stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

تلاقي النظرات – الأحد 31 بحسب الطقس اللاتيني-الأب داني قريو السالسي

875views

16_03

تلاقي النظرات… وانبعاث فرح جديد!

الأب داني قريو السالسي

إنَّ إنجيل اليوم يبين لنا طريقة جديدة، أسلوباً مميزاً لمعالجة الخطيئة, طريقة فريدة بإمكانها أن تليّن الصخر. ألا وهي نظرة الثقة، نظرة المحبة، نظرة المودة.

 إنَّ إنجيل هذا الأحد يقدم لنا نموذجاً رائعاً لعدم الإستسلام، منطقاً جديداً لتجاوز اليأس والكآبة، يقدم لنا مثالاً يحتذى به، يقدم لنا نموذج زكا، ليساعدنا على أن نفهم حياتنا، على أن نفهم مامعنى ان نكون تلاميذ حقيقيين للرب يسوع.

إن القديس لوقا يصف لنا ماجرى في أريحا بينما كان يسوع متجهاً إلى اورشليم. وفي تلك المدينة يلتقي برئيسٍ للعشارين. وكلنا نعلم كيف كانت سمعة العشارين (جباة الضرائب) آنذاك.

إن زكا هو من طبقة الأعيان. لأنه معروف من قبل الضباط الرومان، رئيس للعشارين أي له شأنه، غنيٌ له من الأموال ما يكفيه ويزيد. ونستطيع أن نقول أنه شخص قد وصل.

إن كوني ككاهن وكمدرس، جعلني ألتقي  بأناس كثيرين منهم مَن أصبح مديراً لشركة ضخمة ومنهم مَن أصبح تاجراً مشهوراً، ومنهم مَن وصل إلى مركز مرموق في المجتمع ومنهم مَن صار مسؤولاً مهماً… ورغم كل هذا كلٌ منهم يسأل ذاته: بعد أن حققت كل هذا النجاح، ما معنى حياتي؟ وزكا واحد منهم، هذا الشخص الذي يتساءل! كوّن لكن بالغش، هو عشار، أي محصل ضرائب للرومان (في ذلك الزمان كان العشار يجمع الضرائب حسبما يشاء، لأن الرومان لم يكن لديهم الوقت للتدقيق والمراجعة، فكان يجمع ويستغل ويتلاعب بالفواتير كيفما يشاء، والمحتل كان همه أن يصل الى جيبه مبلغ كبير دون الاكتراث بالطريقة التي وصل بها). من هنا نستطيع أن ندرك كم كانت شخصية العشارين محبوبة!! بالتأكيد كانت مكروهةً جداً من قبل الجميع. لأنها كانت متعاونةً مع العدو بالإضافة إلى أنَّها شخصية مختلسه من النوع العلني. ولكن بنفس الوقت كانت لها مهابتها. لأن العشار كان يستطيع وضع أي شخص في السجن بتهة عدم دفع الضرائب أوما شابه ذلك. وزكا كان واحداً من هؤلاء الشخصيات. ليس فقط عشارا وإنما رئيساً لهم.
“فإذا رجلٌ يدعى زكّا وهو رئيس العشارين غني”

ويتابع الانجيل في وصف زكا قائلاً:

“قد جاءَ يحاول أن يرى من هو يسوع، فلم يستطع لكثرة الزحام، لأنه كان قصير القامة، فتقدم مسرعاً وصعد جميزة ليراه” ملفت للنظر دقة وصف المشهد، قصير القامة. لو تخيلنا المشهد، كيف أن زكا كان يحاول أن يرى يسوع والجمع لا يدعه، تعبيراً عن كرههم له، أو كنوع من الثأر، تريد أن ترى؟ لن ندعك! أقله عِش مرة الظلم الذي ظلمتنا إياه كل هذه المدة.

كم كانت قوية عزيمته، كم كانت شديدة رغبته في رؤية يسوع. تحدى الصعاب، تحدى كلام الناس، تحدى المجتمع وصعد فوق الشجرة. صعد وبدأ يراقب، بدأ يسبر الوضع من الأعلى. وبينما هو فوق الجميزة يصل يسوع.

من أعلى الجميزة زكا ينظر يراقب يتحرى عن يسوع. وفي هذه الأثناء تحدث المفاجآة
“فلما وصل يسوع إلى ذلك المكان رفع طرفه” يسوع رفع نظره، وزكا ينظر، فتتلاقى النظرات. لقد تعود زكا على نظرات الناس، نظرات الخوف، نظرات الإدانة، نظرات السخط والغضب. أما هنا فنوع جديد من النظرات لم يختبر قط. يراه يسوع ليخطفه، ينظر إليه ليهبه نعمته، يحدق به ليمنحه حياةً جديدة، يتأمله ليهديه الخلاص. يسوع ترك الكل، ترك الجمع وتطلع إلى زكا، نظر إليه وناداه بالاسم قائلاً:
“يا زكّا انزل على عجل، فيجب عليَّ أن أقيم اليوم في بيتك” يالها من مفاجأة، شيءٌ تقشعر له الابدان!  وكأننا مجتمعون بانتظار أن يعبر موكب الرئيس وعندما يعبر يتوقف الموكب وينظر إليك الرئيس قائلاً “شو رأيك تعزمني على فنجان قهوة!” شيء لا يصدّق! وهنا يسوع لا يقول سأحتسي معك فنجان القهوة وأرحل، إنما يقول سأقيم، سأبقى، سأمكث معك. زكا لا يعرف ماذا يفعل من شدة فرحه. إن الفعل اليوناني المستعمل هنا

 “فنزل على عجل وأضافه مسروراً” هو الفعل المستعمل حينما تنضج الثمرة وتسقط من على الشجرة. وكأنه يقول سقط من الشجرة ليستضيفه، وكأنه يقول لم يعرف ماذا فعل فقد طار من الفرح مسرعاً لإستقباله. مندهشا من هذا الكلام، مبهورا من هذه الزيارة.

وللأسف، الشعب كعادته يبدأ بالإنتقاد بالتذمر. لكن زكا ينتصب وكأنه يقدم إعترافاً علنياً، ووعداً رسمياً
“يارب، ها إني أعطي الفقراء نصف أموالي، وإن كنت قد ظلمت أحداً شيئاً، أرده أربعة أضعاف” بفضل نظرة يسوع إرتدّ زكا وعاد إلى ماكان يجب عليه أن يكون. إن أسم زكّا بالعبرية يعني النقي، البار، المعطي. وهنا نجد زكّا يدخل إلى أعماق نفسه فيجد زكا الحقيقي. فيعلق يسوع قائلاً:

“اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”.

كثيراً من المرات نظن أنَّ منطق الله نحو الإنسان هو أخطئ ثم أتوب ونتيجة توبتي يمنحني الله الغفران. أي (خطئية ß توبة ßغفران) لكن لو أمعنا النظر في أيقونة زكّا فسنجد منطقاً آخر لله. أخطئ والله يغفر لي فأتوب أي (خطئية ß غفران ß توبة).

إن يسوع لم يعرض أي شرط لمنحه الغفران. لم يقل له: إني أعرفك، إنك عشار، إن أرجعت كل ما سرقت سآتي الى بيتك. بالتأكيد زكا لن يبالي بكلام يسوع ولن يستقبله في بيته. لكن زكا فدهش، طار من الفرح، نتيجة غفران يسوع له، لم يستقبله فقط في بيته بل استقبله في قلبه، وحدثت المعجزة، حدث التغير، حصل الارتداد الحقيقي. أعطي نصف ما أملك، وإن ظلمت أحداً فسأرد أربعة أضعاف. وكأنَّه يقول سأعطي كل ما أملك وابقى على الحديدة.

إن المسيحية ليست ديانة شرائع، أو قوانين يجب تطبيقها بحذافيرها. إنَ المسيحية هي لقاء، هي لقاء مع حي، ونتيجة هذا اللقاء يحصل الارتداد، نتيجة هذا اللقاء ينبعث الفرح وتعم السعادة والسرور. هذا هو منطق الله. هذا هو اسلوب الله.

أهناك أجمل من أن نعيش لقاء يسوع مع زكا هذا الأسبوع؟ أهناك أجمل من أن نبث نظرة يسوع المملوءة ثقة ومسامحة لأخوتنا، عوضاً عن أن نحكم وندين ونطلب شروطاً وضمانات؟ أهناك أجمل من أن تفوح السعادة من خلال معاملتنا المسيحية؟ فلنعش تلاقي النظرات هذا الأسبوع، ولنسمح ليسوع بأن يعبر وينادي ويعلن الخلاص من خلالنا. 

لو 19، 1-10