stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

الكهنوت بين الكينونة والمظهر(1)-الأب ميشيل ليبورديه

427views

images2_03الكهنوت بين الكينونة والمظهر(1)-الأب ميشيل ليبورديه

تتمحور رياضتنا الروحية حول هذا الموضوع، الذي يساعدنا على الفهم الصحيح لمعنى كهنوتنا، وسنحاول من خلال هذا العنوان الرئيسي أن نتطرق لعدة موضوعات في الكهنوت، في كل مرة نلتقي فيها انطلاقاً من تساؤلنا الأساسي مَن هو الكاهن؟

1- الكاهن تلميذ يسوع المسيح وهو نبع حياته ورسالته

هذا ما يوضّحه ويركّز عليه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في مرسوم في حياة الكهنة ورسالتهم  . وهنا يمكنا أن نفهم بداية الكهنوت وذلك عن طريق تساؤلنا ماذا فعل السيد المسيح حتى يقيم كهنة؟ لم يصنع يسوع كهنة، لكنه دعا الرسل، اختارهم من بين الناس، بسطاء عاديين، غير متميّزين في شيء عن الآخرين، وأرسلهم إلى العالم وأصبح من ضمن رسالتهم الكهنوت. فكلمة الكهنوت ليست كلمة تدل على دورنا في الكنيسة، ففي القديم كان الكاهن يقوم بوظيفته في المعابد ليكشف عن المستقبل، وفي اليهوديّة كان دور الكاهن تقديم الذبائح أما في المسيحيّة ومع السيّد المسيح يمكنا أن نرى معنى الكهنوت الحقيقي، فهو الكاهن الوحيد الذي قدّم نفسه كذبيحة.

الكاهن رسول، مُرسل لبناء الكنيسة “كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” (يو 22:20). هذا الإرسال تم بناء على اختيار خاصّ من السيّد المسيح لمن يشاء، ولأجل رسالة خاصّة: “وصعد إلى الجبل ودعا الذين أرادهم فحضروا إليه فأقام منهم إثني عشر سمّاهم رسلاً يرافقونه فيرسلهم مبشّرين…” (مر13:3-19). الكاهن معاون الأسقف انطلاقاً من سرّ الكهنوت الواحد الذي يجمعهما ويربطهما لنفس الهدف. وهناك كلمات عديدة تشير من بعيد أو من قريب لكلمة كاهن ترد في مرسوم في حياة الكهنة ورسالتهم وهي: رسول، خادم، صاحب سلطة، درجة، مرافق، معاون الأسقف، مكرّس، شريك كلّ عضو في الجسد، سفير، مندوب، نائب، وكيل، حبيب، قربان. 

الكاهن هو الذي يحقق حضور المسيح في وسط الناس، هذا ما يركّز عليه سفر الأعمال عند اختيار خلفاً ليهوذا الإسخريوطي: “ونحن فينا رجال رافقونا طوال المدة التي قضاها الرب يسوع بيننا، منذ أن عمّده يوحنا إلى يوم ارتفع عنّا، فيجب أن نختار واحداً منهم ليكون شاهداً معنا على قيامة يسوع” (أع21:1-22). الكاهن سفير المصالحة “وهذا كله من الله الذي صالحنا بالمسيح وعهد إلينا خدمة المصالحة، أي إن الله صالح العالم مع نفسه في المسيح وما حاسبهم على زلاتهم، وعُهد إلينا أن نعلن هذه المصالحة. فنحن سفراء المسيح، وكأن الله نفسه يعظ بألسنتنا. فنناشدكم باسم المسيح أن تتصالحوا مع الله، لأن الذي ما عرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا لنصير به أبراراً عند الله” (2كور 18:5-21). فالكاهن ليس مقاولاً أو رجل أعمال للسيد المسيح، إنما هو مختار ليرافقه، ومرسل ليحقق حضوره وسط العالم.

لماذا اليوم نجد أساقفة وكهنة وشمامسة؟

لأن السيّد المسيح نفسه أراد أن يسلّم نفسه للبشر بواسطة أناس مثلهم. نحن لسنا أفضل من بطرس الرسول الذي أبقى يسوع ثقته فيه حتى بعد أن أنكره على نفس المنوال كان يسوع يعلم أن عروسته (كنيسته) التي بين أيدينا في خطر إلا أنه في نفس الوقت لم يسحب ثقته. لا يخاف السيد المسيح من هذا الجنون، جنون الحب، لقد صالح البشر لنفسه إذ وضع على شفاهنا كلام المصالحة، وقدّس البشر، إذ وضع على شفتينا كلام التقديس الذي نتلوه على الخبز والخمر في ذبيحة الإفخارستيا؛ فهو على علم أننا نحمل هذه الكنوز في أواني خزفية “وما نحن إلا آنية من خزف تحمل هذا الكنز، ليظهر أن تلك القدرة الفائقة هي من الله لا منّا” (2كور 7:4). 

كان السيد المسيح يعلم ما سيحدث منّا تجاهه، خيانتنا له، إلا أنه ظل أميناً إلى النهاية ولم يفقد ثقته فينا ويتّضح لنا ذلك في موقف الرب من داود الملك “وإذا انتهت أيامك رقدت مع آبائك، أقمت خلفاً لك من نسلك الذي يخرج من صُلبك وثبّت ملكه، فهو يبني بيتاً لاسمي وأنا أثبّت عرش ملكه إلى الأبد، أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً، وإذا فعل الشر أؤدبه بعصاً كالتي يستخدمها الناس وبها يضربون. وأمّا رحمتي فلا أنزعها عنه كما نزعتها عن شاول الذي أزلته من أمام وجهك، بل يكون بيتك وملكك ثابتين على الدوام أمام وجهي، وعرشك يكون راسخاً إلى الأبد” (2صمو12:7-16). دليل ثقة السيد المسيح فينا هو أنه سعى إلى تقديسنا ودعانا إلى هذه القداسة، فهذه هي رغبة قلبه “من أجلهم أقدّس نفسي حتى يتقدّسوا هم أيضاً في الحق” (يو19:17). 

هذه مسألة حب، هل تحبني؟ وكلما تزيد المسئولية تزيد الحاجة إلى الحبّ. فالكاهن ليس موظف الطقوس والأسرار، إنما قبل كلّ شيء هو المُرسل إلى العالم بتقديس ذاته بالحبّ. وعليه أن يحمل حبّ المسيح هذا لكل إنسان في العالم: “لو تكلّمت بلغات الناس والملائكة، ولا محبة عندي، فما أنا إلا نحاس يطن أو صنج يرن. ولو وهبني الله النبوة وكنت عارفاً كل سر وكل علم، ولي الإيمان الكامل أنقل به الجبال، ولا محبة عندي فما أنا بشيء…” (1كور 13). فالكاهن إذا قصّر أو توانى في الاحتفال بالأسرار يكون الأمر مقلقاً، ومدعي للتساؤل. حيث أن الأسرار وخاصّة القدّاس الإلهيّ هو محور الحياة. ولكن إذا لم يعد قلب الكاهن مضطرماً بحب المسيح ونشره في العالم، فهذا أمر أخطر. 

فاحتفاله بالقداس (مهما كان صوته وألحانه الشجية…) يصبح وظيفة طقسيّة وليست جوهر وقمة رسالته. فكيف نغذّي هذا الحبّ، وكيف نكون أشخاصاً يحملون هذه الحياة المملوءة بحبّ المسيح للعالم؟ نتذكّر موقف ورسالة يوحنّا المعمدان “لا يأخذ احد شيئاً إلا إذا أعطته إياه السماء. أنتم أنفسكم تشهدون بأني قلت: ما أنا المسيح، بل رسول قدامه. من له العروس، فهو العريس. وأما صديق العريس، فيقف بجانبه يصغي فرحاً لهتاف العريس. ومثل هذا الفرح فرحي، وهو الآن كامل. له أن يزيد، ولي أنا أن أنقص” (يو27:3-30). ففرحي يكون كاملاًَ عندما تكون حياتي كلّها للعريس الذي أنا صديقه، والذي يفعل كلّ شيء من أجلي ومن خلالي. 

الكنيسة بحاجة إلى إعادة تأسيسها باستمرار، ولكن ليس هناك أساس آخر سوى يسوع المسيح الذي هو حجر الزاوية وعليه وحده فقط نبني بحجارة حيّة كنيسة الغد. ولذا يريد السيّد المسيح رفقاء كرّسوا حياتهم لنمو جسده الذي هو الكنيسة وسط البشر والشعوب وهو معنا حتى انقضاء الدهر. فنحن أسرار حية ودائمة لحضوره. فيجب أن تكون لدينا شفافية فهذا مهم لإعلان حضور المسيح وعمله الخلاصيّ للعالم. وهنا يمكنا القول إن الكهنوت موقف، فلابد للشخص أن يختاره عن وعي وبحريّة، وفي نفس الوقت الكهنوت هو اندماج بالمسيح والناس. وهل ما ذكرناه حالاً قاصر فقط على الكهنة أم دعوة لكلّ مسيحيّ معمّد؟ كلّ المسيحيين مدعوّين نوعاً ما إلى تجسيد المسيح وسط العالم، أي إعلانه لكلّ الناس، كلّ حسب ظروف حياته. ففي الكنيسة لا يوجد أي احتكار أو ملكيّة للمواهب، فلا يمكن لأحد أن يقول: أنا عندي شيء لا يوجد إطلاقاً عندك، حيث يوجد تنوّع في المواهب. فكلّ مسيحي مدعو إلى اتّباع المسيح بمعموديّته وتثبيته، وبحبّه للمسيح من كلّ قلبه ونفسه وقوّته. 

لكن هذه الدعوة العامّة تتركّز وبطريقة خاصّة ومميّزة عند البعض المدعوّين دعوة خاصّة إلى أن يجسّدوا حضور المسيح في شخصهم وعملهم، حيث يقومون بأعمال السيّد المسيح للجيل الحاضر: أعمال مصالحة، شفاء، تجميع الشعب في الوحدة، وهذا الحضور ليس للمسيحيين فقط (مع إنه يأخذ شكل “أسراريّ” مع المسيحيين). فالكاهن هو حضور المسيح في كلّ مكان، على مثال الزوج المرتبط بأسرته في كلّ لحظة من لحظات حياته وخاصّة في الأوقات التي فيها يكون بعيداً عن زوجته وأولاده. على ضوء ذلك يمكننا مراجعة حياتنا الكهنوتيّة عن طريق وقفة مع ذواتنا في جوّ من الصلاة والتأمل على ضوء النصوص الكتابيّة التالية والرد على هذه التساؤلات: – أين جوهر كهنوتي؟ وكيف أعبّر عنه شخصيّاً؟ – كيف أوجّه حياتي وكلّ ما أقوم به من خدمة ورسالة لمجد الله ونمو الناس في الحياة الإلهيّة؟

نصوص كتابيّة للصلاة والتأمّل:

مر 13:3-19  يو 21:20-22  أع21:1-22 2كور 18:5-21 يو27:3-30  يو 19:17. —————————

*رياضة روحية لآباء الإكليريكية بمناسبة ختام العام الأكاديمي 2004-2005. بدير راهبات الراعي الصالح بشبرا. ألقى موضوعات الرياضة الأب ميشيل ليبورديه ونظراً لأهميتها للحياة الكهنوتية سنقوم بنشرها على التوالي لكي يستفيد منها الجميع، وتكون بمثابة مراجعة حياة لكل منّا في خدمته الرعوية والكهنوتية.