أخرى إلى هذه الحقيقة، بعيداً عن الأمثال، في حديثه عن العشاء الأخير: “أما أنتم فليس الأمر فيكم كذلك، بل ليكن الأكبر فيكم كأنه الأصغر والمترئس كأنه الخادم: فمن الأكبر؟ أمن جلس للطعام أم الذي يخدم؟ أما هو الجالس للطعام؟ ومع ذلك فأنا بينكم كالذي يخدم” (لو 26:22-27).

إنه مشهد، من الجانب اللاهوتي، واقعي أكثر مما يبدو. ليس الأمر مجرد مبالغة، بل هو حقيقة كريستولوجية عميقة أبرزها نبوغُ لوقا وتمكُّنه. إنه مشهد تناقضي، ولذلك فهو حقيقي وصحيح مثل كل أحاديث الإنجيل عن الله. أمضى يسوع عمره خادماً وبذلك كشف هويته وكشف وجه الله. إن طاعة يسوع ليست طاعة خارجية، أي أنه كان يطيع لكي يتمم إرادة الآب أو لكي يكفّر عن خطايا البشر، فأخلى ذاته بالرغم من أنه ابن الله، ولكنه أطاع لأن هذا ما يقتضيه وجوده النابع من كونه ابناً. أطاع لأنه هو أساساً الذي يبذل نفسه.

الخدمة هي التعبير الحقيقي عن هويته وهي التي تميّز كل مراحل وجوده: وجوده وحياته على الأرض، ووجوده كقائم من بين الأموات، ووجوده كحاضر في الجماعة، ووجوده في المجد، ووجوده في مجيئه الثاني. بذلك في هذا المثل تُقلَب الأوضاع اللاهوتية التي تعلنها أمثال أخرى. إنه لمن المعتاد أن تكون حياة المستقبل خدمة للرب. ولكن لوقا يفاجئ الجميع ويعلن أن سعادة المستقبل تقوم في القبول (قبول خدمة الرب لنا) أكثر من العطاء (أن نخدم نحن الرب). إنها حقيقة لا تكف عن إثارة الدهشة. يقوم يسوع في مجيئه الثاني بنفس ما قام به في مجيئه الأول. إنه الرب نفسه وما يميزه هو “أنه يخدم” تتغيّر أشكال حضوره (التواضع أو المجد) ولا يتغير وجهه، وسوف تتكرر دهشة بطرس: “أأنت يارب تغسل قدمي؟” (يو6:13). أنتم تعلمون

 ينتقل لوقا فجأة من مثل السيد الذي يعود ليلاً والخدم الساهرين إلى صورة تبدو مختلفة للغاية: اللص الذي يأتي في ساعة لا يتوقعها رب البيت (لو39:12). يقدّم لوقا هذا المثل معلناً أهميته: “أنتم تعلمون” يعتبر هذان المثلان وجهي عملة واحدة ويوضحان إمكانيتين. الأولى إيجابية: يعود السيد ويجد خدمه ساهرين، والثانية سلبية: رب البيت الذي يفاجئه اللص.. لذلك نقول بالرغم من اختلاف المثلين على مستوى الصور إلا أنهما يتناولان نفس التنبيه والتحذير: عدم التأكد من اللحظة سواء لحظة وصول السيد أو لحظة وصول اللص، وبالتالي السهر الدائم.

الوكيل الأمين

يعتبر المثل الوكيل الأمين أكثر الأمثلة الثلاثة طولاً وتفصيلا. يتكون المثل، مثل العديد من الأمثال من مشهد إيجابي (الوكيل الأمين) وآخر سلبي (الوكيل الذي يتصرف كسيد). ليس من السهل الانحياز لأي منهما، إذ إن هناك توازن شديد وتوازٍ تام بينهما. ويتناول المثل الموضوع الذي عالجه المثلان السابقان: مجيء الرب المفاجئ. ولكن ما يركّز عليه المثل ليس السهر، بل إتمام الواجبات الملقاة على العاتق بأمانة شديدة. بذلك يتم إضافة شيء جديد إلى السهر: الالتزام والجدية في أداء الواجبات والاضطلاع بالمسئوليات الشخصية. يتوجّه هذا المثل إلى الجميع، ولكن الكلمة المستعملة “الوكيل” تستعمل للإشارة إلى ذوي المناصب والمسؤوليات.

لا يتعرّض المثل لا لصلاحيات ذوي المناصب ولا لحقوقهم: إنه يدعوهم لتتميم خدمتهم على أكمل وجه. وقد لا يكون مجرد صدفة أن يختار الإنجيلي من بين الواجبات العديدة واجب توزيع الطعام للخدم الآخرين. إن الاهتمام بالآخرين هو الواجب الرئيسي الذي يعهد به السيد لوكيله. الصورة المضادة للوكيل الحكيم الأمين هو صورة العبد الذي ينتهز فرصة تأخّر عودة السيد ويتصرّف هو مثل سيد مع الآخرين ويعيش في الخلاعة والترف. إن الوصف التفصيلي يوحي بأن خطورة هذا الأمر حقيقة وقائمة. عقوبة هذا العبد ستكون قاسية للغاية: يشطره السيد شطرين ويجزيه جزاء الكافرين.