stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عقائدية

ظهورات السيد المسيح بعد قيامته – الأنبا/ يوسف ضرغام

896views

jpg_18ظهورات السيد المسيح بعد قيامته – الأنبا/ يوسف ضرغام

لا شكّ أن هناك تبايناً بين الإنجيليين في سرد قصة الظهورات. فلوقا ويوحنا يضعانها في أورشليم بينما متى ومرقس يضعانها في الجليل. كما أنّ هذا التباين يطال أيضاً ترتيبها. لكنّ الشيء الأساسي الذي لا ينكره أحد هو حقيقة الظهورات نفسها ومحتواها. أمّا التباين فإنه يسند صحّة الشهادات. فلو كانت هذه الشهادات قد جاءت متأخرة كما يدّعي الخصوم، لكانت اتّفقت فيما بينها على كلّ التفاصيل. أمّا التباين فيدلّ على وجود تقاليد متعددة قديمة لم يحاول الإنجيليّون التوفيق بينها بل نقلوها كما هي. فمتّى كان مهتمّاً قبل كل شيء بموضوع مجيء الملكوت ومرقس بتكوين الرسل، لذلك وضعوا الظهورات في الجليل حيث أتمّ يسوع تعليمه لتلاميذه بينما يشدد لوقا ويوحنا على أورشليم كونها المدينة المقدّسة. لم تحدث هذه الظهورات وسط بروق ورعود ولا وسط هتافات وعلامات النصر، بل تمت في شكل بسيط، إنساني، لطيف.

 

ظنّت المجدلية أنها ترى البستاني فناداها صوت الرب: “مريم” فعرفته. ويتكلم متى على امرأتين يحييهما يسوع: “السلام عليكما”.

 

ويتحدث لوقا عن تلميذي عمّاوس اللذين رافقهما يسوع وهما لم يعرفاه.

 

وفي أورشليم ظهر للتلاميذ ووقف في وسطهم وقال لهم بلطف، بعد أن نفخ فيهم الروح القدس وأكل معهم “السلام معكم”. كان الرسل، بعد موت يسوع ودفنه خائفين، ضائعين مختبئين، لا يدرون ما يعملون وقد ضاعت الآمال الكبيرة التي قد كانوا قد علّقوها عليه. وأمام الظهورات اضطربوا وفوجئوا ثم فرحوا وهللوا… فلا يمكن أن يكونوا، والحالة هذه قد تصوّروا حدث القيامة، كما يدّعي بعض النقّاد، فهم لم يكونوا ينتظرون شيئاً. ويعبّر تلميذا عمّاوس عن هذا اليأس أحسن تعبير بقولهم “كنّا رجونا”. إذن لم يعد هناك من رجاء.

 

أمّا نبؤات يسوع بخصوص موته وقيامته فيقول القديس لوقا عنها: “إنهم لم يفهموا من هذا الكلام شيئاً” (لو18/34). ولا يمكن أن يكونوا قد سرقوا جسمانه وإلاّ كيف نشرح تعجّبهم أمام الظهورات. كما أننا نعرف من الإنجيل صدقهم وسموّ أخلاقهم. ولا يمكن أن يكون قد سرقه أحد سواهم فهم لم يؤمنوا عن طريق القبر الفارغ بل عن طريق الظهورات.

 

أمّا قول البعض بأنه لم يمت فهذا أمر غير منطقي. فآلام يسوع وموته على الصليب ودفنه والقبر الفارغ والظهورات، كلها أحداث تاريخية أمّا وجوده معهم في الظهورات فهو وجود من نوع جديد: لم يعد جسده كما كان قبل موته؛ هم يرونه ثم لا يرونه، يدخل عليهم والأبواب موصدة. هناك إذن عمل إلهي بدأ في هذا الوقت من تاريخ البشرية. رأس يسوع المنحني على الصليب رفعه الآب إلى الأبد. لقد بدأ ملكوت الله مع الإنسان الجديد بيسوع المسيح القائم من الموت؛ إنه إنسان الملكوت: “يُزرع جسد حيواني فيقوم جسد روحاني” (1كو15/44).

 

هذه الظهورات هي في أساس إيمان الرسل. فهي لم تحدث في النوم ولا في الحلم ولا في الليل بل في الصباح الباكر، في الحياة اليومية العادية. ليست رؤى فبولس لم يتحدث عنها كما يتحدث عما جرى له على طريق دمشق (أع9). إنه اختبار واقعي: لقد ظهر ورأوه (1كو9/1). وليس إنخطافاً كما حدث لبولس (2كو12/2). إنهم تجاه واقع إلهي، فريد من نوعه القائم من الموت ليس حقيقة مائتة مادية. بل على العكس الذي كان مائتاً يتكلّم. ليس المهم هنا رؤيته بالعين ولا الأحداث بل محتواها مهما كانت طرق إبلاغها. القائم من الموت ظهر لبعض التلاميذ والشهود. ظهر لبولس وقد كان عدوّاً له. هذا يعني أنّ يسوع هو الرب وأنّه أعطى تلاميذه رسالة تبشير العالم وتوحيده حول المصلوب القائم من الموت وأنّ ملكوت الله أصبح له على الأرض مكاناً يجتمع فيه شعبه؛ أي الكنيسة. المسيح بقيامته بلغ إلى كماله الممجّد؛ هذا الكمال الذي استحقه باتضاعه (في2/6-9).

 

شخص بشري استسلم كلّياً لحبّ الله فأصبح بكر الراقدين وبكر القائمين في الموت. في شخصه عقد الله مع البشرية علاقة حميمة. وهذا كله لا يُفهم بالعقل المجرّد. إنه يفوق عالمنا ولا يمكن الوصول إليه إلاّ بالإيمان. فالإيمان هو الذي يتعرّف عليه. عرفه تلميذا عمّاوس بالإيمان عندما فتحا قلبيهما؛ لا بالعين الجسديّة. “طوبى للذين لم يروا وآمنوا” (يو20/29).

 

من سلّم ذاته للمسيح يؤمن بأن المسيح حاضر بقربه وإن لم يره. فتوما لم يعترف بما رأته عيناه بل اعترف بأكثر من ذلك؛ بما رأته عينا الإيمان فصرخ: “ربّي وإلهي” (يو20/28). حواسنا الطبيعية لا تستطيع أن تصل إلى الخليقة الجديدة إلاّ بالإيمان والاستسلام التام لروح الله. حتى بالنسبة إلى الذي رأوه؛ كان الإيمان ضرورياً أي عطاء الذات كاملة وقد يتساءل البعض: لماذا لم يبق يسوع بعد قيامته في الكنيسة بصورة منظورة؟ فهو يجيب على هذا السؤال: “من الخير لكم أن أذهب إن كنت لا أذهب لا يجيئكم المعزي أمّا إذا ذهبت فأرسله إليكم” (يو16/17).

 

وجه يسوع البشري حل محله الروح القدس الذي يجعلنا نتحد بيسوع بشكل حميم أكثر من أن نراه جسديّاً. بالروح القدس يدخل يسوع إلينا بشكل أفضل وأكمل ويدخل إلى العالم بواسطتنا. لأن الروح القدس هو روح يسوع “لأنه لا يتكلم بشيء من عنده… بل يأخذ كلامي ويقوله لكم” (يو16/13-14). لم يعد يحيا معنا كإنسان بل يحيا فينا وهذه نعمة لنا ورسالة. فعلينا أنّ نمجّد الله في حياتنا على الأرض التي هي تكميل لحياة يسوع. ألم يعد منظوراً؟ بلى ولكن بشكل آخر.. فما نحن عليه لم يظهر بعد “لأنكم متّم وحياتكم مستمرة مع المسيح في الله” (كول 3/3). ويظهر ظهوراً تاماً عندما تكتمل حياتنا في الخليقة الجديدة. وهكذا بالمسيح، بدأ تجلي الكون. إذ هو ليس فقط مثالنا بل هو سبب وبداية تجلّينا إذا كان التجلي والتمجّد هو عطاء الله ذاته لخلائقه بالنعمة، فالتجلي إذن بدأ في الخليقة كل مرة، بالمحبة الفائقة الطبيعة، تمّ في شخص معين وإن كان يبقى هذا الحب والإيمان والرجاء وهذا التجلي والتمجيد أي الاتحاد بالله فإننا نبلغه عن طريق وسائل وضعها السيد المسيح في متناول أيدينا، أي الأسرار الكنسية وعلى رأسها سرّ الإفخارستيا.

 

عن مجلة صديق الكاهن العدد الثاني 1993