stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

روحية ورعوية

النوم موت وحياة / للأب هاني باخوم

578views

sleepالنوم موت وحياة / للأب هاني باخوم

كلمة “النوم” في الكتاب المقدس تحمل العديد من المعاني والصور. فالنوم والذي هو فعل بشري طبيعي وضروري لكل انسان، أُستخدم في الكتاب المقدس ليشير الى أشياء عديدة وفي بعض الاوقات متناقضة. كيف؟

من ناحية النوم يشير للضعف والاستسلام والعجز: يقول المزمور “سُلب أقوياء القلوب، وناموا نومهم وكل رجال البأس خانتهم سواعدهم” (مز 76: 6). المزمور يتحدث عن هزيمة الأعداء وعدم قدرتهم في الصراع واستسلامهم فيقول ان قوتهم قد سُلبت، فناموا؛ أي أصبحوا غير قادرين، عاجزين. ايضا التلاميذ في بستان الزيتون، وبينما يسوع يصلي لابيه، ناموا من الحزن (لو 22: 45)؛ فهم يرون المعلم يتحدث عن موت وخيانة ويشعرون وكأن شيئا يفوقهم اتِ ولا قدرة لهم عليه، يأخذهم الحزن فينامون نوم العجز والاستسلام.

يُشير ايضا لعدم الاهتمام بالآخر وعدم الاكتراث به، فيقول سفر ناحوم: “لقد نَعسَ رُعاتكَ، يا ملك أشور، ورقد عظماؤكَ فتشتّت شعبك على الجبال” (3: 18). نام الرعاة ولم يعودوا مهتمين بالشعب ؛ ناموا، اي توقفوا عن خدمة الشعب ولذا قد تشتت. ايضا يونان النبي عندما هرب من وجه الرب ولم يرغب ان يحمل رسالة الخلاص لنينوى ينزل لعمق السفينة كي يهرب فينام. لا، بالأحرى “يستغرق في النوم” (يونان 1: 6).

ينام الأقوياء، ينام الرعاة، ينام التلاميذ، ينام يونان وغيرهم كثيرين، لكن الرب حارس إسرائيل لا يغفو ولا ينام (مز 121: 3- 4). الرب لا ينام فهو كالرقيب، الذي يحمي بينما ينام الآخرون؛ يسهر كي يستطيع الإنسان أن ينام، وفي النوم يتدخل ويعمل. فعندما خلق الله أدم قال: “لا يَحسُنُ أن يكون الإنسان وحده، فلأصنعنَّ له عوناً يُناسبه….فأوقع الرب سُباتاً عميقاً على الإنسان فنام…..وخلق منه حواء” (تك 2: 18- 20). الإنسان لا يستطيع أن يخلق لنفسه العون المناسب، الإنسان لا يستطيع أن يشبع وحدته بنفسه. فيُنزل الرب على الإنسان سُباتا فينام كي يستطيع ان يعمل. فالنوم، الذي هو علامة على عدم قدرة الانسان على فعل أي شيء، من ناحية، يصبح فرصة لله كي يعمل هو كل شيء من اجل الإنسان، من الناحية الاخرى. من نوم أدم وعدم قدرته يُخرج الله حياة جديدة. من نوم ادم ووحدته التامة والانعزال الكامل  يخلق الله امكانية الشركة العميقة لأدم مع مثيل له.

ايضا يوسف البار ينام بعد ان قرر ان يُطلق العذراء مريم لشكه فيها. وهناك في نومه يظهر له ملاك الرب ويشجعه ان لا يخاف بأن يأخذ مريم لبيته لأن المولود منها هو ابن العلي (مت 1: 18- 21). نوم يوسف يصبح إمكانية لله كي يتدخل ويشرح له معنى الأحداث؛ معنى أحداث حياته، لماذا مريم في هذه الحالة وما يجب عليه ان يفعل. فقط عندما نام يوسف تم ذلك.

النوم يصبح مكانا مناسبا كي يستطيع الله ان يعمل؛ ان يخلق؛ ان يفسر الأحداث للأشخاص. نعم في النوم عندما يكون الإنسان عاجزا عن عمل اي شيء.

كثيرة هي الاحداث التي تشكك الانسان اليوم، وكثيرة هي الاحداث الشخصية التي تجعل الانسان وكأنه نائم وعاجز عن فعل أي شيء: أمام المرض، أمام عنف الآخر، أمام عيوبنا الشخصية، او ضعفنا…..

لكن اذا كان النوم في الكتاب المقدس هو ضعف للانسان وقدرة لله، فان نومنا الذي ندخل فيه لسبب أو لأخر أصبح مكانا مناسبا لتدخل الله كي يخلق شيئا جديدا: في هذا المرض، في هذا الصليب، في هذا الضعف….هناك حيث يعجزالانسان فان الله قادر.

فاذا كان الرب يعمل في النوم، الصورة المصغرة للموت، فيخلق حياة (حواء) ويعطي معنى للحياة (يوسف البار)،  فماذا سيكون الموت والذي هو النوم التام؟ الا يصبح مكانا لعمل الله التام والابدي. هناك الرب قادر ان يخلق منه  قيامة: اي حياة ابدية ومعنى لكل حياتنا السابقة. نعم يصبح الموت والذي هو نهاية الحياة البشرية مكانا نتلقى فيه حياة جديدة مصطحبة بمعنى لكل ما يحدث وما حدث. هكذا نستطيع ان نفهم لماذا يقول بولس الرسول: “الموت هو ربح لي” (فل 1: 21).