stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

أنت ابني الحبيب الذي عنه رضيت-الأب داني قريو السالسي

1.1kviews

5_02

أنت ابني الحبيب الذي عنه رضيت

 

الأب داني قريو السالسي

تحتفل الكنيسة اليوم بعيد معمودية يسوع المسيح، هذا العيد هو خاتمة سلسلة أعياد الميلاد المجيد. ومن الأحد القادم تفتتح السنة الطقسية الزمن العادي حتى بداية الصوم الأربعيني.

إن إنجيل هذا الأحد يصف معمودية يسوع بالماء على يد يوحنا المعمدان. لكن المقطع الذي يسبقه يتكلم المعمدان عن معمودية “الروح القدس والنار”.

الكتاب المقدس عرف معمودية الماء، منذ أول صفحات سفر التكوين والأرض كلها كانت مغمورة بالمياه. وقال الله: “ليكن في وسط المياه جلدٌ يفصلُ بين مياهٍ ومياهٍ” بالتالي فصل الله بين مياه الأرض ومياه السماء. أي في البداية كانت المياه تغطي كل شيء (مرحلة اللاوعي). وأيضاً في نفس السفر نجد معمودية أخرى: الفيضان.

حتى أنَّ يسوع تعمد على يد يوحنا المعمدان بعماد من ماء. هنا ولد يسوع . ليس من قبيل الصدفة، أن طقس العماد وضع في بداية حياة يسوع العلنية .

ولكن معمودية النار ستأتي عند الصليب. “وصرخ يسوع صرخةً شديدة، ولفظ الروح”، أسلم الروح. واذا بحجاب الهيكل انشق إلى شطرين… والذين شاهدوا قالوا: “كان هذا الانسان ابن الله حقاً”.

في إنجيل اليوم، انشقت السماوات، أما هناك كان حجاب الهيكل. هنا صوت الله: هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت”، وهناك قائد المئة والجنود : “كان هذا الانسان ابن الله حقاً”. هنا يسوع مفعم بالحياة، أما هناك فيسوع يشرف على الموت. هنا “روح الله يهبط وكأنه حمامة ينزل عليه” أما هناك فيسوع “يسلم الروح”.

أي أن معمودية الماء هي بداية الحياة هي الولادة الجديدة، بينما معمودية النار هي الايمان، هي التي تصقلنا وتجعل منا مؤمنين حقيقيين.

      عندما تختبر ما تعيش، عندما حياتك توضع على المحك، عندما تجرب في إيمانك، عندما تصارع لتبقى أميناً حتى الرمق الأخير، هذه هي معمودية النار.

إن معمودية الماء لدى آباء الكتاب المقدس كانت دائماً مسيرة من المحن، مسيرة صعبة وقاسية، حيث كان الله ينقي ويطهر محبيه. نوح كان يجب أن يبني السفينة من بين هزء المترفين وتعايير الجميع. ابراهيم كان يجب أن يرحل من أرضه إلى حيث لايدري . موسى كان يجب عليه أن يعبر البحر الأحمر والصحراء. ويسوع يجب أن يغوص في نهر الأردن (يارد “معمودية” وما معناه الغطس او الانغماس) أو بالأحرى يجب أن يغوص بهذه الإنسانية الخاطئة المصطفة والتي تحاول قتله.

كلنا تعمدنا (انغمسنا بالماء) لكن بقي لنا أن نتعمد بالروح (أن ننغمس في النار) ونتنقى، أن نتطهر، ننصقل، أن ما دعينا من أجله. وهذا لن يتمَّ إن لم نعبر بالنار.

إن كلمة نار باللغة العبرية تعني (إأش) حاضرة في كلمة رجل (إيش) وكلمة إمرأة (إيشا). أي لكي نصبح رجالاً أو نساء يجب أن نعبر في النار.

ويسوع يكررها ويقول: ” جئت لألقـي نارا على الأرض، وكم أتمنى أن تكون اشتعلت!” . المعمودية الحقيقة هي أن تمتحن وتجرب، لتخرج ناصعاً مصقولاً كالذهب.

أن نكون مسيحيين يعني أن نشتعل في النار، وأن نكون ناراً تبعث الأمل والرجاء في النفوس العطشى. أن نكون ناراً تشع حيوية ونشاطاً في هذا العالم الذي يريد أن يمتص الروح ويقتل النفس. أن نكون ناراً تنير هذا المجتمع المظلم . أن نكون ناراً تتوهج. كم أتألم عندما أرى البارد والذي  يعتبر أنه مسيحيٌ أصيل، يرى الخطأ ويسكت متحججاً أن هذا لا يعنيه، قائلاً: هذا ليس عملي!. معمودية النار أن نكون مستعدين للتغيير للتضحية. معمودية النار هي التي تدفعنا لئلا نقبل بعض الأمور التي بداخلنا، هي التي تجعلنا نثور على ما يجول في ضمائرنا من زيفٍ وخطيئة. هذه النار التي تعطينا الطاقة للنهوض من جديد ولإعطاء معنى لحياتنا.

يقول الكاتب الروسي دوستيوفسكسي: “إنَّه من دون الألم لا نستطيع أن نفهم السعادة. لأن المثل تعبر من خلال الألم كعبور الذهب من النار، فقط بالجهاد نصل لملكوت السماء”.

إن كلمة معمودية باللغة العبرية “يارد” تغطيس. تحمل في طياته معنيي العماد، الأول معمودية الماء: الدخول في هذه الحياة، أي عدم الانسلاخ من نداءات الحياة المتكررة. والثاني معمودية النار: أي أعطاء شكل، أي إخراج الطاقة، الحيوية، النداء الداخلي. عندما نقول هذا إنسان بارد، أي من دون نفس، أي لايوجد شيء بداخله، يوجد فقط الفراغ الذي يجره يوماً بعد يوم إلى الروتين والتصحر.

يسوع أصطف مع جمهور الخطأة ليعبر عن كامل تضامنه معهم. أخذ على عاتقه كل شيء، تضامن معهم من بداية رسالته. التضامن: هو أن مصابك هو مصابي، أن ألمك هو ألمي، لأننا نحن الإثنين واحد. أي أني لن أدعك أبداً وحدك تخوض هذه المحنة، أنا معك حتى في هذه المصيبة. أنا معك جنباً إلى جنب. كم من الصداقات زالت بسبب كلمة قيلت! بسبب إحدى عبارات عدم التضامن “هذا ليس شأني! هذا قرارك، أنت أخترته، أنت تتحمل مسؤولية قرارك! فليتدبرالأمر بنفسه! هذه ليست مشكلتي! يدبر حالو، يصطفل!… عبارات عدم التضامن تؤلم أكثر بكثير من المصيبة ذاتها. أتضامن معك أي أن أقول لك أني أملك قلباً ينبض أيضاً من أجلك! أي أني لا أستطيع أن أتركك وحدك في ألمك! أي أني لا أستطيع أن أغمض عيني وأصم أذني عن سماع استغاثتك، أي أني لا أستطيع أن أكون لا مباليا حيال همك! وهذا ما فعله يسوع. لم يقل للذين يقفون منتظرين معمودية يوحنا: أنت خاطئ، وانت سارق، وانت عشار وأنت وأنت وأنت بل تضامن معهم ووقف بجانبهم لأنه رفيقهم، وجاء من أجل أن يرافقهم ويهديهم. أذكرفي  إحدى الأيام بينما كنت أدرس في إحدى الجامعات وإذا بأحد الطلاب المقيمين في الجامعة يقترف ذنباً فظيعاً، ثم يأتي ليتناول طعام العشاء معنا وكان يومها المدير حاضراً. وكنا بأجمعنا نراقب الأب الريس وما هي ردة فعله، أو كيف سيعاتبه ويوبخه على فعلته هذه، ولكن لم يحدث أي شيء مما كنا نتصوره. ولكن بعد يومين ذهب أحد الطلاب إلى المدير ليعاتبه قائلاً له: يجب أن يطرد هذا الطالب، إنك أنت المدير! أنت الذي تستطيع أن تفعل هذا! أنت المسؤول الأول والأخير عن هذا المكان! أنت وأنت…. وفي النهاية ختم قائلاً: إنَّ الله خلق لنا العيون لنرى ما يحدث حولنا، ونتصرف حسب ما نرى. وإذا بالمدير يصافحه قائلاً له: لقد أصبت حينما قلت: لقد خلق الله لنا العيون لنرى ما حولنا، ولكن الله خلق أيضاً الجفون.

وقف يسوع بجانب الخطأة، أو بالأحرى وقف يسوع مع التائبين الذين يريدون أن يغيروا من سلوكياتهم. تضامن معهم وكأنه يقول لهم: أنا معكم أنا بجانبكم، سأرافقكم في هذه المسيرة إلى أن نبلغ كمال الحياة. أنا معكم ومستعدٌ أن أغوص من أجلكم في معمودية النار لأحرركم جميعاً من عبء خطاياكم.

لهذا عندما خرج يسوع من الماء “فإذا السموات قد انفتحت فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه” . من المستحيل أن نقوم بفعل تواضع، من المستحيل أن نقوم بعمل الخير  دون أن نبارك من السماء. أنفتحت السموات وهطلت النعمة عليه.

مركز هذا النص ليس تواضع يسوع وإنغماسه في نهر الأردن. إنّما مركز هذا النص هو صوت الآب الذي سُمع من السماء “هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت”. إن هذه الخبرة كانت حاسمة في حياة يسوع. أن أعي أني محبوب! أن أدرك أني مرغوب به! أن أفهم أني مفضل من الآب! خبرة ولا أروع منها. خبرة ستبقى وستستمر وستدعمني إلى النهاية.

هذه الخبرة تكررت مرة أخرى أثناء التجلي، هذا الدعم حدث ثانية، نفس الصوت عينه. هذا الذي قيل ليسوع يكرر ويقال لنا جميعاً. لأننا كلنا أبناء الله، كلنا محبوبون منه، ومفضلون عنده.

كم هو جميل عندما نسمع أنّ شخصاً ما يمدحنا، ويثني علينا، وكأن الدنيا لاتسعنا، فنقفز إلى السماء من شدة فرحنا. هذا إن مدحنا شخصٌ مهم. فكم يكون شعورنا عندما يمدحنا الأب ذاته قائلاً فينا هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت.

كلنا تعمدنا بالماء، وبقي لنا معمودية النار لنسمع الأب يقول فينا، “هذا هوابني الحبيب الذي عنه رضيت”. بقي لنا أن نواجه صعوباتنا، أن نتحدى ما تعرضه الحياة علينا بكل ثقة. بقي علينا أن نستعمل جفوننا لنداوي بعض الجروح! بقي علينا أن نخوض في خضم الحياة وكلنا رجاءٌ بأنّ الله لن يتخلى عنا ولن يتركنا. فنسمع ما سمعه يسوع، ونختبر ما إختبره يسوع، من الله أبيه وأبينا.