stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

الأحد التاسع من الزمن العادي، من الذي يصمد في عالم اليوم؟ -الأب داني قريو السالسي

521views

25_03

 

الأحد التاسع من الزمن العادي، من الذي يصمد في عالم اليوم؟

 

الأب داني قريو السالسي

Mt 7, 21-27

إنّه الأسبوع السادس على التوالي الذي تقدم فيه الليتورجية مقطوعات صغيرة من العظة على الجبل. والتي نستطيع أن نلخصها بأنها استمارة التسجيل لأن نكون تلاميذ يسوع، أو طلب الانتساب لأن نكون أعضاء في ملكوت السموات. ملكوت السموات ليس الفردوس (جنة عدن)، بقدر ماهو العالم الجديد الذي قدّمه يسوع من خلال عظته المطولة على الجبل، التي ابتدأت مع التطويبات وتنتهي مع انجيل هذا الأحد. التي من خلالها يريد أن ينبهنا الى التطابق بين ما نقوله وما نعيشه! يريد أن يحذرنا أن حساب الآخرة ليس بالأمر السهل!          

إنّ الانجيل يبدأ بهذه الآية “ليس من يقول لي: يارب، يارب، يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشئية أبي”. كلمة حازمة! وأيضاً مرّة، وخاصة عند سماعها في آخر المطاف (يوم الدينونة الأخيرة). لازال حتى اليوم البعض يقولون: يارب، يارب، ولكن أعمالهم بعيدةٌ جداً عن هذا الأسم. يعيشون ازدواجية خانقة، حياة رهيبة، في التفكير وفي السلوك وفي التعامل… يعيشون مرتدين اقنعة بوعيٍ وبدون وعي. فنجدهم يكنّون إحتراماً شديداً للسلطات الدينية. عندما يرون كاهناً يركضون لإلقاء التحية عليه التبرك منه، نجدهم يثورون عندما يرون أحداً يفكر على خلاف رأي بعض الكاريزماتيكيين الكنسيين، ولكن إن تسألهم: متى شاركوا في الذبيحة الإلهية آخر مرة؟ أو متى تقربوا من سر الإعتراف؟ تجدهم يقولون منذ العيد الماضي، ومنهم من يجيب من … سنة. هؤلاء الأشخاص عندما يرون صورة قديس ما، يبدأون بتقبيل هذه الصورة ووضعها فوق رؤوسهم. أو عندما يرون كنيسة أو يسمعون قرع الأجراس بحركة عفوية يُشمون إشارة الصليب على وجوههم. مع أنّ نظراتهم للآخر ملطخة بالأحكام المسبقة، ولا تخلوا من نظرات دنيئة وبذيئة.

أذكر مرة  ذهبت لزيارة إحدى العائلات في شرقنا الحبيب، وأدهشني ما بدا عليهم من إلتزام ديني، والصور المعلقة على جدران بيتهم الصغير، والقنوات الدينية التي لاتغادر شاشتهم الصغيرة. ولأنهم قدموا لي الكثير من المشاريب أحتجت أن أدخل الحمام، ولاحظت أنّ صنبور الماء في الحمام لا يقفل بشكل صحيح وتتسرب منه المياه بشدة فأخبرت السيدة فأجابتني قائلة: إنّه على هذا الحال من أكثر من ثلاثة شهور، فقلت أظنُّ أنّه بحاجة فقط إلى جلدة (قطعة من المطاط التي لا يتجاوز ثمنها الخمس ليرات) فأجابني زوجها قائلاً: ما الفائدة من إصلاحه ونحن سنترك بيت الإيجار هذا مع بدء العام الدراسي؟ فلقد أشترينا بيتاً في منطقة قريبة! لماذا ندفع نقوداً في إصلاحه إذا كنّا سنغادر البيت بعد شهرين، وأنّ صاحب البيت قد رفع الإيجار مؤخراً؟! أقول لكم صعقت عندما سمعت هذه العبارة. وقلت في نفسي إنّ كل هذا الذي رأيته هو زيف ورئاء، هو مصطنع، إنّهم يعيشون في إزدواجية قاتلة، كم حزنت على أولادهم الذين سينشأون في هذا الجو المشبع من الإزدواجية والسطحية الدينية. وقلت والأسى يقض مضجعي: ياعزيزي إنّ إصلاح الصنبور ومنع المياه من التسرب لهو عمل ديني بكل الأبعاد، أمعقول أن تحمِّل صاحب البيت عبء صرف مياه زائدة لمدة خمسة شهور ولا تتكلف أنت بتغيير الجلدة التي لا يضاهي ثمنها خمس ليرات؟ “ليس من يقول لي: يارب، يارب، يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشئية أبي” إنّ عدم إصلاح صنبور الماء ينتهي بنا إلى مكان نسمع فيه السيد المسيح يقول: “ماعرفتكم قط. إليكم عني أيها الأثمة!”.

ولكن بين هاتين الآياتين اللتين ذكرناهما هناك آية ليس من السهل تفسيرها “فسوف يقول لي كثيرٌ من الناس في ذلك اليوم: يارب يارب، أما باسمك طردنا الشياطين؟ وباسمك اتينا المعجزات الكثيرة؟ إنّ يسوع يوجه كلمته ليس للغرباء أو البعيدين عن الكنيسة، إنّما مَن هم في داخل الجماعة الكنسية. يوجه كلامه إلى مجلس الرعية! إلى المنشطين في الكنيسة! إلى  مجموعة الكورال! إلى أعضاء أخوية الـ… إلى مربي التعليم المسيحي! ويمكن أيضاً إلى رجال الدين والمكرسين!! قائلاً لهم: “ماعرفتكم قط. إليكم عني أيها الأثمة!”. كثيراً من المرات نخلط في معنى هذا الفعل ونظن أن المقصود به هو المعرفة العقلية.  أول مرة يرد هذا الفعل في الكتاب المقدس في تك 4:1 حينما يقول “وعرف الانسان حواء امرآته فحملت وولدت قايين”. هنا لايوجد أي شيء نظري. “ماعرفتكم قط!” أو ما عرفتموني قط. لم تعملوا خبرة معي، لم تختبروني، لم تعاشرونني. صحيح أنكم تنبأتم وطردتم وتكلمتم و… ولكن كيف فعلتم هذا؟ ولماذا فعلتم هذا؟ إنّ الأنبياء الكذبة أيضاً يتكلمون عن الله، لكن كلماتهم لا تتجذر فيهم، لا تمس حياتهم بشيء. “من يسمع كلامي ويعمل به” تعني أنّ كلام الانجيل يبدلني، يقلب حياتي رأساً على عقب، ينير أفكاري ويغير من سلوكي.

الانجيل، أو كلمات يسوع ليست كتاباً، أو عقيدة يجب الايمان بها! الانجيل هو نداء للتغيير، هو دعوة للدخول في منطق جديد مختلف عما كنت اسلكه. يمكن أن انتسب الى بعض الحركات الدينية لكن حياتي بعيدة كل البعد عما تقتضيه هذه الحركات! يمكن أن أذهب كل أحد الى القداس، لكن حياتي بعيدة كل البعد عن منطق الذبيحة الالهية…

لكن مَن يلتقي بالانجيل (الذي هو شخص يسوع المسيح) لايستطيع أن يبقى كما كان، يجب أن يتغير، أن يتبدل، أن يشع. لأن كلمة يسوع هي نار، هي حياة، هي طاقة، هي بركان نشاط وحماس، هي شعلة رجاء وتفاؤل.

“ماعرفتكم قط. إليكم عني أيها الأثمة!” هذه الآية ليست عقاباً، أو لعنة، أو كما نقول نحن عندما نثور ونغضب: ” لم تتبعني، لقد رفضتني؛ فإذاً سأريك!” الله لا يتصرف هكذا أبداً. كلا! إنّ هذه الآية هي نتيجة لذلك. من لايسمح لكلام يسوع أن ينفذ إلى قلبه، مَن لا يسمح ليسوع أن يشكله، فهو قد عرف يسوع معرفة نظرية واكتفى بهذا! مَن لم يختبر يسوع، مَن لم يدع يسوع ينزل إلى صميمه ليعمل به من الداخل، ستبقى معرفته به، معرفة مَن أخذ دروساً عن السباحة والغوص ولكن لم ينزل أبداً في الماء، مثلما من سمع عن قيادة السيارات ودرس جميع الاشارات ولكن لم يجرب قط أن يصعد السيارة ويقودها بها. المعرفة في الكتاب المقدس ليست تطرية، هي معرفة حياتية، خبرة، علاقة… إن لم انغمس في قلب المسيح، إن لم تصبح أفكاره أفكاري، سيأتي اليوم غير المنتظر واسمع كلامه يقول: “ماعرفتك قط!!” من أجمل الرسالة التي خطها بولس هي رسالة فليبي وقبل أن يبتدئ بالنشيد الكريستولوجي يوصي قائلاً: “فليكن فيما بينكم الشعور الذي هو للمسيح” وهنا كلمة شعور هي بمعنى الفكر، الفكر الذي يشمل كل ابعاد الحياة، افكار، ارادة، مشاعر، سلوكيات… إن لم أدخل في فكر المسيح، في منطق التطويبات، لا استطيع أن أقول: “لست انا الذي أحيا بل هو الذي يحيا فيّ”. فلنترك منطق عظة الجبل ينفذ ويتغلغل فينا فنكون على مثال “الرجل العاقل الذي بنى بيته على الصخر”. بنى بيته على منطق المسيح وانجيله.

إنّ الكوارث والصعوبات التي تضرب البيتين هي نفسها. لا يقول الرب أنّ من يبني بيته على الصخر لن يلحقه الأذى ولن تطرق بابه الازمات. كلّنا سنواجه “أمطاراً وسيولاً ورياحاً تعصف بنا” مَن الذي لم يواجه ازمة شخصية في حياته؟ كان كل شيءٍ على ما يرام ثم فجأة حصل غير المتوقع! من لم يعبر بأزمة زوجية؟ التقاني أحد أصدقائي يوماً قائلاٌ لي: إنَّ الحب الذي كان يغمر قلبي تجاه زوجتي قد انطفئ كنت اعشقها من كل قلبي، كنّا كالسمن على العسل لكن الآن…! مَن لم يدخل في أزمة دينية أو أزمة إيمان؟ يوماً ما كان الله الكل في الكل في حياته لكن بعد الـ… تزعزع حضور الله في حياته، ولم يعد يشعر بحضوره! مَن لم يتكبد مصائب مرّة: فقدان الوظيفة! صفقة خاسرة! طعنة من صديق أو قريب! فقدان حبيب (أب، أم، أخ، رفيق الدرب)…

كثير من الناس يظنون أنهم إن أسسوا حياتهم على الصخر، لن تلمسها الصعوبات!! لكن هذا التفكير ليس واقعياً. حتى لو وفّروا كل الاحتياطات لن يستطيعوا تجنب العاصفة (إن قلت أن العواصف لم تمسني! أنت تؤكد أنك لم تعش). إنّ الأحداث الصعبة، القاسية، المؤلمة والمرّة… هي فرص لننمو كأشخاص حقيقيين. (انظروا الفرق بين الاشجار التي تقلّم والاشجار التي تنمو دون تقليم وتشذيب. في ايطاليا تقام المعارض للتفنن بطرق تقليم الأشجار لجمالها ورونق بهائها) كأشخاص قد سبرتهم الحياة وخرجوا ناصعين كالذهب. إنّ الأزمات هي فرص لأن نضع حياتنا في أيدي خالقنا. فنكون كالبيت المبني على الصخر”نزل المطر وسالت الأوية وعصفت الرياح، وثارت على ذلك البيت فلم يسقط” ولن يسقط لأن أساسه على الصخر، لأن منطقه هو التطويبات، لأن الـ DNA الذي يجري في عروقه هو فكر وشعور المسيح. إنّ المسيح لم يقل إن البيت المبني على الصخر لن تخبطه الصعاب لكن بشّر أنه مهما كانت قوتها فلن تؤثر عليه، بل ستضفي عليه لمعاناً واشعاعاً.

هنيئاً لنا إن كنا كهؤلاء الأشخاص، هنيئاً لمن حولنا، لأنه سيفوح منا شذى المسيح الذي لا يفنى ولايزول.

Mt 7, 21-27