stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

الأحد الأول من زمن المجيء: من ينام لا يلتقي بالنور!- الأب داني قريو السالسي

1.6kviews

الأحد الأول من زمن المجيء: من ينام لا يلتقي بالنور!

hh

الأب داني قريو السالسي

 

هذا الأحد سنستهل سنة جديدة. ليس السنة الشمسية التي تبدأ في الأول من كانون الثاني/يناير، إنما السنة الليتورجية، السنة المسيحية، سنة المؤمنين بيسوع المسيح ابن الله.

إن أردنا أن نفهم حياتنا المسيحية، علينا الدخول في زمنه، علينا أن ننظر إليه ونتمثل به،  نتأمل بكلامه ونقتدي به. في هذا الأحد نبدأ زمناً جديداً، مع هذا الأحد ندخل في زمن “المجيء”. هذا الزمن الذي يسبق الميلاد، الزمن الذي يحضرنا لقبول المسيح، الزمن الذي يهيئنا لاستقبال من آتى وسيأتي في زمننا وفي حياتنا. لأن يسوع هو هو أمس واليوم وغداً. فيسوع أتي ويأتي وسوف يأتي. إن حياتنا هي مفعمة من هذا الحضور.

الكنيسة وضعت السنة الليتورجية، لتظهر بشكلٍ أوضح أن يسوع يسير معنا. إن وجود أيَّ أنسانٍ مؤمن بالله، وجود أيَّ طفلٍ، أيَّ ولدٍ، أيَّ رجلٍ، أيِّ عجوز مسيحي مؤمن هو هذا الوعي؛ أن حياته هي مرافَقَة من هذا الحضور. “أنا معكم حتى إنقضاء الدهر”. وزمن المجيء، هو الزمن الذي فيه نحاول أن نفهم لماذا أتى يسوع؟ ولماذا يأتي الآن؟ ولماذا سيأتي في المستقبل؟ وكيف يمكن أن نتعرف به؟

في احدى المرات وأنا أتصفح مجلة ايطالية لفت إنتباهي عنوانٌ غريب حول زمن مجيء عام 2005 عنوانٌ استوقفني مليّاَ ومازال حتى الآن عالقاً في ذهني، وقد كان a Dio interesa la nostra vita وما معناه: أنَّ حياتنا تهمُ الله! يسوع يسير معنا لأن حياتنا تهم الله أبيه. ليس لأنه سيربح منّ خلالنا، او أن له مصلحةً خاصة، أنَّما لأن لديه عطية كبيرة يريد أن يقدمها لنا. لأنَّه إن تركنا وتخلى عنّا، فسنضيع ونهلك في هذا العالم ونحن بلا قائد بلا مرشد وبلا مرافق يسير معنا ويوجهنا. “أنا معكم حتى إنقضاء الدهر” إن مجيء يسوع يوحي لنا هذا، “حتى إن نسيت الأم رضيعها فأنا لن أنساك أبداً”. ولكي لا ينسى الله يتابع ويقول: “هاءنذا على كفي نقشتك” أي أنَّ اسمنا مكتوب على يد الله. عندما لدي أمر هام، غالباً لا أسجله على ورقة ــــــ كي لا أنساها في جيبي أو تضيع على المكتب بين بقية الأوراق ـــــ إنما أسجله على يدي، كي أتذكره ولا أنساه! إنَّ معجزة وجودنا، هي أنَّ اسماءنا مكتوبة على يد الله. كي لا ينسانا ابداً! لأن حياتي هي قيّمة في نظر الله!

كان ليسوع حلمٌ عطيمٌ خلال مسيرة حياته على الأرض وحتى بعد صعوده إلى السماء، ألا وهو أن يقدم لنا ألوهيته، أن نصبح مثله قادرين على أن نعيش مثل الله أن نعيش بتجددٍ دائم، أن نملك قلباً كقلبه، ينبض بالحياة ولا يتوقف أبداً.

إن إنجيل هذا الأحد يضعنا أمام خطرٍ كبير، يحذرنا من مرض بدأ يتفشى في حياتنا، بدأ يتغلغل في عالمنا، ألا وهو أن نسير في الحياة ونحن نائمون، أن ننعس خلال حياتنا. “فكما كان الناس، في الأيام التي تقدمت الطوفان، يأكلون ويشربون ويتزوّجون ويُزوَّجون بناتهم، إلى يوم دخل نوح السفينة، وما كانوا يتوقعون شيئاً، حتى جاء الطوفان وجرفهم أجمعين” وما كانوا يتوقعون شيئاً، وما كانوا يدركون شيئاً، وما كانوا يشعرون بشيء. إنَّ الشخص النائم لا يشعر بشيء.

إن العالم اليوم يسير نحو هذا الخطر، أن لا ندرك أن الله معنا، أن الله  يسير في وسطنا، أن حياتنا تهم الله، ونحن لا نعي بهذا، غير منتبهين لكل هذا. كم من الناس ينامون وهم يشاهدون القنوات التلفزيونية، يغفون أمام الاعلانات التجارية، ينعسون خلال العروض الذي تقدمها الشاشة الصغيرة.

العالم اليوم يخاطر بوجوده من خلال هذا، يحاول حتى أن ينوّم ضميره. كم مرة في العائلة الأب يقول لابنه: ألا تدرك ما عملت؟ (تعرف شو سويت؟)، كم مرة تقول الزوجة  لزوجها: “ألا تشعر بي؟”  (ما بتحس فيني)، كم مرة يقول الأخ لأخيه الصغير: انتبه حين تسير (افتح عيونك لما تمشي)، كم مرة تقول الصديقة لصديقتها: أتعي ما تقولين؟ (ليش ما بتنتبهي على كلامك؟) … وقس على ذلك! خطرٌ كبير نواجهه، ألا نحس بشيء، ألا نعي بما يدور حولنا، أن ننام ونحن نسير في خضم هذه الحياة. أنَّ الله بيننا، أنَّ الله موجود، أنّه سياتي لزيارتنا، للإقامة عندنا، ونحن غافون عن كل هذا. إنَّ الله يتكلم يريد أن يوقظ ضميرنا. كم من مرة كنا منقادين من الحياة الروتينية، نستيقظ في نفس الموعد، نذهب لنفس العمل، نتحدث نفس الحديث، نخاطب نفس الأشخاص، نغوص في عملنا، نسرع لأنهاء أمورنا، نشتري حاجاتنا…. ونصل الى آخر النهار منهكين تعبين، لم ندرك كيف مضى نهارنا! غافين في الروتين؛ روتين قاتل. يمر يومنا سريعاً حتى دون أن نلمح الله ولو لبرهةٍ واحدة. قمنا بأمورٍ عديدة، أنهينا مسؤوليات عديدة، مشاريع كثيرة….، والله؟! لم ندرك حضوره معنا طوال النهار! لم نعِ حضوره معنا ولا للحظة واحدة!

زمن المجيء، هو زمن التحضير، زمن الاستيقاظ، كما تعودنا أن نرنم في هذا الزمن “نحن ساهرون ومصابيحنا مشتعلة ننتظر عودتك أيها الرب يسوع”ـ زمن المجيء هو زمن الوعي زمن الادراك أنَّ يسوع يسير معنا.

والقراءة الأولى تختتم بهذه العبارة: “هلمُّ يا بيت يعقوب، لنسلك في نور الرب” أترك نفسي بقيادة الرب، بالتالي حياتي ليست من الفضلات، لست أضافة على هذه الحياة، لست لاشيء، أنا أنا، شخصٌ محبوبٌ من الله لأنَّه “يعلمنا طرقه” بالتالي سأسير في تعاليمه، سأرى الألوان، سأتذوق الجمال، سأتمتع بالحياة، لن أظلَّ مشتتاً، لن أعيش على هامش الحياة، وأتخبط في موجاتها، أنما سأستمتع في ملء الحياة لأني مدرك أن حياتي هي في الرب، وما يدور حولي هو اشارة لي من الله.

وقبل أن ينهي القديس متى أنجيله يذكر بأن هذه الأمور ستحدث في الليل “تعلمون أنّه لو عرف رب البيت، أيَّ ساعة من الليل يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته ينقب” إن الليل هو في حوذة الشرير. كم من المآسي تحدث في الليل! شبابٌ وشابات تضيع وتنحرف في الليالي، بيوت للدعارة تمتلىء في الليالي، حوادث السيارات تكثرو تحدث في الليالي، سرقات وصفقات ملتوية تتم في الليالي، سكر، عربدة، خطف، انتحار… كلها تتم في الليل، في الظلمة.

إنَّ الانسان دون الله هو في الليل، هو في الظلام. لهذا جاء الله ليكون الانسان في النور، ليرى ما يجري حوله، ليدرك ذاته، ليعرف ما هو المهم وما هو الأساسي في حياته. المهم والاساسي في حياة الانسان ليس الاشياء التي يمتلكها، أو يقتنيها. إنما الأساسي هو “اللقاء”، الوعي بمن هو حولي، بمن هو قريب مني. الاساسي والجوهري هو أنّ حياتي دون لقاء الله لا معنى لها، فارغة

زمن المجيء يذكرني بالسهر، باليقظة (عدم النوم) لكي أعي اللقاء بذاتي، بالآخر، وبالله. زمن المجيء ينبهنا الى  أن نعيش في النور لنميز الجوهري والأساسي في حياتنا، أن أنتبه لحاجاتي الأساسية، لحاجات أبي، أمي، أخي، أختي، جاري، صديقي… زمن المجيء هو زمن اللقاء، زمن اللقاء مع الأخر، زمن اللقاء مع الأول والأخير يسوع المسيح.

وكل مجيء ونحن في حضرة الله الذي نقش أسمنا على كفه.