stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

أخبار الكنيسة

أمثال إنجيل القديس لوقا- السيد والخدم -القاضي الظالم- الأب د.كميل وليم

913views

jpg_07

نتناول مثلين: المثل الأول هو مثل السيد، وكيف يتعامل مع خدمه، ومكانة الخدم في نظر ذواتهم (لو7:17-10). أمّا المثل الثاني فهو مشهور، نظرًا لأنه يلمس واقعًا يوميًا في التعاملات. إنّه مثل القاضي الظالم والأرملة اللحوح (لو1:18-8).

 نحن خدام لا خير فيهم (10:17ب)

 كان يسوع متجهًا نحو أورشليم، ويصاحبه تلاميذه وجموع كثيرة. أهم الموضوعات التي ركّز عليها في تعليمه وأحاديثه، هي شروط التلمذة التي يمكن اختصارها في شرطين: الأول: “من أتى إليّ ولم يفضّلني على أبيه وأمه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل على نفسه أيضًا، لا يستطيع أن يكون لي تلميذًا” (لو26:14). الثاني: “كل واحد منكم لا يتخلى عن جميع أمواله لا يستطيع أن يكون لي تلميذًا” (لو33:14). وبذلك يعلن يسوع بوضوح تام، على من يتبعه أن يضعه على رأس سلم أولويات عواطفه وممتلكاته… وبعد ذلك ينتقل يسوع إلى موضوع آخر يختلف عن الأشياء التي يجب على تلميذه أن يتركها، وعن الالتزامات التي يجب أن يضطلع بها، لأن هذا الأمر اتضح بما فيه الكفاية. إنه ينتقل إلى الحديث عن السمات التي يجب أن تتوفر في خدمة التلميذ. بعد أن أعطى يسوع تعليمه عن أهمية الإيمان وفاعليته، إذ يكفي جزء صغير منه لقلع شجرة “إذا كان لكم إيمان بمقدار حبة خردل، قلتم لهذه التوتة: انقلعي وانغرسي في البحر، فأطاعتكم” (لو5:17)، يروي مثلاً يتناول بوضوح وقوة التزامات صعبة.

 وتبدو صعوبة هذه الالتزامات بوضوح مع القراءة الأولى للمثل. هل يتصرف الله مثل بعض السادة الذين لا يمكن إرضاؤهم، والذين وجدوا في زمن يسوع ومازالوا منتشرين وبكثرة في العالم كله؟ إنهم كثيرو الطلبات، متشددون، لا يتركون لعمالهم لحظة ليلتقطوا أنفاسهم. ليس هذا هو مغزى المثل وهدفه. لا يهدف المثل إلى إعطائنا تعاليم تكشف عن وجه الله وتصرفاته. لا يقوّم يسوع بأي حال من الأحوال طريقة تصرّف السيد: ما يقوّمه في المثل هو الطريقة المعتادة لتصرّف السادة. يوظّف يسوع تصرّفهم هذا في صياغة المثل. تثبت قراءة الإنجيل أن تصرّف الله يختلف تمامًا عن تصرّف هؤلاء السادة. لقد كشف لنا يسوع بحياته وتصرفاته عن ملامح وجه الله: لقد جاء يسوع ليَخدم لا ليُخدَم (لو32:12)، وعاش حياته كلها كمن يَخدم (لو27:22).

 يصف المثل موقف الإنسان تجاه الله: موقف كله استعداد، خالٍ من الحسابات، بلا مطالب ولا ادعاءات بلا عقود أو اتفاقيات. لا يمكن للمرء أن يخدم رسالة الإنجيل بروح “الموظف” أو “الأجير”: بقدر ما يحصل على المكافأة والجزاء يعمل، لا أكثر ولا أقل! يتصور عدد من خدام الله (إن كانوا بالفعل خدامًًا!) علاقتهم به على غرار عقد عمل: عمل مقابل أجر، طاعة وخدمة يقابلها مكافأة وجزاء!! يطلب يسوع من تلاميذه وأتباعه، أن يواجهوا متطلبات الملكوت، بشجاعة فائقة واستعداد تام. عندما يصل التلميذ إلى المساء بعد يوم عمل شاق، لا يقول: “خلاص” أديت ما عليّ والآن أنال ما أستحق، كما أنه لا يجب عليه أن يتفاخر أو أن يقارن ذاته بالآخرين. عليه أن يقول ببساطة: “لقد قمت بواجبي”. يقول ربي يوحنان بن زكّاي: “إذا كنت أتممت التوراة بدقة، فلا تفتخر بذلك، فإنك لأجل ذلك خُلقت!”.

 القاضي الظالم والأرملة اللحوح (لو1:18-8)

 يقدم إنجيل القديس لوقا هذا المثل بالمقدمة التالية “وضرب لهم مثلاً في وجوب المداومة على الصلاة من غير ملل” (لو1:18). لقد استلم الإنجيلي هذا المثل من التقليد، وفهم أنه يدعو للمثابرة على الصلاة بدون ملل. يريد الإنجيلي أن يعلّم التلميذ ويدرّبه على ممارسة الصلاة والمثابرة عليها. إنه أحد هواجس إنجيل القديس لوقا؛ لذلك فهو يرجع إلى الموضوع مرات عديدة “من منكم يكون له صديق فيمضي إليه في منتصف الليل ويقول له: يا أخي أقرضني ثلاثة أرغفة… فيجيب ذلك من الداخل: لا تزعجني… فلا يمكنني أن أقوم فأعطيك. فأقول لكم: وإن لم يقم ويعطه لكونه صديقه، فإنه ينهض للجاجته، ويعطيه ما يحتاج إليه” (لو5:11-8).

 ويرجع إلى الموضوع ذاته في إطار تناوله انتظار عودة الرب: “فاسهروا مواظبين على الصلاة، لكي توجدوا أهلاً للنجاة من جميع هذه الأمور التي ستحدث وللثبات لدى ابن الإنسان” (لو36:21). ويشارك إنجيل القديس لوقا اهتمامه بهذا الأمر كتب أخرى في العهد الجديد. فيوصي القديس بولس الكنائس التي أسسها بالصلاة المستمرة. فيكتب لكنيسة تسالونيكي: “لذلك نصلي من أجلكم دائمًا، عسى أن يجعلكم إلهنا أهلاً لدعوته وأن يتم بقدرته كل رغبة في الصلاح وكل نشاط إيمان” (2تس11:1). وأيضًا: “أما أنتم أيها الإخوة فلا تفتر همتكم في عمل الخير” (2تس 13:3). ويكتب إلى كنيسة فيلبي: “ففي كل صلاة أرفع الدعاء دائمًا بفرح من أجلكم جميعًا” (في4:1). وإلى كنيسة رومية: “وأسأل دائمًا في صلواتي أن يتيسر لي يومًا ما الذهاب إليكم” (رو10:1). وإلى كنيسة غلاطية “فلنعمل الخير ولا نملّ، فنحصد في الأوان إن لم نكلّ” (غل9:6). إنها صلاة حارة ودائمة، صلاة في كل وقت، ولأجل كل احتياج.

 هذا ما يشير إليه الظرف الذي يضم كل هذه المعاني معًا. ونشير إلى أن مقدمة المثل في هذا النص، لا تقتصر فقط على طلب المداومة على الصلاة، إنما تضيف أيضًا أن تكون بلا ملل. يكشف هذا عن حالة الإحباط التي يُصاب بها المصلي، عندما يظن أن الله لا يستجيب لصلاته. تكون المثابرة على الصلاة مثل هذه الحالة، ليست إلحاحًا فقط بل لجاجة في الثقة بالله. إلى هنا اعتبرنا المقدمة التي تكشف لنا عن هدف الإنجيلي من ذكر هذا المثل. ولكن قراءة متأنية للمثل، تكشف لنا أنه في حد ذاته يركز لا على المثابرة في الصلاة، بل على تصرّف القاضي، أي استعداد الله أن ينصف مختاريه.

 بطل المثل ليس الأرملة بل القاضي. النقطة الأساسية في المثل هي اليقين والثقة أن الله يستجيب الصلاة. إذا كان إنسان شرير مثل هذا القاضي الظالم، الذي لا يخاف الله ولا يبالي بالناس، يدع نفسه يُساق في نهاية الأمر إلى إنصاف الأرملة المسكينة، فكم وكم بالأحرى يستجيب الله لتضرعات مختاريه الأبرار؟ إذا تمت قراءة المثل بهذه الطريقة، يتضح أن اختيار قاضٍ ظالم لا يخاف الله ولا يهاب الناس، ليس أمرًا غريبًا. كان الكاتب يحتاج لمثل هذا الشخص لإبراز قوة المقارنة، وإذا قاضٍٍ مثل هذا ينصف، فكم بالأحرى الله؟!! إن طلب الأرملة – وهي امرأة ضعيفة في ذاتها، قوية في إلحاحها – يوحي بأن الأمر لا يتعلق بمجرد صلاة بل طلب شيء أساسي: “أنصفني من خصمي” تتكرر كلمة “إنصاف” في المثل أربع مرات، وبالتالي تعتبر كلمة مفتاح لفهم المثل وشرحه.

 الجو العام لكل هذه الرواية هو العطش إلى العدل. ترمز الأرملة، في الكتاب المقدس، إلى الشخص الأعزل، وصورة كل الفقراء الذين يطالبون بالإنصاف، والضعاف المظلومين. بذلك يزداد أفق المثل اتساعًا. إنه لا يتناول الصلاة فقط وفاعليتها بل أيضًا، عدل الله وإنصافه، وكم يُساء فهم هذا الأمر على مدار التاريخ! يضم إلحاح الأرملة الفقيرة كل ألم الصديقين والأبرار، الذين يظنون أن الله بدلاً من أن يتدخل يظل لا مباليًا! إذا كان الله عادلاً فلماذا ينتشر الظلم في العالم؟ يجيب المثل على هذا السؤال: واصلوا الصلاة بإلحاح وثقة، لأن تدخّل الله أمر مؤكّد. إنه ليس أمرًا مؤكدًا فقط بل سريعًا “أقول لكم: إنه يسرع إلى إنصافهم” (لو8:18).

 يفاجئ الإنجيل القرّاء بأمر جلل: ليست المشكلة أن ينصف الله الجميع، وأن يقيم العدل على الأرض. لأن هذا أمر مؤكد. المشكلة الحقيقية هي: هل يجد الابن، عندما يأتي، إيمانًا على الأرض؟ وكأنه يريد أن يقول: لا تخافوا ولا تيأسوا، إذا بدا لكم أن تدخّل الله قد أبطأ، خافوا على إيمانكم. يستطيع الإنسان، تجاه صمت الله الظاهري، أن يلجأ إلى الصلاة، دون أن يدّعي أنه يحتل مكان الله. الملكوت هو ملكوت الله وليس الإنسان، كذلك الزمن هو ملك الله وليس الإنسان. عندما يأتي ابن الإنسان، هل يجد الناس عاكفين على الصلاة أم مشغولين ومهمومين ببناء الملكوت بطريقتهم الخاصّة؟