stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

الأحد الثالث من زمن المجيء: ليس مثلك، لقد وافى أوان الربيع!-الأب داني قريو السالسي

982views

33_02

الأحد الثالث من زمن المجيء: ليس مثلك، لقد وافى أوان الربيع!

الأب داني قريو السالسي

Mt 11, 2-11

إن إنجبل هذا الأحد يتابع تقديم صورة السابق. يقدم لنا الشك العظيم  الذي يساور يوحنا المعمدان. المعمدان الذي كان رجلاً حازماً، شجاعاً، وطيد الثقة بنفسه. إلى أن حان الوقتُ الذي يقفُ ويسأل، محاولاً الاجابة عما يخالجه، وعما يقلقه.

كانت لديه أفكار واضحةً عن المسيح الآتي، وعن كيفية مجيئه. ولكنه مرَّ بتجربةٍ خاصة، مرَّ في أزمةٍ روحية عميقة: إن هذا الذي سيأتي ليس كما توقعته! ليس الصورة التي رسمتها في عقلي، وكنت أحلم بها!

بعدما ألقى هيرودس القبض على المعمدان داخله القلق وتلاشت آماله. ولكن بالرغم من أنَّه مُبعدٌ، ومُنفى، وفي السجن كان تلاميذه ينقلون إليه أخباراً عن هذا الذي سيأتي، عن يسوع الناصري، عن بعض ما علّم وما عمل.

بالرغم من أنّ تلاميذ المعمدان لم يتبعوا خط يسوع في تطبيقه للتقليد الموسوي، كانوا يشعرون بنفحة جديدة آتيةٍ من هذا الناصري، كانوا يدركون هذا التجديد الذي جاء به يسوع. لقد انتهى عصر التدين والطقوس الخارجية، لقد انتهى عصر الأوامر والنواهي، لقد انتهى عصر الخوف من العقاب وانتظار الثواب! وحل زمن الربيع، لقد حان موعد اللقاء الجديد وإقامة العلاقات الفريدة من نوعها مع الله. لقد بدء الوقت لفتح صفحة جديدة، صفحة الحب الأزلي، صفحة الحب غير المشروط نحو الآب. ويسوع نفسه قال “ما من أحدٍ يجعل الخمرة الجديدة في زقاق عتيقة”.

يوحنا المعمدان كان يحلمُ برؤية المملكة الجديدة التي ستُستأصل فيها كل شجرة خبيثة، كل شجرة يابسة، كل شجرة غير مثمرة “هاهي الفأس على أصول الشجر…”، ويبقى فيها الصالحون فقط ، ولكن مع الأسف (حسب عقليته) لم يتم أيُّ شيءٍ من هذا القبيل مع قدوم يسوع المسيح!

كان المعمدان ينتظر ويُعلن مسيحاً على النمط الروماني (يفعل ما كان يفعله الاحتلال المتغطرس. كان ابن عصره) كان يبشر بمسيح صارم، حازم، يضع حداً لكل متهاونٍ، يضع حداً لكل ما هو مخالف للشرائع والقوانين، يكافئ الأبرار، ويدين الفساد. كان يظنُّ أنَّ المسيح سيأتي وينسف كل مخادع، كل منحرف… سيأتي ومعه الفأس (ويكسر رأس كل متشامخ) يقطع، يزيل، ينظف… كان يظن أن المسيح الآتي هو رامبو العصر!

إن يسوع أعلن برنامجه على الملأ، عاملاً بمشيئة الله أبيه. فهو الذي قال “لم آتِ لأدعو الأبرار بل الخطأة”! جاء قريباً وطبيباً للبرص! حل ضيفاً عند العشارين والخطائين! لمس الأنجاس والممسوسين! شفى الوثنيين وعطف على الغرباء. إنَّ يسوع لم يكن متطابقاً وتصورات المعمدان. لذا دخل المعمدان في أزمةٍ لأنه لم يعد يستطيع أن يقرر “فأرسل تلاميذه يسأله بلسانهم: أأنت الآتي، أم ننتظر آخر؟”

نرى يسوع كعادته لا يعطي أجوبةً مباشرةً، لا يعطي شعارات مسبقة الصنع، إنما يحث الآخر على أن يقرأ علامات الزمن، يحث على الاستنتاج وعلى أخذ القرار الشخصي. “أذهبوا فأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون: 1.العميان يبصرون 2.والعرج يمشون مشياً سوياً 3.البرص يبرأون 4.والصم يسمعون 5.الموتى يقومون 6.والفقراء يُبشرون”. إن يسوع يستشهد بستة أعمال (معجزات) كدلالة على أيام الخلق الستة. ولا نجد ولا واحداً منها فيه إدانة أو تدمير. هي كلُّها أعمال خلاص وشفاء للإنسان. هي روعة الحياة وروعة الله معاً، هي إعادة الخلق الجديد.

وكأن يسوع يقول ليوحنا المعمدان بلسان تلاميذه : إن هذا هو الذي يحدث، ما رأيك؟ ماذا تستطيع أن تفهم؟ ماذا تستطيع أن تستنتج؟ لم يقل يسوع: “نعم، أنا هو الآتي” أو “كلا، لست أنا”. انَّ المسيح يعرض ما يقول وما يفعل، ويترك باب القرار مفتوحاً أمام الآخر!. يستشهد ببعض أقوال النبي اشعيا ليحمل الآخر على اكتشاف الأمر الأهم، وقراءة مابين السطور. ليحمل الآخر للوصول إلى نتيجة معينة، ومن بعدها أخذ القرار بإقتناع. فنحن من خلال كلمات وأفعال وتصرفات شخص ما نستطيع أن نعرف ونفهم مَن هو.

تلاميذ يوحنا يعودون ويقولون له: “يامعلم إنَّ المرضى يذهبون إليه فيشفون! والمضطربون عقلياً ونفسياً والذين هم في أزمات مادية أو معنوية بنظرة منه تعود الاشراقة على وجوههم! يقترب منه الفاسقون والزواني وحثالة المجتمع ويقبلهم جميعاً! يحبهم فتتغير حياتهم! انه ليس مثلك! فهو يرحب بالجميع! وكل من يُسلِّم ذاته له تجري فيه الحياة، يتغير ويصبح إنساناً آخر، إنساناً جديداً. فهو يغذي الناس من نسمة الحياة (الخلق الجديد) يزودهم بالنور والطاقة والحيوية. ما رأيك؟ إنه ليس كما كنت تنتظر! ومع ذلك فالمعجزات تحدث عن يده، والأرواح تطيعه! فماذا تقول؟! إن لم يكن الله معه هل من الممكن القيام بكل هذا الخير؟ هل هو ممكن إعادة خلق الإنسان جديدا كما يفعل هو؟! إن تلاميذه يقولون: يا يوحنا، إنها مسألة بسيطة، مستحيل أن لا يكون هو، لأن كل من يلتقي به تشع حياته نوراً وعطاءً! هؤلاء التلاميذ يقدمون لمعلمهم وصفاً دقيقاً لروعة الأعمال التي يرونها.

إن يسوع يعلمنا كيف يجب أن نعيش عجائب الخلق الجديد، عجبائب حضوره بيننا (العمانوئيل) قائلاً: أحبائي، ينبغي أن نتأمل الحياة لا أن نشتريها! ينبغي أن نتمعن فيها لا أن نستهلكها! ينبغي أن نكتشف عطية الرب لنا كل يوم ونتذوقها لا أن نترك الروتين يجرفنا ويبتلع يومنا.

وكأنَّه يقول: كفاكم عجلةً من أمركم، تركضون وتسرعون الخطا، تتسابقون في عدوكم للبحث عن الجميل والمدهش، تنهمكون وتمضون نهاركم لملء فراغكم العاطفي، تلجأون لكل الطرق في سبيل ارواء عطش نفوسهم للحنان والدفء. أقول لكم انظروا، تأملوا، تمعنوا في روائع مجيء الرب بينكم. إن اكتشفتموها ستشق السعادة طريقها إلى قلوبكم، سيغمركم الفرح والرجاء وتشع السعادة منكم أينما حللتم.

يا للأسف! لقد دخلنا في منطق العقلية الاستهلاكية، فغالباً عندما يرى الشباب الطيور المهاجرة، تراودهم فكرة اصطيادها معاً! عندما ترى البنات الورود الفواحة يرغبن قطفها والاحتفاظ بها! عندما يرى المراهق موبايل ذا التقنيات الحديثة، يسرع لشرائه، عندما ترى المرأة فستاناً ساحراً في إحدى الفترينات تودُّ لو تقتنيه!…عقلية الأخذ والتملك!! نحن ننظر لنأخذ!! نشاهد لكن لانرى! إننا مصابون بالعمى ونظن أننا نرى بوضوح. ننطر ولكن لانرى شيئاً!!

أن أرى يعني أن أتذوق، أن أتمتع! لماذا نرى الكثير من الناس تعساء؟ لماذا نرى الكثير من الناس مضطربين ومتوترين؟ لماذا نرى الكثيرين غير راضين عن أنفسهم؟ لماذا نرى الكثيرين متذمرين من الصباح حتى المساء؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا…؟ مع الأسف الكل يريدون أن يسيطروا، أن يأخذوا، أن يمتلكوا، أن يستحوذوا… من النادر أن نرى العفيف، الذي يسير في الحياة متأملاً روائع الرب دون ان ينهش شيئاً. من النادر أن نرى الناس يتذوقون جمال أنفسهم، جمال الحياة، جمال الظروف، جمال حضور الرب في أحلامهم وآمالهم… إن لم يستطع الله ارضاء نفوسنا بما صنعه في ستة أيام الخلق، وبما يصنعه يسوع في كل مرة يقترب منا ونقترب إليه (الخلق الجديد) لن يرضينا شيءٌ أبداً، أو يسكِّن ظمأنا.

وينهي يسوع إنجيله بمدحٍ وراء مدحٍ ليوحنا المعمدان قائلاً: “ماذا خرجتم إلى البرية تنظرون؟ أقصبة تهزها الريح؟ بل ماذا خرجتم ترون؟ أرجلاً يلبس الأرجوان الناعم…. أنبياً؟ أقول لكم: نعم بل أفضل من نبي”

يوحنا فهم بعد أن تأمل في ما كان يجري على أيدي يسوع. عرف أن يشفر علامات الزمن، أدرك أن يسوع هو المسيح المنتظر، لهذا أثنى عليه يسوع قائلاً للجمع: “لم يظهر في أولاد النساء أكبر من يوحنا المعمدان” يوحنا وصل الى هذه الخاتمة (أن يسوع هو المسيح المنتظر). وهو في عمق أزمته، وهو في السجن، وهو يترقب دنو قطع رأسه. كان يتأمل في ما يجري، لهذا استطاع أن يتحدى الصعاب، وأن يواجه الموت.

إن الله خلق الكون منذ آلاف السنين “ورأى أن ذلك حسنٌ” ومازال يخلق في يسوع خلقاً جديداً. جاء يسوع ليفتح لنا باباً مزهراً، جاء ليعلن لنا أياماً باهرةً، جاء ليشركنا روعة حياته، فننعم بأيامٍ مدهشةٍ كما كان يحدث لمن كان يلتقي به. فلنتأهب ونتمعن بحضوره. فلنستعد لنراه قادماً إلينا محملاً بما نحتاج إليه.

 

وكل مجيء وقلوبنا مستعدةٌ للتأمل في آياته.