stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

الأحد الثامن من الزمن العادي، من هو القبطان؟-الأب داني قريو السالسي

968views

image002_400

 

الأحد الثامن من الزمن العادي، من هو القبطان؟

 

الأب داني قريو السالسي

إنّ الكنيسة في هذا الأحد الثامن من الزمن العادي حسب الطقس اللاتيني تقدم لنا هذه المقطوعة التي تتابع العظة على الجبل. والتي تتميز بأربع جمل قصيرة، “لا يستطيع أحد أن يخدم سيّدين. إما أن يبغض أحدهما  ويحب الآخر. وإما أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر. لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال” وما تبقى من النص الانجيلي هو توسع وشرح لهذه الجمل الاربع وملخص للتطويبة الأولى في العظة على الجبل “طوبى لفقراء الروح، فإن لهم ملكوت السماوات” .

“لا يستطيع أحد أن يخدم سيّدين” استعاد يسوع هذا المبدأ الذي لا يقبل جدالاً. لأنّه إن اعتبرنا أن امرئاً هو في خدمة سيدين في نفس الوقت فسيجد نفسه أمام أوامر متعارضة يجب أن يختار بينها. إن الأبناء ذوي الوالدين المنفصلين يترعرعون وفي داخلهم صراعات داخلية (لن أدخل في البعد العاطفي، النفسي، الإجتماعي) لأنّ الأهل انفصلوا بسبب تعارض أفكارهم وعدم اتفاق آرائهم. وهذا ما يجنيه الأبناء فكل منهم يزرع في ابنه قناعاته الخاصة، وللأسف ينمو الأولاد دون القدرة على إختيار الخيار المناسب. نجدهم دائماً مترددين في آرائهم، مزاجيين في طباعهم، سريعي التأثر بأي شيء، يبحثون عن اللذة الآنية، كلامهم هو عبارة عن جمل مرصوصة عوضاً عن أن تكون قناعات راسخة. نحن نتكلم عن نوعين من نفس الفصيلة، أب وأم. كم بالأحرى لو تحدثنا عن نوعين مختلفين تماماً (ولا يوجد أي وجه من التشابه بينهما) الله والمال!

إن الانجيلي متى يضع قبل هذين الاسمين فعلا خاصاً، فعل العبادة “لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال”. فالخدمة أو التعبد تدل على تعلق الشخص بسيده، على احترامه، تقديره، إعجابه به، الاعتماد عليه، تسليمه حياته! إنَّ أولى الوصايا العشر هي”أنا الرب إلهك لا يكن لك إله غيري” أي لا تعتمد على إلهٍ آخر (المال، العلم، الوظيفة، الشهرة، الأصدقاء…) كل هذا زائل ولن يدوم طويلاً.

إن الاسم المستعمل لكلمة مال هو منحدر من الأصل الأرامي “مامون” الذي يعني: الكنز المدفون، الغنى، الثروة، الرصيد… أي ما يضمن الحياة. أو ما يمكننا الاتكال عليه ووضع ثقتنا به. ومع مرور الوقت صار اسم علم. صار كأنه إله، لهذا يعبده الناس كما نعبد الله الواحد. اليوم “مامون” أصبح متطوراً وبدأ يواكب العصر مامون اليوم هو الموبايل (تصور أنك نسيت الموبايل! كارثة) هو الانترنت (أذكر تماماً وضع “كآبة” الشباب والنت مقطوع في مصر إثر مظاهرات 25 يناير) هو سمعتي، أهوائي، غرائزي، أصدقائي الذين أخرج معهم كل يوم…. مامون أصبح له أسماءً متعددة. يمكننا أن نضع كل ما نحن متعلقون به أيجابياً كان أم سلبياً.

أما المعنى الثاني المنحدر من الاسم العبري “مون” الذي تآتي منه كلمة أمين، إيمان. وفعل الايمان هو عمل أكثر منه مفهوم مجرد. لأن الايمان حسب التقليد العبري هو ما يقوم به الراعي البدوي عند انتهاء النهار وبدء الشمس بالمغيب، فهو يخلع الازميل الخشبي (الذي يثبت الخيمة في الأرض) ويبدأ بتحسس التربة الى أن يجد الأرض الأمتن لغرس الازميل من جديد لتجنب هبوب الرياح العاصفة التي بإمكانها أن تقتلع الخيمة من جذورها. هذه اللفتة من الراعي عند الغروب تدعى الإيمان. “لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال”. ياترى هل أعيد حساباتي كل يوم وأبحث إن كنت قد وضعت حياتي في أرضٍ صلبة، متينة لا تتزعزع، أم أضعها حيث أضعها. وكل يومٍ أستيقظ وأرى أن خيمتي قد طارت مع الهواء، وأرى أن بيتي قد حملته الرياح من دون جدوى. فأتشبث بأي شيءٍ من جديد (أموالي، قوتي، شهرتي، معلوماتي، مصالحي، صديقي، صديقتي….). ياترى أين هي ثقتي؟ وعلى مَن أتكلت؟ بيد من وضعت حياتي؟

إنّ بعض الناس يدركون أن الخير الأسمى هو الله وأنّه مصدر كل شيء، ولكن في الوقت نفسه نجدهم يخدمون سيدين.”أقول لكم لا يهمكم للعيش ما تأكلون وللجسد ما تلبسون. أليست الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟” لا يضعون كل إعتمادهم عليه . ليس لديهم إيمان كافٍ في العناية الإلهية. ليس لديهم إيمان كافٍ بأن الله يهتم بهم فرداً فرداً. لهذا نجدهم يلجأون الى السيد الثاني “المال، الشهرة، الوظيفة، الأصدقاء…” فيسوع يدعونا بشكل ضمني الى الابتعاد عن الاضطراب والهم والقلق في أمور الدنيا، لأنه رويداً رويداً سيتحول هذا الاهتمام إلى نوع من أنواع العبودية. “مرتا مرتا، إنك في همٍّ وارتباكٍ بأمورٍ كثيرة” هذا الهم، الغم، الاضطراب، القلق… سيسيطر علينا ويشل تفكيرنا، فسنصبح آلات إن لم نقل عبيداً لهذا الـ “المامون” الذي إتكلنا عليه وسلمناه حياتنا. إن حادثة مرتا ومريم تعطي صورة واضحة عن هذا الاهتمام الأول بكلام الله، أما مرتا فكانت قلقة متوترة هل ستنهي الطبخة في معادها؟ هل سيتذوق من كافة أصناف الحلوى التي صنعتها؟ هل البيت هو في غاية الترتيب؟ هل وهل وهل؟ كانت مهتمة بأمور كثيرة، وغير ضروريّة. ويقول يسوع أن “مريم اختارت النصيب الأفضل” يعني أن مرتا اختارت نصيباً جيداً لكن مريم اختارت الأفضل . لكن لو تمعنا في الأصل اليوناني لوجدنا أن الانجيلي يقول أختارت النصيب “الجيد” بما معناه أن مرتا أختارت النصيب غير الجيد أو السيء!! فالوصية بعدم القلق والاضطراب لا تعني أنه لا يجب أن نعمل من أجل الغد، بل ألا نترك الاضطراب والخوف يسيطران علينا، بحيث ننسى محبّة الله وعنايته بنا. هذا ما يطلبه الإيمان، وهذا ما يفهمه العقل السليم.

كان يكرر أستاذي في الكتاب المقدس أنَّ قداستنا هي il trasloco dall’io al Dio الانتقال من الاتكال على الأنا (إلهنا (المامون) الذي خلقناه لأنفسنا) إلى الاتكال على الله. هذه المقطوعة الانجيلية لا تحرضنا على عدم العمل أو أن نعفي نفوسنا من العمل اليوميّ. ولكنها تحثنا على أن نقوم بأعمالنا بطمأنينة وسلام من دون أي اضطراب مبالغ فيه. لسنا أمام نداء للكسل والاستهتار واللامبالاة إنّما نحن أمام دعوة إلى الثقة بالله والإيمان بحضوره في حياتنا اليومية.

يحكى أنّه في إحدى الأيام أبحرت السفينة ضخمة في عرض المحيط وبعد حوالي عشرين يوماً من ابحارها بدأت السماء تتلبد بالغيوم وانهمرت الامطار وكأنها سيولٌ من السماء، واشتدت قوة الرياح وبدأت تعصف بهذه السفينة وهاج البحر وبدأت الأمواج تلطم السفينة من كل صوبٍ حتى بدأت صفارات الانذار تعلن عن طلب المساعدة من الركاب لأن البحارة لم يعودوا يستطيعون التغلب على الأمر! فكان جميع الركاب قلباً واحداً، منهم من يساعد في تثبيت رفع الأشرعة، ومنهم من يرمي في البحر الأمتعة الثانوية غيرالضروية، وآخر يحاول إخراج الماء من أسفل السفينة وآخر يحاول تنظيف مجاري المياه كي يسهل عملية تدفق المياه للخارج، وآخر أخذ يفرغ الماء الفائض في السفينة وآخر يجهز قوارب النجاة وكل واحد في عمل معين. وكان الجميع خائفين ومضطربين. ولكن كان هناك أيضاً صبي صغير يلعب على ظهر السفينة ويتمايل كلما مالت السفينة وكأنها أرجوحة ، وكان سعيداً بهذه اللعبة رغم صيحات وصراخ الكثيرين. ومن بين الركاب كان هناك رجلٌ قلق ومضطرب مما يحدث، فناداه قائلاً: ألا تأبه لما يحدث؟ إنَّ السفينة ستغرق! إننا في عرض المحيط، ولا سبيل للنجاة وأنت تلعب! ألا تخاف؟ فأجابه الصبي بكل عفوية: لماذا أخاف وأبي هو القبطان. وتابع  لعبه.

إنّ إيمان وثقة هذا الصبي بوالده، تجعله ينعم بسلام داخلي عظيم! ألا نؤمن أن الله هو قبطان سفينة الحياة؟ إن سلمناه قيادة سفينتنا، هل ياترى سيدعها تغرق؟

إنّ إيماننا بالعناية الالهية دليل على أنَّه لدينا إله واحدٌ وأحد، نعتمد عليه، ونوكله بحياتنا، فيه ثقتنا وعليه رجاؤنا.

 

(متى 6،24-34)