stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

الكنيسة الكاثوليكية بمصركنيسة الروم الكاثوليك

العبسيّ في رسالة الميلاد : الميلاد هو ذلك اللّقاح الّذي كانت البشريّة في حاجة إليه وتترقّبه

45views

نقلا عن موقع نورسات

لبنان

22 ديسمبر – كانون الأول 2020, 11:12

كتب : فتحي ميلاد – المكتب الأعلامي الكاثوليكي بمصر .

تيلي لوميار/ نورسات

أمل بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسيّ أن يتخلّص العالم من جائحة كورونا والأزمات “الّتي تضرب الإنسان في الصّميم”، وذلك في رسالة الميلاد الّتي جاء فيها بحسب “الوكالة الوطنيّة للإعلاميّة”:
“ليس ميلاد السّيّد المسيح مولدًا يشبه مواليد البشر. إنّه ميلاد شخص له صفة جوهريّة إلهيّة تلازمه، له اسم يعرف به، له رسالة خاصّة إلهيّة تسمه. إنّه ميلاد “مخلّص”، من دون أل التّعريف. ميلاد مخلّص هو المسيح الرّبّ .

وردت كلمة “مخلّص” قبل “المسيح الرّبّ”. تمييز دقيق في التّعبير، في التّعريف بالمولود الجديد، وكأنّ الكاتب يريد أن يلفت انتباهنا إلى أنّ المولود هو أوّلاً مخلّص، فليس المسيح الرّبّ هو المخلّص بل المخلّص هو المسيح الرّبّ. فالنّاس في ذلك الوقت كانوا في الواقع ينتظرون مخلّصًا وقد قيل لهم إنّ هذا المخلّص سيكون المسيح. فحين نتكلّم عن ولادة الرّبّ يسوع المسيح يجب أن نذكر وأن نتذكّر أنّه المخلّص. هكذا يقدّم لنا ذاته: “سمه يسوع”، الّتي ترجمتها مخلّص، فالإسم والشّخص هنا هما واحد. وهكذا يريد أن نتقبّله، ولادة مخلّص، بحيث إنّنا إذا ما ذكرنا ميلاد السّيّد المسيح من دون أن نذكر أنّه مخلّص نشوّه الميلاد، نسقط من الميلاد غايته ومفعوله. قد يكون أجمل ما في الميلاد هو أن نعيش انتظار المخلّص، عيشًا فيه فرح ورجاء وسلام، عيشًا فيه آفاق جديدة واكتشافات جديدة تشجّع على الاستمرار والمضي في الحياة.

الهدف من ولادة المخلّص المسيح الرّبّ واضح كلّ الوضوح لا لبس فيه. لم يولد المسيح الرّبّ ليكون قريبًا منّا، معنا، وحسب. قد ولد المخلّص ليخلّصنا من خطايانا بالتّحديد وليس من عبوديّة مستعبد أو من فقر محتاج أو من ظلم مستبدّ أو… فالخلاص من الخطيئة يجلب الخلاص من كلّ شيء آخر لأنّ الإنسان هو محور الخلاص وغايته. أجل نحن خطأة وفي حاجة إلى خلاص. غالبًا ما تغيب عنّا هذه الحقيقة. غالبًا ما نعيش وكأنّنا بلا خطيئة. في حين أنّ الكنيسة تذكّرنا بها كلّ يوم داعية إيّانا إلى التّوبة قبل أن نتقدّم للمناولة وعلينا أن نتقدّم من المولود الجديد برهبة الرّعاة ووقار المجوس. قد تنسينا الزّينة الخارجيّة هذه الحقيقة وهي أنّ الميلاد هو ميلاد مخلّص لأناس خطأة، ضعفاء، هشّين، خائفين.

عالم اليوم تجتاحه جائحة الكورونا وهو في حاجة إلى الخلاص منها، يترقّب الخلاص منها. وهذا الخلاص المنتظر هو اللّقاح الّذي تبارت مختبرات ودول للحصول عليه أوّلاً. بالمقارنة، ولو بعيدة كلّ البعد وعلى مستوى أعلى ومن نوع أسمى، نرى الميلاد هو ذلك اللّقاح الّذي كانت البشريّة في حاجة إليه وتترقّبه للخلاص من الخطيئة. الله تعالى يقدّم لنا هذا اللّقاح، يطعّم البشريّة بألوهته بواسطة ابنه وكلمته المتجسّد والمولود من العذراء ويخلّصها بهذا اللّقاح من الخطيئة.

ميلاد الرّبّ يسوع جعل الله “الله معنا”. لم يكن ميلاده حدثًا عابرًا. كان ميلاده بقاء معنا. نصب خيمته فيما بيننا. سكن عندنا. خصّص يسوع كلّ وقته لنا، “تفرغ لنا” بل “أفرغ ذاته آخذًا صورة عبد صائرًا شبيهًا بالبشر فوجد كإنسان في الهيئة”. هكذا حوّل يسوع بميلاده الوقت من تسلسل زمنيّ إلى فسحة تلاق فيها نلاقي بعضنا بعضًا، نتوقّف بعضنا عند بعض. فسحة ليس فيها أناس على الطّريق وأناس على حافّة الطّريق، أناس في البيت وأناس في العراء، أناس يتنعمون وأناس يتوجّعون. ننهي هذا العام والنّاس ازدادت فقرًا وتعبًا وقرفًا وخوفًا، والآفاق ما عادت تلوح واعدة والحياة ما عادت تبدو حلوة. بغفلة منّا انقلب العالم من حال إلى حال أمام حيرتنا. كثيرون ما عاد عندهم مقوّمات العيش حتّى الزّهيد. فهل نخصّص نحن شيئًا من وقتنا لنلاقي القريب ونهتمّ به؟ قد تشغل مشاريعنا الخاصّة كلّ وقتنا. هل القريب من بين هذه المشاغل؟

يتقارب النّاس بعضهم من بعض في هذه الأوقات أكثر من أيّ وقت مضى بفضل وسائل التّواصل الاجتماعيّ الكثيرة المتنوّعة، إنّما في أعظم الأحيان تقاربًا افتراضيًّا مغايرًا للتّقرّب الّذي يحمل نفحة إنسانيّة أعني دفئًا وحياة. وكثيرًا ما يؤول هذا التّقارب إلى غزو بعضنا حياة البعض الآخر بحيث لا ندع بعضنا لبعض حرمة ولا خصوصيّة ولا حرّيّة، وكثيرًا ما يؤول أيضًا إلى إساءات وشتائم وفضائح وما إلى ذلك. ليس كلّ اقتراب تقرّبًا. لم يقترب السّيّد المسيح منّا بميلاده بل تقرّب، أيّ أتى إلينا وقبلنا محترمًا حرّيّتنا وكرامتنا وخصوصيّتنا البشريّة، مقدّرًا هويّتنا البشريّة ومعطيًا بذلك نموذجًا للتّقرّب هو أن نأتي بعضنا إلى بعض كما أتى اليوم إلينا متواضعًا وديعًا مسالمًا وأن نقبل بعضنا بعضًا على تنوّعنا. كثيرون اقتربوا من السّيّد المسيح في حياته على الأرض. كان اقترابهم اقترابًا بالمسافة، دنوًا، ومعظمهم قد تركوه. هكذا كان يفعل الفرّيسيّون إذ يدنون منه وفي معظم الأحيان للنّيل منه. قلّة قليلة تقرّبت منه. تقرّبت منه يعني قبلته وقبلت رسالته وتعليمه: على هذا النّحو يجعل منّا تقرّبنا بعضنا من بعض إخوة تسود فيما بيننا المساواة والاحترام المتبادل والتّعاون وما إلى ذلك.

من الواجب والعدل أن نذكر هنا بالشّكر والمديح أنّ كنيستنا تعيش هذه الأخوّة وقد أظهرتها بنوع خاصّ على أثر انفجار مرفأ بيروت الكارثيّ إذ توافدت المساعدات لأبرشيّة بيروت من أبرشيّاتنا ومن أبنائنا من أكثر من بلد ووصلت إلى مستحقّيها وصرفت في مواضعها. يسرّنا أن نرى في ذلك تجسيدًا لهويّة كنيستنا الملكيّة، كنيسة جامعة ليس لها حدود من أيّ نوع كانت، تبنّي الجسور وتهدم الأسوار، تمتدح الانفتاح وتنبذ العصبيّة والتّقوقع، تجمع وتوحّد، على غرار السّيّد المسيح الّذي “جعل من الشّعبين واحدًا إذ نقض الحائط الحاجز بينهما… ليكون في نفسه من الاثنين إنسانًا واحدًا جديدًا بإحلال السّلام بينهما”هذه المبادرة، بحجمها المحدود لكن بدلالتها الكبيرة، من شأنها أن تؤجّج فينا الرّجاء الّذي أتى مع ميلاد الرّبّ يسوع. يا ما جرّبنا اليأس ويا ما صلّينا أن لا نقع في التّجربة ويا ما وقعنا في التّجربة.

هذا الرّجاء المرادف عندنا للخلاص هو الّذي يحثّنا على أن نقيم العيد في هذه السّنة أيضًا بالرّغم من كلّ ما نراه ونسمعه من حولنا ممّا يدعو إلى خلاف ذلك. لا بل في مثل هذه الأحوال يبدو العيد ضروريًّا أكثر من غير وقت مضى وقد أنشئ في الأصل من أجل أن يذكّرنا بالخلاص ويشجّعنا على المثابرة في الرّجاء. ما دام المخلّص يسوع المسيح ولد فالشّرّ لن ينتصر من بعد على الخير ولا الحرب على السّلام ولا الحزن على الفرح ولا الحقد على الحبّ ولا الأنانيّة على العطاء.

بهذه البشرى الحاملة الخلاص الآتية من السّماء، أتوجّه إلى جميع أبنائنا في العالم كلّه مصافحًا ومعايدًا وحاملاً أجمل الأماني وداعيًا إلى الصّلاة وإلى العمل حيثما كنّا من أجل عالم أفضل يرى ويلمس كلّ إنسان أنّ له فيه مكانًا واحترامًا وكرامة وحرّيّة، أنّ له بيتًا يولد فيه وغطاء يدفيه وعملاً يقتات منه. وإلى السّيّدة العذراء مريم الّتي أعطت للعالم الرّبّ يسوع وكانت رفيقة دربه في عمل الخلاص نوجّه أبصارنا في هذا العيد المبارك بنوع خاصّ ونطلب إليها أن ترافقنا وتحفظنا وتقودنا إلى الرّبّ يسوع مخلّصنا”.